; كفي جريًا وراء السراب | مجلة المجتمع

العنوان كفي جريًا وراء السراب

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1986

مشاهدات 100

نشر في العدد 761

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 01-أبريل-1986

  • *العرب جربوا سراب الحلول الأمريكية فلماذا يجبرون الفلسطينيين عليها؟! *قيادة المنظمة تنخدع بمشاريع السلام وتطلب المشاركة فلا تجد إلا السراب. *اتفاق عمان ومشروع فاس يستندان لخطة ريغان المرفوضة أميركيا وإسرائيليًّا. *الجهاد في سبيل الله والاعتماد على الشعوب خطوة على الطريق.

    منذ هزيمة 67 جرى زعماء العرب وراء سراب إزالة آثار العدوان فقبلوا قرار مجلس الأمن 242 فلم يجدوا شيئًا، وبعد أن قبل عبد الناصر مشروع روجرز جرت أنظمة الحكم العربية وراء سراب الدور الأميركي المتوازن فلم يجدوا شيئًا، وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 78 والاتفاقية (الإسرائيلية - المصرية) يوم 26 مارس 1979 كان ينبغي لأنظمة الحكم العربية أن تَكُف عن الجري وراء السراب، سراب التسوية السلمية برعاية أميركية، لكن ألقي في روعهم وروع بعض القطاعات الفلسطينية أن الحلول الأمريكية يمكن أن تكون مثمرة في حالة واحدة وهي مشاركة الفلسطينيين فيها، وبدلا من أن تتعظ الأنظمة العربية مما سبق، مارس كل بأسلوبه الخاص، الضغط على قيادة الشعب الفلسطيني للقبول بالحلول والمشاريع الأمريكية لتسوية القضية الفلسطينية.

    وإذا كان النظام الأردني قد مهَّد الطريق لذلك في وقت مبكر من أحداث أيلول 1970، فإن النظام السوري مارس الدور نفسه وبصورة أبشع طيلة الحرب اللبنانية، حتى إذا نجح العدو الصهيوني في غزو لبنان عام 82، وتشتيت القوى المقاتلة الفلسطينية، أكمل النظام السوري تضييق الخناق على قيادة المنظمة من خلال حصار طرابلس في نهاية عام 83 وإعلان الحرب على قيادة عرفات، وتأييد خصوم الفلسطينيين في لبنان لحصار المخيمات في رمضان عام 1985.

    خيار صعب

    وإذا كانت فترة السبعينيات هي فترة القبول الرسمي لمشاريع التسوية الأمريكية فإن فترة الثمانينيات كانت فترة إلحاق قيادات الشعب الفلسطيني بهذه المشاريع، وبعد أن كانت اللعبة بين مصر وسوريا أصبحت بين سوريا والأردن، ومنذ عام 82 وجد ياسر عرفات نفسه بين خيار الارتهان لقرار النظام السوري أو التنسيق مع النظام الأردني، ومع أن كلا من الأردن وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية له دوافعه الخاصة للتحرك المشترك إلا أننا نعتقد أن أهم هذه الدوافع المشتركة المراهنة على دور أمريكي للتسوية في ضوء خطة ريغان التي أعلنها فور وقف إطلاق النار في بيروت وخروج المنظمة سياسيًّا وعسكريًّا من لبنان، وقد أخذت هذه المراهنة صفة الإجماع العربي بعد مشروع فاس في 20 سبتمبر 1982.

    وقد تتوج التنسيق (الأردني - الفلسطيني) باتفاق 11 فبراير 85 وذلك في أعقاب حصار طرابلس وأزمة انعقاد المجلس الوطني التي انتهت بموافقة الملك حسين على انعقاده في عمان في نوفمبر 84 حيث طرح الملك حسين مشروع الأرض مقابل السلام.

    دوافع مشتركة

    ولعل الخوف من فكرة الوطن البديل وتهويد الأرض المحتلة، وتلاحم الشعبين الأردني والفلسطيني كان من أهم الدوافع المشتركة للطرفين، لكنهما كانا يختلفان في أن الأردن كان مستعجلاً للتوصل لأي حل وليس لديه أي خيار آخر، أما المنظمة فلم تكن على نفس العجلة وتريد حلًّا يضمن لقيادتها المشاركة فيه، على قاعدة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن هنا أصرت المنظمة على الضمانات وعلى أن يكون المؤتمر الدولي فاعلًا، وقد اصطدم الاتفاق بصخرة الرفض الصهيوني والتعنُّت الأميركي، ولما كان الملك قد بذل جهودًا مُضنية للتقريب بين أميركا والمنظمة أثمرت بموافقة مبدئية أميركية على فكرة المؤتمر الدولي لكن كمظلة دولية مع مشاركة فلسطينيين ليس بالضرورة أن يكونوا من المنظمة، وشريطة أن تعلن المنظمة سلفًا اعترافها بقرار 242، وتوقف العمل المسلح نهائيًّا، ومن ثم ينظر في مشاركتها في المؤتمر الدولي.

    وكما قال فاروق قدومي فقد أنحى الملك باللائمة على قيادة المنظمة لأنها الأضعف، لكن يا ترى هل تنقطع العلاقة (الأردنية - الفلسطينية) نهائيًا؟

    احتمالات أردنية

    من الواضح أن الملك حسين بالرغم من نقده الشديد القيادة المنظمة في خطابه الذي أعلن فيه من طرف واحد تجميد التنسيق مع قيادة المنظمة لم يوصد الباب أمام استئناف الحوار بين الطرفين والمنظمة من جهتها أصدرت أمرًا لجميع مكاتبها بعدم التعليق على خطاب الملك وظل الموقف كذلك إلى أن اجتمعت القيادة في تونس وأعلنت موقفها يوم 8 مارس الجاري والذي جاء كتعليق على بعض المقولات في خطاب الحسين وتوضيحًا لموقف المنظمة ونقدًا للموقف الأميركي بأسلوب معتدل، الأمر الذي جعل الملك حسين يأمر بإذاعته بنصه الكامل من الإذاعة والتلفزيون.

    وقد أعلن كل من الطرفين تمسكه بالاتفاق وحرصه على العلاقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني، ووافق عرفات على تقييم الملك حسين للوضع عندما قال لقد وصلنا إلى طريق مسدود في أعقاب اجتماعه في القاهرة بحسني مبارك يوم 20 مارس الجاري، لكن عرفات أوضح أن سبب ذلك هو الموقف الأميركي وليس موقف المنظمة.

    وقد قلنا فور فراغ الملك من خطابه المشهور بأنه ليس بوسعه، كما ليس بوسع قيادة المنظمة، الاستغناء عن بعضهما البعض في هذه المرحلة.

    فالملك حسين ليس له خيار غير التسوية أو على الأقل التحرك في إطارها، لأن خياراته الأخرى محدودة، فهو إما أن يحاول المُضي قُدمًا في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهذا ما أعلن الملك رفضه، لأنه كما يبدو ليس واثقًا من نتائج هذه المفاوضات.

    وإما ان يحاول الاستغناء عن قيادة المنظمة واستبدالها بزعماء من الأرض المحتلة، وهذا الاحتمال ضعيف نتيجة لمحاذير الاحتمال الأول، إضافة إلى أن ردود الفعل على خطابه جاءت بعكس ذلك تمامًا، ونريد أن نقول بأن زعماء الضفة وقطاع غزة لا يُشبعون رغبة الملك في ضوء التنازل الذي سيقدمه؛ لأن هذه التنازلات لا يمكن لغير منظمة ثورية لها تاريخها النضالي وحضورها السياسي أن تقوم بالتغطية عليها، وبالتأكيد ليس هناك غير منظمة التحرير من هو مؤهل لذلك، اللهم إلا إذا بدلت المنظمة جلدها كما قال دايان ذات يوم.

    ويبقى أمام الملك خياران آخران: هما الانكفاء على الذات، والاشتغال بتطوير الدولة الأردنية على رقعتها الجغرافية في الضفة الشرقية، وهو أمر ليس من الميسور على الملك أن يفعله نتيجة للتشابك المعقد للقضية الفلسطينية والعلاقات (الأردنية – الفلسطينية) وما يترتب على ذلك من ضغوطات على النظام الأردني، وقد اضطر الملك لإسكات العناصر الأردنية الإقليمية في البرلمان بالرغم من بعض مظاهر الإقليمية التي أقرها في السابق أو لا تزال قيد الإقرار كقانون الانتخابات الجديد.

    عقبات سورية

    أما الخيار الآخر فهو تنشيط العلاقات (الأردنية - السورية) وخوض غمار «معركة السلام» جنبًا إلى جنب مع سوريا، وهذا الاحتمال تعترضه عقبات كثيرة بعضها يتعلق بالجانب السوري لكونه متورطًا في لبنان من جهة، ولعدم رغبته في المفاوضات مع إسرائيل لتسليمه بسقوط الجولان وعدم اهتمامه باسترجاعها أصلا من جهة ثانية، كما أن مشاركة سوريا تحتاج لتغطية عربية ومشاركة سوفييتية في المؤتمر الدولي، وهو أمر مشكوك فيه بالرغم من اقتناع العملاقين بضرورة التفاهم على حل المشاكل العالقة بينهما ومن ضمنها قضية الشرق الأوسط.

    في ظل هذه الحيرة اختار الملك أن يواصل الحركة في كل الاتجاهات لعل الأيام ترجح احتمالا على آخر، لكن في المستقبل المنظور ليس له بد من التنسيق مع المنظمة، وقد تكون هذه الحركة مناورة لزيادة الضغط على قيادة المنظمة للقبول بما هو مطروح عليها، وهذا ما نميل إليه في ضوء معرفتنا بقناعة التحالف (الإسرائيلي - الأميركي)، بأن أي حل لن يدوم مالم يوافق عليه أصحاب القضية أنفسهم.

    خيارات محدودة

    المنظمة من جهتها حريصة على استمرار العلاقة مع الأردن لأن خياراتها تظل محدودة، فالعلاقة مع سوريا لن يكتب لها النجاح بسبب إصرار حافظ الأسد على إقصاء ياسر عرفات عن رئاسة المنظمة، وعلى الأقل إذلاله إلى حد الاعتذار عن كل ما بدا منه كما ذكرت بعض صحف الأرض المحتلة نقلًا عن حافظ الأسد، وبسبب قناعة قيادة المنظمة بمحدودية التحرك السوري نظرًا لتورطها في لبنان، وموقفها من حرب الخليج المؤيد لإيران، وشك المنظمة أصلًا في النوايا السورية من واقع الدور السوري في لبنان. وفي هذا الصدد تُعَوِّل المنظمة على العلاقة مع الاتحاد السوفييتي أكثر من تعويلها على النظام السوري، ولذلك فإن أحد خياراتها بعد تعثُّر التحرك (الأردني – الفلسطيني) المشترك هو تنشيط العلاقة مع السوفييت الذين أبدوا تجاوبًا للتعاون في موضوع الدعوة لعقد مؤتمر دولي.

    أما على الصعيد العربي فترى المنظمة كما يفهم من ردها على خطاب الملك وأحاديث وتصريحات ياسر عرفات، وأبي إياد، وفاروق قدومي، والشيخ عبد الحميد السائح أنها تدعو لاستمرار التنسيق مع الأردن مع الحصول على دعم عربي استنادًا لمشروع فاس، ولذلك قام عرفات بزيارة القاهرة والرياض وبغداد وطلب التوسط لاستئناف التنسيق مع الأردن، وقد أوردت الأنباء فشل حسني مبارك في إقناع الملك باستئناف التنسيق مع قيادة المنظمة، وبعدها يزور الرياض ليسمع من الملك فهد بعد أن يكون قد حاول مع الملك حسين.

    وعلى الصعيد الفلسطيني تعمل المنظمة أو بالأصح فتح على إنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية وتصعيد الكفاح المسلح داخل الأرض المحتلة.

    وفي ضوء التشرذم العربي وحرب الخليج وتدهور أسعار النفط ليس من المتوقع أن تؤدي هذه الخيارات إلى نتيجة، خاصة وأن سقف هذه الخيارات جميعًا هو التسوية السياسية التي تبقى في المحصلة النهائية رهينة للموقف الإسرائيلي وهو موقف يسير بعكس هذا الاتجاه تمامًا.

    الجهاد هو الطريق

    والخيار الحقيقي والصحيح طالما أن الفترة هي فترة دراسة وتدبُّر، كما قال الملك حسين، هو أن تبادر قيادة المنظمة إلى نفض يدها نهائيًّا من مشاريع التسوية، وأن توثق صلتها مع الشعب الفلسطيني أولًا ومع الشعوب العربية والإسلامية ثانيًا على قاعدة الجهاد في سبيل الله لتحرير كامل التراب الفلسطيني، وأن تلجأ للطرق الكفيلة بذلك، أو على الأقل إبقاء جذوة النضال مشتعلة، مع العمل على إنهاض الأمة الإسلامية لحين قدرتها على القيام بواجب التحرير، إذ لا بد من مراجعة المسيرة السابقة مراجعة دقيقة وشاملة، ووضع إستراتيجية جديدة بالكامل تراهن على القوى الإسلامية الشعبية وليس على القوى الرسمية.

    صحيح أن هناك معوقات كثيرة أهمها أنظمة الحكم العربية، لكن لابد مما ليس منه بد، وإذا لم تدرك قيادة المنظمة هذه الحقيقة، فإن الجماهير الفلسطينية والإسلامية قد أدركت ذلك، ولابد أن نرى تباشير العمل الجاد قريبًا إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

155

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

143

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

147

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17