; الأهداف البعيدة وراء مأساة المخيمات | مجلة المجتمع

العنوان الأهداف البعيدة وراء مأساة المخيمات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1985

مشاهدات 116

نشر في العدد 724

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 09-يوليو-1985

  • مشاركة اللواءين السادس والثامن برهان عن أن تصفية الفلسطينيين متفق عليها بين سائر الأطراف.

بلغت مأساة المخيمات قمتها بانكشاف الستار الأخير عن المؤامرة، فإذا هي لا تريد شيئًا سوى استئصال كل أمل بالبقاء لهؤلاء الخمسين ألفًا من ضحايا العدوان «الصلهدي» الذي بدأ بإجلاء سواد الفلسطينيين عن ديار آبائهم وأسلافهم ليقذف بهم تحت كل كوكب، ثم ما زال يطاردهم وينتقص من وجودهم حتى انتهى بهؤلاء المساكين إلى الجحيم الذي يصلونه اليوم من قذائف منظمة أمل الشيعية، وصواريخ الجيش اللبناني وجرافاته التي تقف بانتظار الفريسة، فكلما آنست خمودًا للمقاومة في أي الجوانب من هذه المخيمات، اندفعت للإجهاز على بقية المنازل التي هدمتها صواعق الموت على نزلائها، فشرعت بنقل أنقاضها تمهيدًا لإزالة آثارهم من تلك الأرض، والقضاء على كل أمل بالعودة إليها.

ولقد كان لهؤلاء المطاردين في إخوانهم من أهل السنة في بيروت سند يأوون إليه كلما دهمتهم الجوائح من حولهم، فيخف عنهم الضغط حتى يوافيهم الله بالفرج إلى حين. ولكن الأيدي التي خططت لتصفيتهم هذه المرة قد قررت تمزيق هذه الوشائج الإنسانية بقوة الحديد والنار، فدفعت بعملائها ليبدأوا ضربتهم الحاسمة بالقضاء على أولئك المساندين، فإذا هم يباغتونهم في عقر دورهم، فلا يزالون بهم قتلًا وتدميرًا حتى انكسرت شوكتهم، وجردوا من كل قدرة على الدفاع حتى عن أنفسهم. ومن هنا انفسح الطريق للضربة الثانية التي يشهدها العالم هذه الأيام في حصار المخيمات وقصفها بكل أدوات الفناء حتى التجويع، ومنع الإسعاف الدولي من الوصول إلى جرحاهم!

وحتى هذه المرحلة من مخطط التصفية للقوى المسلمة غير المتشيعة، بما فيها أولئك المعذبون من لاجئي المخيمات، لم تنطلق من الصفر، بل مهد لها أولًا بإطباق «القوى المتحالفة» على المخيم الذي دخلت مأساته التاريخ باسم «تل الزعتر»، تلك المأساة التي ذهبت بالآلاف من القتلى والمشوهين، وانتهت بإمحاء المخيم نهائيًّا بعد أن حقق أروع أمثلة البطولة، وسجل المعتدون عليه من أحلاف البغي أبشع صور الحقد والتعصب والوحشية. وبذلك عبدت المسالك للمرحلة التالية التي تمثلت في الزحف الجهنمي الذي قامت به فيالق إسرائيل بمباركة من حاميتها وراعيتها أمريكا وأعوانها في أوروبا، وحلفائها السريين من الأقربين والأبعدين.

وخاض إخوان القسام والحسيني وأحفاد الفاتحين تلك الملحمة العالمية بمفردهم، بعد أن تخلى عنهم كل «الحلفاء» الذين كانوا يشحنون الفضاء صراخًا بالاستعداد لمشاطرتهم أعباء المعركة في «الخندق الواحد».

  • خبير أجنبي يقول:
  •  اللاجئون الفلسطينيون يجنون اليوم حصائد السياسة العربية التي لم يتورع بعض رموزها عن العبث والتغرير بهم.

وعلى دأب الأبطال الذين صهرتهم نيران العدوان المنصب عليهم من كل مكان، صمدوا حتى الرمق الأخير، وحتى لم يبق لبطولة الأحرار من مجال تتحرك خلاله، فغادروا الساحة مخضبين بدماء الآلاف من شهدائهم محتفظين بعزة الأباة الذين لا يعرفون الانحناء لغير الله.

ثم لم تطل المهلة حتى انفجرت الحلقة الثالثة بتفتيت صفوف الفلسطينيين وضرب بعضهم ببعض، حين استجر المخدوعون إلى المنزلق الذي دفعوا إليه، فما زالوا مسوقين إلى ما لا يعلمون، حتى نفذ المخططون الخلفيون برنامجهم الرهيب بإخراج بقايا السيوف من شمال لبنان، وبعثرتهم للمرة الثالثة في متباعد الأرجاء.

وكانت هذه هي الحلقة الأخيرة التي شقت الطريق إلى مرحلة التصفية التي نواجهها اليوم ذاهلين لا نملك بإزائها سوى الزفرات، وبعض الاحتجاجات!

  • قبل أيام أذاعت محطة لندن تقريرًا لأحد خبرائها حول هذه المأساة، فكان مما قاله: إن هؤلاء اللاجئين يجنون اليوم حصائد السياسة العربية، التي لم يتورع بعض رموزها عن العبث بمصالحهم والتغرير بهم.

ومن قلب الجزائر يرتفع صوت أحد المسؤولين الفلسطينيين مشيرًا بكل صراحة إلى مصدر البلاء الذي يعانيه سكان المخيمات المنكوبة في بحيرة الدم الجديدة، ويؤكد أن غاية هذا المصدر هو القضاء على المقاومة المسلحة في لبنان تحقيقًا لمصلحة أمريكا وإسرائيل.

  • الأيدي الخفية خططت لتصفية الفلسطينيين هذه المرة منذ قررت تمزيق الوشائج الإنسانية بالحديد والنار.

ومع ذلك فلن تؤثر هذه الصيحة ولا آلاف الصيحات معها في تخفيف آلام المعذبين، لأنها لن تكف جرافات الجيش اللبناني عن تدمير مساكنهم، ولن تسكت مدافع وصواريخ محاصريهم عن مواصلة تقتيلهم أكثر من لحظات ريثما يتلقون الجديد من الأوامر الرهيب من الخطط المعجلة بالنهاية.

  • وما دمنا أفرادًا وشعوبًا لا نملك لهؤلاء الإخوة المروعين ضرًّا ولا نفعًا، فلا أقل من أن نتساءل عن المصير الذي يراد سوقهم إليه، لقد أعلن رجل الحقوق نبيه بري على مسمع من كل ذي أذنين ألا مكان للمقاومة الفلسطينية بعد اليوم في لبنان، وما إزالة مساكن هؤلاء المساكين إلا الدليل الصارخ على أن الرجل يعني ما يقول.

وأما مشاركة الجيش اللبناني بلواءيه السادس والثامن، فليست سوى البرهان الآخر على أن تصفيتهم قضية متفق عليها بين سائر الأطراف دون استثناء، اللهم إلا أهل السنة الذين ينتظرون مصيرهم الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى، ولا سيما بعد الإعلان الذي صدر من دمشق مؤخرًا عن ضرورة توسيع نصيب الشيعة في التسوية السياسية القادمة، دون أن يتطرق إلى ذكر إخوانهم من مسلمي السنة.

ولنتذكر هنا آخر تصريح لإيلي حبيقة -القائد الجديد لمليشيات الكتائب- الذي يقرر فيه التعاون مع الحكم السوري والمقاطعة لحليفته إسرائيل، التي تحت إشرافها قاد المجزرتين الرائدتين في صبرا وشاتيلا. ولنتذكر قبله انسحاب قوات سمير جعجع من المرتفعات التي كان يرسل منها صواعقه على صيدا وما حولها، متخليًا عنها فجأة لمليشيات نبيه بري.

وما أعقب ذلك من بروز القيادة الجديدة.

فما الأسرار الكامنة خلف هذه التغيرات؟ وما الأغراض التي تستهدفها؟

أما أنا فلا أجد سوى جواب واحد هو أن تعهدات قد قُطعت للكتائب بإنهاء الوجود الفلسطيني أولًا، ثم بتحطيم الكيان السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمسلمين السنة ثانيًا. 

وكل ذلك مقابل شيء واحد، هو أن ينضوي لبنان الجديد تحت سلطان النظام الطائفي المجاور، الذي أسهم في قتل الفلسطينيين وخطط لذلك. وطبيعي أن ذلك قائم على أتم الموافقة من أمريكا وصنيعتها إسرائيل اللتين توقنان ألا قرار لهما إلا بالقضاء على الصحوة الإسلامية السليمة في سائر أنحاء الشرق الأوسط، وكل شيء غير ذلك ففي متناول اليدين.

هذا ويبقى أن نتساءل عن موقف الغافلين والمتغافلين من المعنيين بهذه التحركات الجديدة على امتداد الرقعة المهددة بأفدح الأخطار!

وجواب ذلك عند المسؤولين الكبار عن هذه الأقطار.

ويا ليت قومنا يراجعون منسياتهم من التاريخ ليروا تجربة أسلافهم في بغداد مركز الحضارة الإسلامية، يوم اقتحمها هولاكو بتوجيهات الباطنيين الكبيرين الوزير العلقمي والنصير الطوسي، فدمر معالمها وأباحها لجنوده ثلاثين يومًا يهتكون ويقتلون وينهبون، حتى أحالوها مقبرة المليون وثمانمائة ألف من خيرة أبناء آدم يومئذ. ثم لم يكتف النصير الطوسي بكل هذه الفواجع حتى أغرى هولاكو بالقضاء على أسرة الخليفة المستعصم، واقترح على السفاح المغولي أن يجعل قتْلة الخليفة عن طريق الرفس بالأقدام.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

100

الثلاثاء 09-يونيو-1970

قبل أن تصبحوا جميعًا لاجئين

نشر في العدد 21

105

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

يوميات المجتمع - العدد 21

نشر في العدد 22

128

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

لعقلك وقلبك  - العدد 22