; تأملات في السيرة | مجلة المجتمع

العنوان تأملات في السيرة

الكاتب مصطفى الشقيري

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993

مشاهدات 117

نشر في العدد 1042

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 16-مارس-1993

في الأوقات العصيبة وفي فترات المحن والشدائد تظهر أقدار الرجال، وتبرز خصائصهم النفسية، ويظهر ما كان مخبوءًا في حنايا الصدور، ويُعرفون من أي معدن هم، أهم من ذلك النوع الهش الذي لا يثبت في موقف، ولا يصبر على ملمة، ولا يقوى على تبعات الرجولة ومغارمها، وتطير نفسه شعاعًا وتتهاوى تحت مطارق المحن، وتعتصرها آلام الشدائد، وتعصف بها رياح الفتن؟ أم أنهم من نوع المعادن النفيسة التي لا يزيدها لهب النيران إلا بريقًا ولمعانًا، وينفي خبثها، ويذهب بما علق بها من أوحال الأرض وشوائبها، فتخرج من المحن أصلب عودا وأقوى شكيمة.

كما تتجلى في الشدائد والمحن المواهب الفذة للقادة والزعماء، وهم يعالجون الأزمات، وكم من أمة هوت وانتكست خلال المحن؛ لأنها رُزِئَتْ بقادة كل مؤهلاتهم للقيادة هي النزق، والطيش، والحماقة، لكنهم غلفوا هذه الخصائص الدنيئة بصيحات عنترية كاذبة وطنطنات جوفاء، صنعها إعلام فاجر، فلما جد الجد انكشفت الحقائق، وظهر المخبوء، وإذا بمن كانوا أسودا أو شئت قلت من استأسدوا، إذا بهم نعامات تجيد العدو والفرار، وإن شئت قلت أسودا من دمى صنعها كتاب، وأدباء، وشعراء، وفنانون.

كذلك تجد أصنافًا من الناس يعيشون في دنيا الناس مغمورين لا يعرف لهم فضل، ولا يمتازون بموهبة تسلكهم في عداد العظماء، وأصحاب المواهب، وقد تنطوي نفوسهم على طاقات كامنة ومواهب متعددة، وهم لا يشعرون.. كل ذلك أنت واجده في سيرة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وفي سيرة أصحابه الأخيار.

فبين يدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي غزوة حنين؛ حيث أسفرت هذه المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين، وهزيمة نكراء لقوى الشرك والضلال، وخلف المنهزمون في ميدان المعركة أربعة وعشرين ألفًا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، وستة آلاف من السبي، وكانت كلها لهوازن، ولم يتعجل الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- قسمة السبي عسى أن يأتوا مسلمين فيرد عليهم ما غنمه المسلمون.

وبعد بضع عشرة ليلة بدأ بتوزيع وقسمة الأموال، وهنا تجلت حكمة الرسول، ونظرته الثاقبة، وحسن تدبيره أن أمامه أصنافًا من البشر تتطلع نفوسهم إلى هذا المال بشراهة منقطعة النظير، وهم حديثو العهد بالإسلام ودعوته، ويريد لهم أن يثبتوا على دينهم لعل نفوسهم تسمو فيما بعد، وترقى إلى مستوى الإسلام وآفاقه العالية، ويكونون للدعوة خير جند وأعوانًا، فأعطى أبا سفيان مائة من الإبل، وأربعين أوقية من الفضة، ومثليها لابنيه معاوية، ويزيد.

ويتجمع طلاب الدنيا حول الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويزاحمون حتى ألجأوه إلى شجرة انتزعت رداءه، وهنا ينطق الرسول بكلمات كلها تجرد وزهد أنه داعية حق، لا يبغى عليه أجرًا: «أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمت عليكم، ثم لا تلقوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا» ثم أخذ وبرة من سنام بعير ثم دفعها بين إصبعيه وقال: «أيها الناس والله ما لي من فَيئكم، ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم» (حديث صحيح رواه أحمد والبيهقي والبخاري).

كما أعطى بعض المشركين من غنائم حنين الشيء الكثير، ومن هؤلاء صفوان بن أمية حتى قال: مازال رسول الله يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليَّ حتى ما خلق الله شيئًا أحب إليَّ منه (رواه مسلم).

يا لها من حكمة بارعة، وسياسة رشيدة في التعامل مع الأحداث، سرعان ما تظهر نتائجها فيتحول القلب المبغض للدعوة والداعية وليس شيئًا على وجه الأرض أبغض إليه منهما- يتحول بحكمة الداعية هذا التحول العظيم وما من شيء أحب إليه من محمد -صلى الله عليه وسلم- ودعوته.

ويظل الرسول يعالج الآثار التي نجمت عن توزيع الغنائم على النحو الذي فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما كان فيه شيء إلا الحكمة وحسن التدبير، وإن خفي ذلك على بعض قصار النظر في بادئ الأمر.

روى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: إني أعطي قومًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير، منهم (عمرو بن تغلب) قال عمرو: فما أحب إليَّ بكلمة رسول الله حمر النعم.

إن الأمر ليس إعطاء هذا أو حرمان ذاك، إن صاحب الدعوة أوتي بصرًا ثاقبًا وإدراكًا جيدًا لطبائع البيئة المحيطة به، وما جبل عليه الناس فمنهم من يرجح في نظره رضوان الله وكلمة حانية ولفظة رقيقة من الرسول الكريم على أموال الدنيا وكنوزها، أمثال عمرو بن تغلب، ومنهم لا يصلح شأنه إلا أن ينال من حظ الدنيا ما يصلح به شؤونه المعاشية، فكان لكل معاملة، ولكل سياسة. وما أجمل قول الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة: «إن في الدنيا أقوامًا كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم، لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظل تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها آمنة، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له».

ومن خلال توزيع الغنائم يظهر معدن الأنصار النبيل، وتتجلى سجاياهم الكريمة، فلقد فوجئوا بالرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- يؤثر سائر العرب عليهم، ويخصهم بغنائم حنين، ويمنع منها الأنصار، وهم من هم في حسن البلاء في سبيل الدعوة والداعية إيثارًا، وبذلا وتضحية وفداء، أوليس هم الذين أمنوا الدعوة والداعية من خوف، وفتحوا لها صدورهم وقلوبهم إيمانا وتصديقًا وبرا ووفاء، وفتحوا لها ديارهم إكرامًا وإيثارًا؟ فكيف يُمنعون رفدها وعطاياها المادية؟ فكان في نفسهم شيء من حرمانهم من غنائم حنين، لكن الرسول الكريم كان يعرف أن قدر الأنصار ومكانتهم وحسن بلائهم أكبر بكثير من أن يكافأوا عليها بشاة أو بعير، ولا يوزن بعرض زائل من أعراض هذه الدنيا.

ومع صاحب الدعوة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في حديثه العذب عن الأنصار، وقدر الأنصار.. عن أبي سعيد الخدري: لما أصاب رسول الله الغنائم يوم حنين، وقسم للمتآلفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه، فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم قال: فيم؟ قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء.

قال رسول الله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟». قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، فقال رسول الله: «جمع لي قومك في هذه الحظيرة». فإن اجتمعوا فأعلمني.

فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم، فخرج رسول الله، فقام فيهم خطيبا فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم»، قالوا: بلى، قال رسول الله: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟».

قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المنُّ لله ورسوله، قال: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم، جئتنا طريدًا فآويناك، عائلًا فآسيناك، خائفًا فأمناك، مخذولًا فنصرناك»، فقالوا: المنّ لله ورسوله.

فقال: «أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تآلفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ربًا وبرسوله قسمًا.

ثم انصرف وتفرقوا (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

أي شرف عظيم هذا الذي حازه الأنصار وآبوا به؟ وأي مجد هذا الذي ضمه الأنصار إليهم؟ تتضاءل أمامه كل كنوز الأرض؛ إنه صاحب الرسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- والدعاء بالرحمة لهم ولذراريهم.

لقد أذابت حرارة الكلمات النبوية الدافئة ما علق بنفوسهم من توزيع الغنائم، وظهر معدنهم النبيل، وبرزت خصالهم الكريمة وسجاياهم الطيبة، وأنهم على العهد ثابتون، وعلى الوفاء للدعوة باقون، لا يغيرهم مغنم يحرمون منه بعد أن منحوا رضوان الله، ورجعوا بالرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- ويا نِعم ما رجعوا به! «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :