العنوان «فداء».. والروح العدوانية
الكاتب نادية البراك
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993
مشاهدات 18
نشر في العدد 1049
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 11-مايو-1993
الطالبة فداء تبلغ الثالثة عشرة من العمر، وقد تميزت بصفة ندر أن توجد بين الفتيات في مثل عمرها، فقد كانت فداء شديدة الميل إلى العدوانية وضرب الطالبات ضربًا يصل إلى حد الجرح والإيذاء، سواء كُن من الطالبات في فصلها أو من طالبات المدرسة عمومًا، وقد كان من الطبيعي أن أتلقى شكاوى الطالبات من ذلك واعتدت استقبال كل واحدة منهن وهي تريني جرحًا غائرًا في جبينها أو كدمة في عينها أو... إلخ. بعد ذلك بدأ توافد الأمهات وأولياء الأمور إلى مكتبي يشتكون من الطالبة المذكورة والتي كانت لا تتورع عن إيذاء بناتهم لأتفه الأسباب، فقد كان يكفي أن تتلفظ إحدى الطالبات بكلمة عابرة كي تنهال عليها «فداء» ضربًا وركلًا وعضًّا.
لم أقف صامتة أمام أحداث العنف التي مصدرها
فداء واستدعيتها إلى مكتبي لأقوم بدراسة هذه الحالة شديدة الميل إلى العنف..
حضرت فداء إلى مكتبي ذات صباح وإذا بها فتاة
نحيلة شاحبة تبدو أصغر من عمرها، ولا ينم شكلها الهادئ عما سمعته عنها إطلاقًا.
وبسؤالي لها عن سبب ضربها للفتيات أنكرت ذلك، كما توقعت وكما يحدث عادة من جميع
المتهمات، وقالت إن الفتيات هن غالبًا اللواتي يعتدين عليها بالضرب وأنهن يتآمرن
ضدها، وأنهن... ثم انهمرت في بكاء حار قد يخدع غيري ممن لم ير حالات مشابهة كثيرة،
لكنني بحكم عملي قد تعودت على مثل هذه الأساليب التمثيلية، لذلك فقد أفهمتها بحزم
أنني لن أتسامح معها إذا ما تكررت الشكوى منها في المرة القادمة.
كما توقعت لم تستجب «فداء» لتعليماتي واستمر
مسلسل الزيارات من الطالبات الشاكيات الباكيات واللاتي تعرضن لضرب فداء وقسوتها.
مرة أخرى استدعيت فداء إلى مكتبي وقلت لها
بحزم: يبدو أنك لم تستمعي لنصحي يا «فداء» وعدت لضرب زميلاتك مرة أخرى. عادت فداء
لتمثيل دور المظلومة وسرعان ما تشنجت وأجهشت بالبكاء قائلة: والله يا «أبلة» أنا
مظلومة، الفتيات جميعهن يكرهنني ويردن الانتقام مني. قلت لها بهدوء: ولماذا يردن
الانتقام منك ولستِ من المتفوقات مثلًا؟ عادت تكرر القسم: إنهن يغرن مني جميعًا،
والله.. والله.. يا «أبلة».
تعلمت من وظيفتي أن كل صفة إيجابية أو سلبية
في شخصية الطفل يعود سببها إلى نوعية الجو الأسري الذي نشأ وترعرع فيه، لذا كان من
الطبيعي أن أحاول التعرف على أسرة فداء وبالأخص شخصية والديها، لذلك طلبت منها رقم
هاتف المنزل، فتلعثمت قائلة: لا يوجد أحد في منزلنا في هذه الساعة، أبي في العمل
وأمي مشغولة خارج المنزل و... قاطعتها قائلة: أعطني رقم الهاتف وسأتصرف. قامت
بإملاء الرقم عليَّ ثم انصرفت. ولم أحتج لوقت طويل كي أدرك أنها قد أعطتني رقمًا
وهميًّا، وبمراجعة سجلات المدرسة التي لدي حصلت على الرقم الصحيح، ولكن لم يرد أحد
على الهاتف مما جعلني أعزم على معاودة الكرة في المساء ولم أحصل على نتيجة
إيجابية، وظللت أكرر نفس المحاولة لعدة أيام في أوقات مختلفة دون نتيجة.
قررت القيام بزيارة مفاجئة لأسرة «فداء» في
غير أوقات العمل. كان المنزل يقع في أحد الأحياء الشعبية البسيطة، وقد دل شكله
الخارجي على المستوى المادي الضعيف لأصحابه، طرقت الباب الذي كان مواربًا فلم يرد
عليَّ أحد، وتناهى إلى سمعي صوت أناس في الداخل فعاودت الطرق كذا مرة دون أن يرد
أحد، وقفت لحظات أفكر هل أدخل أم أعود أدراجي، ترددت كثيرًا لكن حب الاستطلاع لدي
غلب على خوفي في النهاية، فقد كنت أرغب رغبة شديدة في معرفة سر هذه الفتاة
العدوانية.
حين دخلت المنزل فوجئت بالفوضى الشديدة
والقذارة التي هي طابع مميز له، كانت «فداء» واقفة أمام مغسلة صغيرة في الحوش تغسل
بعض الثياب، بينما فتى في السابعة عشر جالس أمام شاشة التلفاز وآخر أصغر من فداء
يلهو بلعبة له.
فوجئت «فداء» بدخولي وتركت ما في يديها وأسرعت
إليَّ قائلة: أبي ليس موجود وكذلك أمي، لا يوجد أحد، لماذا جئت إلى هنا؟! سمع
شقيقها الأكبر حوارنا فانضم إلينا قائلًا: من هذه يا «فداء»؟ صمتت «فداء»، أجبته
قائلة: أنا [الأخصائية] الاجتماعية في مدرسة «فداء». کرر تساؤله: ولماذا جئت
لبيتنا؟ أطرقت «فداء» خجلًا بينما أجبته ثانية: جئت لمقابلة والدة «فداء». قهقه
الولد ساخرًا: جئت لمقابلة أمنا؟ هاها.. أمي ليست هنا، لقد انفصلت عن أبي وتزوجت
من آخر، سافرت معه إلى مدينة أخرى ولم نعد نراها إطلاقًا.
لم يكن حديثه مفاجئًا لي بعد الإهمال الذي
رأيته يحيط بالبيت، فسألته: وأين والدك؟ عاد مرة أخرى يقهقه قائلًا: والدي فوق مع
زوجته الجديدة لا نراه ولا يرانا.
تساءلت في دهشة: ومن يهتم بأمركم إذن؟ من الذي
يطهو طعامكم ويشرف على تربيتكم و...؟ قاطعني ساخرًا: نحن لا نحتاج لرعاية أحد، نحن
إخوة، لكننا نعيش في بيت واحد كالأغراب، كل واحد يطهو طعامه بنفسه ويغسل ثيابه
بنفسه.
غادرت المنزل وأنا أرثى لهؤلاء الأطفال الذين
هم ضحية لأنانية الآباء.. مرت سنوات عديدة بعد ذلك نسيت خلالها أمر «فداء»، حتى
كان يوم كنت فيه في زيارة قريبة لي، وإذا بجارة لها تسألها قائلة: وكيف حال جارتك
«فداء» التي تسكن الشقة المقابلة لك؟ أثار الاسم في ذهني ذكريات عديدة، فانتبهت
لقريبتي وهي تقول: لم تعد تزور أو تُزار، لقد قطعت جميع الجارات علاقتهن بها، فهي
لا تتورع عن ضرب أي طفل أو أم لأتفه الأسباب. أردت أن أتأكد من شخصية المرأة
المقصودة، فذكرت لي قريبتي الاسم كاملًا، وإذا بها «فداء» تلميذتي عدوانية الميول..
لقد تزوجت فداء وأصبحت أمًّا لكنها لم تتخلص من طبعها القديم وهو ضرب الناس
والاعتداء عليهم لأتفه كلمة توجه لها، وكل ذلك باعتقادي بسبب النفسية المريضة في
داخلها وظروف الأسرة غير الطبيعية التي عايشتها في طفولتها، مما جعلها تحمل في
صدرها حقدًا على جميع الناس.
الحرمان الذي تعرضت له في طفولتها جعلها تصبه
حقدًا وانتقامًا على الجميع، لقد صورت لها نفسها المريضة أن تكره وتحقد على الناس
بسبب أنها حرمت مما استمتعوا به في طفولتهم، وهكذا رواسب الماضي تظل مع المرء حتى
يبلغ من العمر أرذله.
إن «فداء» في النهاية هي ضحية، ضحية أب عاش
عبدًا لنزواته، وأم فضلت سعادتها على سعادة أبنائها والتضحية لأجلهم!
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل