; رضاء الناس غاية لا تدرك | مجلة المجتمع

العنوان رضاء الناس غاية لا تدرك

الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1993

مشاهدات 81

نشر في العدد 1050

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 18-مايو-1993

قال أحمد بن حنبل -رحمه الله- لحاتم الأصم: أخبرني يا حاتم فيم أتخلص من الناس؟ قال: يا أبا عبد الله، في ثلاث خصال: قال: وما هي؟

قال: أن تعطيهم مالك، ولا تأخذ من مالهم شيئًا.

قال: وتقضي حقوقهم، ولا تستقضي منهم حقًا.

قال: وتحمل مكروههم، ولا تكره واحدًا منهم على شيء.

قال: فأطرق أحمد ينكت بإصبعه الأرض، ثم رفع رأسه وقال: يا حاتم، إنها لشديدة. فقال له حاتم: وليتك تسلم، وليتك تسلم، وليتك تسلم! (وفيات الأعيان، لابن خلكان: 2/27)

اعلم -أخي المسلم- أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، لذلك مهما فعلت فلن تجد الذي يرضى في كل شيء، ولأن المسلم غايته لا تبرر وسيلته كان واجبًا عليه أن يرضي الله وإن سخط الناس، بل إن من يرضي الله يرضى الله عنه والناس، كما جاء في الحديث: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه.

ونأتي الآن إلى شرح الخصال الثلاثة:

1- أن تعطيهم مالك، ولا تأخذ من مالهم شيئًا:

يقول الشيخ حسن أيوب حفظه الله: الذي يجود بالمال لأخيه في الله أقل مرتبة له أن يجعل أخاه عند الحاجة مثل أولاده، ينفق عليه بدون أن يرجع عليه بشيء مادام محتاجًا، وأعلى مرتبة أن يؤثره على نفسه كما فعل الصحابة الذين نزل فيهم قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (سورة الحشر: 9).

يقول ابن عمر رضي الله عنه عن الأخوة بين الصحابة حيث قال: أُهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاه، فقال: أخي فلان أحوج إليه مني، فبعث به إليه، فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة!

وروي أن مسروقًا استدان دينًا ثقيلًا، وكان على أخيه خيثمة دين، قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم!

وقال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له.

وهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال قال: لا أحتاج إليه، وإنما أحتاج إليكم، فأعينوني بقوة، أي اخدموا أنفسكم معي، فإن الأموال عندي والرجال عندكم.

واستمع -أخي الحبيب- إلى تعليق الدكتور صلاح عبدالفتاح الخالدي وهو يتحدث عن قصة ذي القرنين عندما قال: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ (الكهف: 95)، يقول الدكتور صلاح: رد ذو القرنين على عرضهم المادي بعفة وزهد في الأجرة والمال، وقال لهم: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾، لا حاجة لي في مالكم، فقد آتاني الله خيرًا مما عندكم، ومنحني من مظاهر التمكين والقوة ما جعلني زاهدًا في مالكم مستعليًا عليه.

إن زهد ذي القرنين في المال يقدم لنا صفة من صفات الحاكم الصالح العادل الزاهد، وهو يدعو حكام المسلمين ليقتدوا به في هذه الصفة.

ونأخذ من موقف ذي القرنين مع أولئك القوم وجوب زهد الإمام في أموال رعيته وتعففه عنها وعدم أخذ شيء منها.

إنه مطالب بحفظ البلدان وحماية الناس، ولا يأخذ على ذلك أجرًا ولا مالًا، لأن هذا من لوازم كونه إمامًا لهم.

وقد وقف الإمام أبو بكر بن العربي أمام رد ذي القرنين واستخرج منه قاعدة عامة في تعامل الحاكم مع رعيته وزهده في أموالهم فقال: «وعلى الملك فرض أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، وإصلاح ثغرهم، من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي يجمعها خزنتهم تحت يده ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق وأنفذتها المؤن واستوفتها العوارض لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر في ذلك بثلاثة شروط:

الأول: ألا يستأثر بشيء عليهم.

الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة منهم فيعينهم.

الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على مقدار منازلهم.

فإذا فنيت بعد هذا ذخائر الخزانة وبقيت صفرًا، فاطلعت الحوادث أمرًا بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير، وتصرف بأحسن تدبير».

فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال قال: لا أحتاج إليه، وإنما أحتاج إليكم، فأعينوني بقوة، أي اخدموا أنفسكم معي، فإن الأموال عندي والرجال عندكم.

وضبط الأمر فيه أنه لا يحل أخذ مال إلا لضرورة تعرض فيؤخذ ذلك المال جهرًا لا سرًَا وينفق بالعدل لا بالاستئثار وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالرأي(1).

2- تقضي حقوقهم ولا تستقضي منهم حقًا:

يقول الشيخ حسن أيوب حفظه الله: وذلك بأن يضع نفسه في خدمة أخيه بمجرد أن يشعر أن أخاه محتاج إليه من غير انتظار للطلب من أخيه.

قال بعضهم: إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية، فلعله أن يكون قد نسي، فإن لم يقضها فكبر عليه.

وقضى ابن شبرمة حاجة لبعض إخوانه كبيرة، فجاءه بهدية فقال: ما هذه؟ قال: لما أسديته إلي، فقال: خذ مالك عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى.

3- تحمل مكروههم ولا تكره واحدًا منهم على شيء:

يقول الشاعر:

وما بي جهل غير أن خليقتي                                     تطيق احتمال الكره فيما يحاول

وقال محمد بن إسحاق رحمه الله: كان أناس بالمدينة يعيشون ولا يدرون من أين يعيشون، ومن يعطيهم، فلما مات زين العابدين بن الحسين -رحمه الله- فقدوا ذلك، فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به، ولما مات وجدوا أثناء تغسيله في ظهره وأكتافه أثر حمل أكياس الطعام إلى بيوت الأرامل والمساكين.

تأمل أخي المسلم في المثال الرائع لمعنى قضاء الحوائج.

____________________

الهوامش

1- أحكام القرآن لابن العربي 3:1248، وانظر: ذو القرنين لمحمد خير رمضان يوسف: 274-275.


اقرأ أيضًا:

جلسة مع ابن القيم.. إیثار رضی الله علی رضی خلقه

الرابط المختصر :