العنوان خطة شارون لتفكيك مستوطنات.. هروب من غزة إلىٰ الضفة
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2004
مشاهدات 64
نشر في العدد 1588
نشر في الصفحة 20
السبت 14-فبراير-2004
أخذ إعلان رئيس الوزراء الصهيوني شارون حول نيته وضع خطة لتفكيك المستوطنات اليهودية في قطاع غزة، أخذ يتفاعل "إسرائيليًا" بما يشي ببروز أزمة داخل الحكومة وفي الكنيست، بل وداخل حزب الليكود نفسه.
وكان شارون قد ألقىٰ مفاجأة عندما قال الأسبوع الماضي إنه «في المستقبل لن يكون هناك يهود في غزة» وكان قد أعلن أواخر العام الماضي أنه يدرس خطة من جانب واحد للانسحاب من مناطق في الضفة والقطاع وفك الارتباط مع الفلسطينيين خلال ستة أشهر «بداية الصيف القادم» إذا لم يتم إحراز تقدم في «عملية السلام» مع الفلسطينيين.
عساف شريف أحد مستشاري شارون قال إن الأخير يخطط لنقل مستوطني قطاع غزة إلى مستوطنات الضفة الغربية التي ستبقى تحت «السيادة الإسرائيلية» في أي تسوية نهائية، وأضاف إن شارون يبحث عدة خيارات بشأن إخلاء 17 مستوطنة من أصل عشرين في قطاع غزة خلال عامين، وسيقدمها للمسؤولين الأمريكيين - خلال زيارته لواشنطن أواخر الشهر الحالي أو مطلع الشهر القادم.
وقال شريف: إن إعداد خطة الفصل أو نقل المستوطنين لن تكتمل إلا بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، لكنه أوضح أن نقل المستوطنين وعددهم حوالي 7500 مستوطن إلى الضفة هو أحد الخيارات المطروحة وليس الخيار الوحيد.
ووفقًا لمسؤول صهيوني آخر فإن شارون يدرس إجراء استفتاء عام حول خطته التي يعترض عليها عدد من أعضاء حكومته وحزبه، وربما الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة في يونيو أو يوليو القادمين وتشكيل حكومة ائتلافية يدخل فيها حزب العمل المعارض الذي يدعم توجهات شارون بخصوص إخلاء مستوطنات القطاع.
وكان شارون قد أعلن أنه أصدر أوامره لوضع خطط إخلاء ١٧ مستوطنة في قطاع غزة وثلاث في الضفة الغربية وتتضمن الخطة إقامة حدود «الجدار الفاصل» في الضفة للانفصال عن الفلسطينيين.
وستبقى ثلاث مستوطنات يهودية شمال شرق قطاع غزة هي نيسانيت وإيلي سيناي ودوغيت ويمكن فيما بعد ضمها للأرض المغتصبة عام ١٩٤٨م بحكم تواصلها الجغرافي معها.
وتقول مصادر حكومية صهيونية: إن الإدارة الأمريكية في عهد كلينتون وافقت على ضم المستوطنات الثلاث إلى «إسرائيل»، كجزء من اتفاق سلام دائم مع الفلسطينيين، وإن سعي شارون للحصول على موافقة الإدارة الأمريكية على خطته وتعزيز المجمعات الاستيطانية هو أحد البدائل المطروحة التي يدرسها ما يسمى بمجلس الأمن القومي الصهيوني. كما أن أمام شارون خيارًا ثالثًا وهو ضم مستوطنات الضفة الغربية بشكل رسمي إلى الكيان الصهيوني وهناك خيار رابع كما تقو المصادر "الإسرائيلية"، وهو الحصول على الموافقة الأمريكية على توسيع جدار الفصل العنصري باتجاه الشرق لكي يشمل المزيد من المستوطنات اليهودية في الضفة حتى يكون «خطًأ أمنيًا مؤقتًا»، لحين تنفيذ خطة خريطة الطريق وتضيف هذه صادر أن الجدار الفاصل يمكن بعدها إعادته إلى الحدود التي سيتم الاتفاق عليها مع الفلسطينيين.
الموافقة الأمريكية ضرورية
يبدو شارون مستعجلًا على وضع خطته الجديدة والإسراع في تنفيذها، مستغلًا الركود السياسي في المنطقة وانشغال الإدارة الأمريكية بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم، وهو يسعى للحصول على موافقة أمريكية على الخطة التي يضمن بها تحقيق مكاسب بابتلاع مساحات واسعة أخرى ومهمة في الضفة مقابل إخلاء مستوطنات في غزة لا يزيد عدد شاغلي كل واحدة منها على ثلاثمائة أو أربعمائة مستوطن بل إن كثيرًا من هؤلاء المستوطنين يأتي للمستوطنات نهارًا ويتركها ليلًا.
ومن ناحية أخرى يخفف شارون من الكلفة الأمنية والمادية التي تدفعها حكومته نظير حماية كل مستوطنة؛ إذ إنها دائمًا ما تكون هدفًا لعمليات المقاومة الفلسطينية خصوصًا أنها قريبة من المدن والمخيمات الفلسطينية في القطاع.
وفي هذا الصدد أوفد شارون نائبه إيهود أولمرت إلى واشنطن للتمهيد لزيارته القادمة إليها. وبعد عودته من واشنطن أوضح أولمرت أن الأمريكيين يعلمون أن شارون مصمم على خطته باتخاذ خطوات أحادية الجانب لفك الارتباط مع الفلسطينيين وأنه لن يتراجع عنها. وقد بحث أولمرت خطة شارون مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الخارجية كولن باول ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس وقال أولمرت إنه في اجتماعاته الثلاثة لم يسمع من المسؤولين الأمريكيين أي معارضة أو انتقاد لخطة شارون وأضاف أنه أخبر الأمريكان أن الخطة قد تستغرق أشهرًا حتى تتم صياغتها وأن التنفيذ سيتم تدريجيًا، لكن أولمرت صرّح قبل مغادرة واشنطن بأن «إسرائيل» تعتزم بدء الانسحاب من مستوطنات غزة خلال السنة الحالية، دون أن يعطي جدولًا زمنيًا، وتتعارض تصريحات أولمرت بشأن الموقف الأمريكي مع موقف واشنطن المعلن الذي يعارض خطة فك الارتباط من جانب واحد باعتبار أنها قد تفشل خطة خريطة الطريق الأمريكية.
الداخل الصهيوني بين الرفض والقبول
ويبدو أن خطة شارون هذه تلقى تأييدًا من غالبية "الإسرائيليين"، إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت الأسبوع الماضي أن 59% من "الإسرائيليين" يدعمون خطة شارون لإخلاء مستوطنات غزة بينما عارضها 37%.
إلا أن الدوائر السياسية اليهودية لها حسابات أخرى. فقد شرع أعضاء كنيست من حزب الليكود الحاكم بالتوقيع على عريضة لمنع شارون من إقامة حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل الذي يقوده شيمون بيرس وهدد عدد من نواب الليكود بحجب الثقة عن حكومة شارون إن أقدم على هذه الخطوة.
ويتوقع سيلفان شالوم وزير الخارجية الصهيوني سقوط حكومة شارون في حال تنفيذ الخطة، وقال شالوم في لقاء مع يديعوت أحرنوت إن هناك حالة من الغليان في صفوف حزب الليكود وإنه في حال وضع الخطة قيد التنفيذ ستسقط الحكومة بتركيبتها الحالية.
مصادر مقربة من شارون قالت إن وزير الدفاع شاؤول موفاز اختار إظهار إخلاصه لشارون عندما اتخذ قرارًا سياسيًا بتأييد إخلاء المستوطنات في قطاع غزة، ورجحت أن موفاز ربما أراد ضمان مقعد له في حكومة الوحدة الوطنية التي يريد شارون تشكيلها مع حزب العمل إذا فشل في الحصول على تأييد الأحزاب المشاركة الحكومة الحالية.
من جانب آخر أشارت مصادر سياسية صهيونية إلى أن رئيس أركان الجيش موشيه يعالون، أشار في جلسات مغلقة إلى عدم معارضته إخلاء مستوطنات القطاع وبعض مستوطنات الضفة، ويشارك يعالون في جلسات اللجان الاستشارية المصغرة التي تدرس خطة شارون.
وكان يعالون ونخبة من قادة الجيش قد أعربوا في السابق عن معارضتهم للانسحاب الأحادي الجانب، وادعوا أن خطوة من هذا القبيل من شأنها تشجيع «الإرهاب الفلسطيني» علىٰ حد قولهم. ومن المتوقع أن يقوم جيش الاحتلال ببلورة موقفه النهائي من خطة شارون، بعد أن ينتهي مجلس الأمن القومي من صياغة الخطة المقترحة.
مصادر صحفية عبرية رجحت انضمام حزب العمل إلى حكومة وحدة وطنية، مع الليكود بعد أن يخرج منها الحزب القومي الديني وحزب الوحدة الوطنية الذي أعلن زعيمه وزير النقل الحال أفيغدور ليبرمان عن ثقته بأن شارون لن يحصل على موافقة حكومته على الخطة وكان شيمون بيريز رئيس حزب العمل قد وعد بدعم خطة شارون لكنه لم يعلن بعد موافقته على الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية.
أما زعيم حزب شاس الديني إيلي يشاي فقد رفض خطة شارون واتهمه بأنه يهرب من قطاع غزة.
ويعارض وزير العدل رئيس حزب شينوي تومي لبيد إجراء استفتاء شعبي لحسم مسألة إخلاء المستوطنات في قطاع غزة وبرر موقفه بأن الاستفتاء الشعبي ولا يعد جزءًا من الديمقراطية "الإسرائيلية" ويمكن أن يخلق مشكلات تتعلق بإدارة شؤون الدولة بشكل سليم.
خطة في الوقت غير المناسب (!): يجادل المحلل العسكري في صحيفة هآرتس زئيف شيف بأن خطوة شارون هذه كان يمكن أن يكون لها وقع آخر على الفلسطينيين و"الإسرائيليين" فيما لو جرت في عهد رئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمود عباس إذ أنها كانت ستعزز مكانة أبو مازن ضد الرئيس عرفات، ويتهم شيف شارون بأنه لا يعرف اتخاذ القرارات المناسبة في الأوقات المناسبة ويتساءل لماذا لا يكون اقتراح إخلاء مستوطنات غزة ضمن اتفاق مع الفلسطينيين وليس عملًا جانب واحد؟ فهو برأيه يعتقد أن السلطة الفلسطينية سترحب بهذه الخطوة وبالتالي فهي تعزز عملية السلام. ويرى شيف أن خطة شارون هي في الأصل خطة حزب العمل، فإسحاق رابين برأيّ شيف فكر في إخلاء مستوطنات غزة عندما كان رئيسًا للوزراء لكنه لم يوافق على تفكيك مستوطنة واحدة دون اتفاق شامل يحصل فيه الطرفان على مكاسب! ويدعي شيف أن السبب الذي حدا بشارون ليعلن خطته من جانب واحد هو علمه المسبق بأن الفلسطينيين لن يوافقوا على الشق المتعلق بالضفة الغربية من الخطة إذ أنه ينوي تفكيك بعض المستوطنات شمال الضفة وليس أكثر.
إذن فهناك من المحللين "الإسرائيليين" من يعتقد أن تفكيك مستوطنات غزة من جانب واحد هو خطوة لصالح الفلسطينيين لأنها لن تكلفهم شيئًا (!) تماما مثلما حدث الانسحاب "الإسرائيلي" من جنوب لبنان.
رد الفعل الفلسطيني
السلطة الفلسطينية من ناحيتها شككت في مصداقية شارون والتزامه بخطة الانسحاب من قطاع غزة وقال عرفات إذا كان شارون سيزيل سبعة عشر كرفانًا فهو سيضع مكانها منة وسبعين وتساءل من يمكن أن يصدق تلك التصريحات؟
وفي رد فعل فلسطيني آخر رحب رئيس الوزراء أحمد قريع بإخلاء مستوطنات غزة، لكنه رفض توطين المستوطنين في الضفة الغربية.
كما دان الوزير صائب عريقات أي خطوة لإعادة توطين مستوطني غزة في الضفة الغربية، مطالبًا بإزالة كافة المستوطنات، وقال إن المستوطنات بالضفة الغربية عقبة أمام السلام بنفس الدرجة التي تمثلها تلك الموجودة في قطاع غزة يجب أن تزال كلها.. وأنه يتعين على الأمريكيين أن يرفضوا «الاقتراح الخاص بمبادلة المستوطنات الموجودة في غزة بأخرى في الضفة الغربية».
أفكار شارونية أخرى للمقايضة
على أن أفكار شارون لم تتوقف عند مقايضة الأراضي الفلسطينية في غزة بأراٍض فلسطينية في الضفة، ففي جعبة شارون ما يقايض به لانتزاع من نصف الضفة في نهاية الأمر.
وقد أعلن رعنان جيسين المتحدث باسم شارون أن الأخير يدرس إمكانية نقل بلدات يقطنها فلسطينيو ٤٨ إلى السيادة الفلسطينية في إطار عملية لتبادل الأراضي مستقبلًا وقد أشارت مصادر أخرى إلى أن شارون يفكر في مبادلة بلدات ومدن عربية قريبة من خط التماس مع الحدود الشمالية للضفة الغربية مقابل ابتلاع مزيد من أراضي الضفة ليحقق بذلك أكثر من هدف فهو من ناحية يزيح عن كاهل الكيان الغاصب العبء الذي يشكله أكثر من مليون عربي ما زالوا يعيشون فوق أرضهم المحتلة عام ٤٨، ومن ناحية أخرى يستولي على المزيد من أراضي الضفة الاستراتيجية خصوصًا في القدس ضمن تسوية شاملة.
على أن هذه الأفكار لم تكن وليدة اللحظة التي قرر فيها شارون التخلي عن مستوطنات غزة، فقد سبق طرحها وفقًا لمصادر من عرب الداخل كشفت عن ضلوع بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية في الترويج لفكرة المقايضة هذه ويقول محمد كناعنة الأمين العام لحركة أبناء البلد الناشطة داخل أراضي 48 في مقابلة صحفية جرت معه في أبريل من العام الماضي بأن بعض مسؤولي السلطة - طلبوا عدم ذكر أسمائهم - بحثوا معه ومع قادة أحزاب عربية في مناطق ٤٨ إمكانية قبول انضمام الفلسطينيين في منطقتي أم الفحم ووادي عارة والبالغ عددهم حوالي ١٧٠ ألفًا إلى مناطق السيادة الفلسطينية مستقبلًا ضمن عملية تبادل أراض محتملة.
ويعيش داخل الخط الأخضر أكثر من مليون فلسطيني يشكلون حوالي خمس سكان «إسرائيل» ويحملون جنسيتها.
طروحات صهيونية لترحيل فلسطينيي الداخل
أفكار شارون التي أعلن عنها رعنان جيسين حول المقايضة ظلت هاجسًا يشغل السياسيين الصهاينة باستمرار، ففي أواخر مارس عام ۲۰۰۲ أعلن أفرايم سنيه، وكان وزيرا في حكومة حزب العمل أنه وضع مشروعًا لحل دائم للصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني على أساس الفصل بين اليهود والفلسطينيين. ويدعو مشروع سنيه إلى ما قال إنه: «تبادل سكاني» بين "إسرائيل" والكيان الفلسطيني، جوهره ضم «تجمعات استيطانية يهودية كبرى» في الضفة إلى سيادة الدولة اليهودية، فيما يجري ضم «مناطق عربية» متاخمة لـ: «الخط الأخضر» «ويقصد تحديدًا، منطقة أم الفحم والقرىٰ المحيطة بها التي يطلق عليها الفلسطينيون اسم المثلث الصغير» إلىٰ مناطق سيلدة السلطة الفلسطينية.
فكرة ترحيل الفلسطينيين خارج أرضهم سواء المحتلة عام ٦٧ أو عام ٤٨ تلقى تأييدًا متزايدًا داخل الشارع اليهودي، فقد أشار استطلاع للرأيّ أجراه مركز يافا للأبحاث الإستراتيجية في جامعة تل أبيب إلى ارتفاع نسبة التأييد في أوساط اليهود "الإسرائيليين" لحل يعتمد على تطبيق «الترانسفير» ضد الفلسطينيين، إذ أعلن 46% من هؤلاء أنهم يؤيدون تطبيق الترانسفير ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويؤيد 31% منهم تطبيقه أيضًا ضد المواطنين العرب في «إسرائيل».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل