العنوان الباحث البوسني في الفلسفة. عبد الودود «فلاديمير لاسيتسا» لـ«المجتمع»: صمت رمضان كاملا قبل اعتناقي للإسلام!
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1866
نشر في الصفحة 42
السبت 22-أغسطس-2009
من معجزات الإسلام في العصر الحديث، تحول كثير من العلماء والفلاسفة
والمفكرين والشباب إلى حياضه الوارفة، رغم الحملات الشديدة التي تستهدفه وتسعى إلى
تشويهه بتصويره كدين يحض على العنف والإرهاب. وفي خضم هذه الحرب يزداد الطلب على
معرفة الإسلام من مصادره، وتزداد أفواج المقبلين على دين الله، فهناك ما يزيد على
ألفي شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين ١٠ و٣٣ عامًا يعتنقون الإسلام سنويا في فرنسا،
وأكثر من ذلك في ألمانيا وفق بعض المصادر.
الباحث في الفلسفة «فلاديمير لاسيتسا» «٢٤عاما» -الذي اختار اسم عبد
الودود» بعد إسلامه عام ٢٠٠٢م، وساعده على ذلك صديقه «سنغور كاريتش» الذي يدرس
حاليا بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة -كان نابغة منذ صغره، وحصل على
شهادته العليا في الفلسفة وهو ابن عشرين سنة، ويعمل على مواصلة دراسة الإسلام في
الأزهر، أو أي حاضرة من حواضر العالم الإسلامي. وقد تحدث في حواره مع «المجتمع» عن
أول رمضان في حياته، وعن أسباب دخوله للإسلام، وعن تأثير أحوال المسلمين على
قرارات الراغبين في الدخول للإسلام، وأبعاد الحرب على الإسلام في الغرب. وفيما يلي
نص الحوار:
بداية، ما ذكرياتك عن أول رمضان في حياتك؟ وكيف كانت تجربة الصيام بالنسبة
لك؟
قد تستغرب إن قلت لك: إني مررت بتجربة
صيام رمضان قبل أن أصبح مسلما فالفلسفة بالنسبة لي تعني التجربة أولًا. وقد شعرت
بأن الصوم الإسلامي يعين على التأمل إضافة إلى كونه مفيدا من الناحيتين الروحية
والصحية، وهناك دراسات طبية معمقة دعت لاعتماد الصوم الإسلامي للتخلص من بعض
الأمراض، وتجنيب الجسم أمراضا أخرى لها علاقة بالأحماض الأمينية والدهنية، فالصيام
يحسن الكفاءة الوظيفية للكبد، وفي هذا السياق يطول الحديث.
عندما صمت قبل إسلامي، كنت أظن أني سأصوم يومًا واحدًا، ولكني صمت الشهر
كله، وكنت في ذلك الشهر أفكر في الإسلام وأقرأ المزيد عنه. وكنت أنظر للمسلمين غير
الملتزمين بالإسلام على أنهم محرومون، وكنت أرثي أحيانًا لأشخاص توافرت لهم فرصة
الميلاد كمسلمين ولكنهم لا يدركون عظمة دينهم، بل ربما يرميه بعضهم بكل النعوت
التي يطلقها عليه بعض المستشرقين الذين يعرفون الحقيقة ولكنهم يخفونها؛ لأن
مصالحهم الوطنية أو الحضارية تتطلب منهم ذلك ولكنهم مخطئون.
مشكلة أسرية!
في وسط عائلي كاثوليكي متعصب بحكم أسرة والدتك، كيف تصلي عندما تكون في
البيت؟ وأين تتناول إفطارك الرمضاني؟
لدي مشكلة أسرية تتمثل في رفض والدتي لإسلامي، وقد بذلت جهودًا مضنية
لإثنائي، وجلبت لي أشخاصا وقساوسة ومطارنة لإقناعي بالردة عن الإسلام ولكنهم
فشلوا، ولم يردوا على أسئلتي، بل إن بعضهم أبدى تعاطفا معي وأرجو لهم الدخول في الإسلام.
وقد طلبت مني والدتي بعد فشلها في ردي عن الإسلام ألا أتحدث لوسائل الإعلام، وألا أخبر
أحدًا بإسلامي، ولاسيما أفراد أسرتي وقد وعدتها بألا أظهر في التلفزيون، ووسائل الإعلام
المحلية.
وبحكم أن بيتنا لا يخلو من أفراد الأسرة فأنا أتناول طعام الإفطار في رمضان
خارج البيت مع بعض الإخوة، وأحيانا أتلقى دعوات للإفطار في جو رائع يفتقده مليارات
البشر في العالم من غير المسلمين. أما الصلاة في البيت فلي غرفتي الخاصة؛ حيث أذهب
للوضوء ثم أعود فأغلق باب الغرفة وأؤدي صلاتي، وأقرأ القرآن، وأقوم بجميع الفرائض والسنن.
فقط أريد توضيح أني ظللت فترة بعد إسلامي لم أكن أصلي فيها، وهي دين أقوم الآن
بسداده.
لذة حسية وروحية
كيف تصف لنا حياتك وشعورك في رمضان؟
من الصعب-إن لم يكن مستحيلًا وصف الشعور أو اللذة الحسية فضلا عن الروحية،
والسؤال عن الشعور يتردد كثيرا ولكنه خطأ، وهو مغروس في المادة ومنفصل عنها في
الوقت نفسه، أي أنه مستقل وليس متولدًا عنها، فهما يتبادلان التأثير. الشعور مرتبط
بالنفس ومقاماتها في التفسير الإسلامي ويمكنني القول: إن شعور العبادة يختلف عن
شعور المعصية فالأول مرتبط بالنفس المطمئنة والثاني بالنفس المسؤولة والنفس
الأمارة بالسوء وكلاهما يختلفان عن الشعور المرتبط بالنفس اللوامة. ولذلك يمكنني
القول: إن المشاعر التي تنتاب الصائم إيمانا واحتسابا هي مشاعر النفس المطمئنة،
وللأسف فإن الكثير ممن لم يبلغوا هذه المراتب أو لم يفكروا فيها لا يعرفون شيئا عن
الصيام الإسلامي سوى أنه حرمان من الطعام والشراب
بركة رمضان
قلت: إنك صمت رمضان قبل إسلامك، وتصوم حاليا والحمد لله، فهل لاحظت فرقا
بين الصيامين؟
أي عمل في الإسلام يعتمد اعتمادًا كليًا على النية، ليس في العبادة فحسب بل
في أمور الحياة كافة. فالنية تؤدي دورا محوريا مهما في حياة الإنسان أيا كان،
ولذلك نجد تركيزًا كبيرًا على النية في الإسلام. ولهذا الأمر علاقة بمآلات العمل،
والشعور المرافق للنية والطارئ بعد النتيجة. هب مثلا أن رجلا استثمر ماله من أجل
العمل الخيري، وآخر من أجل الربح الشخصي، وخسر كلاهما معا، فالأول سيكون شعوره
مفعما بالرضا، بينما الثاني سيشعر بالمرارة وربما ينتحر وهذا يحدث كثيرًا.
بعد إسلامي أحسست بلذة العبادة. وشعرت ببركة رمضان وهي بركة تزداد عاما بعد
آخر
صومي الأول كان تجربة أدت للتأمل والثاني عبادة ادخرها ليوم القيامة أملا
في دخول الجنة من باب الريان
صومي الأول كان تجربة أدت للتأمل والثاني عبادة ادخرها ليوم القيامة، أملًا
في دخول الجنة من باب الريان»، وهذا هدف كل مسلم من عبادته، وكل عبادة لا بد أن
يكون فيها بعض المشقة، لأن الجنة سلعة غالية. لو قيل لأحد من غير المسلمين: صم سنة
كاملة بدون توقف وستظفر بمليون يورو لفعل ۹۹ في المائة من القادرين ذلك، ولنسي
بعضهم ثرثرته حول الصيام وغيرها من العبادات في الإسلام. والحقيقة أني بعد إسلامي
شعرت ببركة رمضان، وهذه البركة تزداد عامًا بعد عام.
موقف لا ينسى!
هل حدثت لك مواقف بعد إسلامك لا تنساها؛ سواء تعلقت بصوم رمضان أو غيره من
العبادات؟
في الصيام لم يحدث شيء، ولكن في بداية إسلامي اتفقت مع أخي «سينغور كاريتش»
على الصلاة في جامع «المغاربة» في «سراييفو» «عاصمة البوسنة»، وفي الطريق احتك بي كلب،
وكدت أعود إلى البيت لاعتقادي بأن مس الكلب لملابسي ينجسها وبالتالي تبطل صلاتي
ولكني عزمت على الصلاة ومن ثم إعادتها، ولن يمنعني أي كلب من أداء عبادتي، وهكذا
تغلبت على ترددي. وعلمت بعد ذلك أن مجرد اللمس لا ينجس، وإنما سؤر «لعاب» الكلب هو
النجس.
کتاب مهم.
ما الكتاب الذي تفضله بعد القرآن الكريم؟
«إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي، فهو كتاب مهم، وورود أحاديث
ضعيفة فيه لا تنقص من قيمته، ولو تمت تنقيته على يد محدث أو محقق وأكثر لكان
أيقونة من أيقونات الإسلام. ثم الإمام النووي، وابن الجوزي، ولدي اهتمام خاص بابن
رشد فهو في حاجة لشارح كبير حتى ينقيه من بعض الشوائب حمالة الأوجه ولاسيما
المتعلقة بالعلوم، فما كان ظنيا في عصره لم يعد كذلك الآن.
وبخصوص قدم الكون، وتفسير بعض الأحاديث نجد الغزالي أقرب للصواب وخاصة حديث
إطفاء الحمى بالاستحمام، أي كما تطفئ الجمرة بالماء، والعلماء في العصر الحديث
ينصحون مرتفعي الحرارة وكذلك المصابين بالملاريا بذلك؛ أي الاستحمام بالماء البارد
قبل وصف العلاج وغير ذلك.
هكذا علمني الإسلام
أسلمت بعد أحداث 11 سبتمبر ۲۰۰۱م، في ظل الحرب على ما يسمى «الإرهاب»،
والتي كانت حربًا موجهة ضد الإسلام. فكيف لم تؤثر فيك الدعايات المغرضة ضد الدين
الإسلامي؟
الحرب ضد الأديان في التاريخ ساهمت في انتشارها، ولم تشن حرب ضد دين إلا
كان ذلك إيذانا بانتصاره، حصل هذا مع موسى عليه السلام، وحصل مع المسيحية «النصرانية»
الحقيقية قبل أن تصبح وثنية. وحصل بالطبع مع الإسلام. ولم تتعرض أية فكرة بشرية أو
معتقد أرضي لما تعرضت له هذه الديانات الثلاث في بواكير ظهورها.
أثناء الحملة على الإسلام اتجهت إلى دراسة الدين الإسلامي وقراءة القرآن
وأيقنت أنه الحق، وأن التوحيد في الإسلام لا يوجد له مثيل. وقد تأثرت كثيرا بتلك
الحقيقة التي تقول: نؤمن بالله الأحد دون تشبيه أو تجسيد أو تعطيل فأسلمت دون تردد.
بعد ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱ م اتجهت إلى دراسة الإسلام وقراءة القرآن. وأيقنت أنه
الحق فأسلمت دون تردد
وقد تعلمت من الإسلام أن الله -عز وجل قوي قادر، لا يحتاج لخلقه، ولا
يستطيعون النيل منه. عزيز رحيم ودود، والعزة تخالف الضعف والرحمة تخالف التضحية.
وهذه نقطة التحول في حياتي، فالتضحية لا تصدر من الرب لأنها تعني الضعف، ولكن إذا
قام بها الإنسان تكون علامة قوة. فالله –تبارك وتعالى-لا يمكن أن يذل على خشبة تحت
أي مسمى، فهو العزيز الجبار، وليس في حاجة للتضحية بنفسه أو بابنه أو بأحد أقانيمه
وهو قادر برحمته على فعل ما يريد، وهذا ما وجدته في الإسلام. وحسب اعتقادي، فإن
المسيحية «النصرانية» الحقيقية انتهت في عهد الإمبراطور الروماني «قسطنطين».
حقيقة أزلية
الأوضاع العامة للمسلمين لا تساعد على إقناع الآخرين بالإسلام فما الذي
أغراك ويغري الآخرين بالدخول في الإسلام؟
كثير من الغربيين يقسمون المسلمين إلى ثلاثة أقسام: فالمسلم-حسبما يدعون-لا
يخرج عن كونه إرهابيا متطرفا، أو فاجرًا، أو عميلًا للمخابرات. ويقولون: إن هناك
مسلمين معتدلين وآخرين متطرفين فالفاجر معتدل والملتزم بدينه متطرف وعندما يكون
الواقع مخالفا لذلك يعملون على طمسه بكل الوسائل. فليس هناك في العالم الإسلامي
سوى ما اختزلوه في «أسامة بن لادن»، وحركة «طالبان»، ويعملون جاهدين على ترويج
ذلك.
والمسلم أيضا -حسبما يزعمون عدواني أو شهواني متطرف ومعتدل. وهذه الصورة
-مع نماذج الرقص الشرقي يريدون تكريسها في الوعي الغربي وعندما يكون هناك شباب على
قدر كبير من الأخلاق، ونساء ملتزمات بالحجاب، فإن ذلك يدمر الصورة النمطية التي
يريدون ترسيخها في الوعي الغربي والعالمي.
وهم يفضلون أن يكون الشرق مجرد رقص شرقي، واستبداد، وتخلف. ومن هنا يمكننا
فهم الحرب على الملتزمين بالإسلام ليس في الغرب فحسب، بل في العالم الإسلامي كذلك،
والنماذج يعرفها كل من يتابع الأخبار اليومية والتقارير الصحفية الواردة من هنا
وهناك. لكن عندما يريد غير المسلم معرفة الحقيقة بعيدا عن التوصيف الرسمي
والاستشراقي، ويلتقي نماذج تعبر بصدق عن الإسلام الحقيقي فإنه سرعان ما يدخل في
الإسلام. لذلك النموذج الجيد مطلوب، وهو موجود والحمدلله، ولكن الإكثار منه واجب.
ولا شك أن واقع المسلمين لا يساعد على انتشار الإسلام، لا سيما وأن هناك من
يرتزق بسبب الإسلام والمسلمين، من الغربيين ومن بعض من يحسبون على المسلمين من
السياسيين والكتاب وغيرهم. والذي أغراني-كما تقول-وأغرى الآخرين هو الإسلام نفسه،
فبقوته الذاتية وحيويته وتوحيده يقنع الآلاف سنويًا بالحقيقة الأزلية: «لا إله إلا
الله».
أمر بديهي
الإسلام يسمح بتعدد الزوجات، ويقضي بإقامة الحدود، وغير ذلك من القضايا
التي يثيرها من يريدون الصد عن طريقة. فكيف تنظر لهذه الأمور؟
عندما أشهد «أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله» يكون من غير
المعقول رد أي شيء جاء به الرسول ﷺ، وهذا أمر بديهي. فالإسلام ليس «سوبر ماركت»
آخذ منه ما أشاء وأترك ما أشاء، إنما يفعل ذلك المشككون ومن يخفون مالا يعلنون.
ولكن إذا طلب مني أحد تفسيرًا لكل ذلك من باب الشرح فيمكنني القول:
أتناول طعام الإفطار في رمضان خارج البيت مع بعض الإخوة في جو روحي يفتقده
مليارات البشر في العالم من غير المسلمين.
لو قيل لأحدهم: صم سنة كاملة بدون توقف وستظفر بمليون يورو لفعل 99% من غير
المسلمين ذلك
أولًا: إن تعدد الزوجات ليس واجبًا دينيًا وإنما هو مشروع فعندما جاء الإسلام الناس
يتزوجون بدون حدود، وكانت المرأة تورث كما يورث المتاع، والإسلام نظم ذلك التعدد
في حدود أربع زيجات؛ لأنه لا يمكن إنهاء التعدد مرة واحدة.
ثانيًا: إن الحروب كانت مستمرة، وكان كثير من الرجال يموتون فيها، ولم تكن هناك
مصانع ولا مشاريع زراعية كبرى تعمل فيها النساء، فكان التعدد هو الحل لإعالة
الأرامل والأيتام.
ثالثًا: لا يحل التعدد إذا كان سيؤدي إلى مأساة اجتماعية كإهمال العيال.
رابعًا: في بعض المذاهب الإسلامية يحق للمرأة اشتراط عدم الزواج عليها في العقد.
خامسًا: قد يضطر شخص ما للتعدد لمرض زوجته أو لسبب آخر، في حين يقوم الغربي
بالانفصال عن زوجته تحت ذريعة الضرر إذا أصابها شيء، وتفعل هي الشيء نفسه!
ذكرت أن المسلمين الذين لا يؤدون العبادات هم مسلمون مجازا، فماذا أيضا؟
لست فقيهًا ولا عالمًا وإنما أنا مسلم مبتدئ. وأعتقد الآن أني إذا لم أؤد
عباداتي كما أمر الله، فسأكون مسلما مجازا، وأوكل أمر غيري إلى الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل