; المجتمع التربوي (1466) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1466)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2001

مشاهدات 48

نشر في العدد 1466

نشر في الصفحة 54

السبت 01-سبتمبر-2001

وقفة تربوية:

قبل أن ينتبه الغير بك:

يظن البعض أن الله تعالى إذا سلمه من البلايا، والفتن، وأنعم عليه بكثرة النعم، ووقى جسده من الأمراض والنقم، فإن ذلك من علامات الرضى والقبول فيتمادى في غفلته، وينسى المنعم بالنعم فبدل أن يقوم بشكره ليستمر العطاء الرباني، وتدوم النعم، يزيد في انغماسه في الدنيا، وينسحب رويدًا رويدًا عن كل ما له علاقة بالآخرة!

يتعجب الإمام ابن الجوزي من هذه الفئة أشد العجب فيقول في «صيد الخاطر»، ص ۳۲۳ «أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة وتأميل الإصلاح فيما بعد، وليس لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار حد».

فكلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار، وطال الأمل، وأي موعظة أبلغ من أن ترى ديار الأقران وأحوال الإخوان وقبور المحبوبين، فتعلم أنك بعد أيام مثلهم، ثم لا يقع انتباهك حتى ينتبه الغير بك هذا والله شأن الحمقى. حاشا من له عقل أن يسلك هذا المسلك.

لقد ملئت الدنيا بمن الغوا عقولهم، واتبعوا أهواءهم واستسلموا لشهواتهم، وإلا فكيف بمن له ذرة عقل أن يشتري دنيا فانية، بآخرة خالدة، ويشتري لذة زائلة بنعيم مقيم.

أبو خلاد : albelali@bashaer.org

النفس التواقة: طموح متدرج وعمل دائب:

الهدف أمل يلوح للمثابر يراه واضحًا جليًا، ويقوده طموحه واجتهاده لتحقيقه، ويسهل له ذلك الصبر، والهمة العالية، وعدم الاستعجال في قطف الثمار. 

والعطش لتحقيق إنجاز في الحياة، وأثر في هذه الدنيا، يجعل الإنسان يهتم بوضع أهداف قصيرة وأخرى طويلة المدى، يحققها على مراحل مختلفة من عمره، وكلما كان الإنجاز المراد تحقيقه عظيمًا ، كان للأهداف أهمية أكبر، وكان الصبر والجلد الزم، والنصب أوفر.

وتأتي أهمية الهدف من حيث إنه يوضح للإنسان الطريق الذي يجب عليه أن يسير فيه. فالهدف ضوء يلوح للإنسان من بعيد، وهو أيضًا هاجس يدور في خلده دائمًا وأبدًا ويفكر فيه، ويظل قلقًا متحفزًا لا يرتاح حتى يصل إليه، وعندما يصل إلى مبتغاه يعلم أن ذلك الهدف ليس محطته الأخيرة بل هناك محطات كثيرة هي تلك الأهداف التي يحققها الإنسان، ومن ثم ينطلق بعدها بهمة ونشاط إلى المحطة الأخرى والهدف التالي. 

ومن هنا تبدو أهمية الهدف، وأهمية أن يقترن بطموح متدرج يدفع الإنسان إلى تحقيقه، ومن ثم تحقيق إنجاز عظيم يتمثل في نجاح دنيوي وفوز أخروي هو الربح الأكبر والأهم.

نموذج عمر بن عبد العزيز:

وفي سيرة الخليفة الراشد الخامس عمر ابن عبد العزيز - يرحمه الله - ما يوضح لنا قصة إنجاز ورواية مجد انتهت بسيرة عطرة خالدة تظل مضرب مثل القدرة البشر على تحقيق الأهداف العظيمة والغايات الكبرى، فها هو يروي عن نفسه فيقول: إن لي نفسًا تواقة كلما وصلت إلى شيء، تاقت إلى ما هو أعلى منه تاقت إلى الإمارة فنالتها، ثم تاقت إلى الخلافة فنالتها ، وقد تاقت نفسي إلى الجنة...

ويقول أيضًا عن نفسه في رواية أخرى تاقت نفسي إلى العلم، وإلى العربية، والشعر فأصبت منه حاجتي وما كنت أريد، ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إلى اللبس والعيش الطيب فما علمت أن أحدًا من أهل بيتي ولا غيرهم كان في مثل ما كنت فيه، ثم تاقت نفسي إلى الآخرة والعمل بالعدل، فأنا أرجو ما تاقت نفسي إليه من أمر أخرتي».

تلك هي النفس التواقة، وذلك هو الطموح المتدرج، والعمل الدائب لتحقيق الهدف تلو الهدف وتنفيذ الإنجاز تلو الإنجاز، وهذا يتطلب من المرء الهمة العالية، والإرادة القوية والمحاولة الجادة حتى يكتب عند الله عز وجل من الناجحين في الدنيا، ومن أهل الجنة في الآخرة .

هاشم عبد الرزاق هلال – ماليزيا

ابتسم: بقلم د.نجيب الرفاعي

الابتسامة لها رونق وجمال وتعبيرات تضفي على وجه صاحبها ما لا يضفيه العبوس بل إن كتابتك لكلمة (ابتسامة) أو تذكرك شكل ابتسامة) تجعل نفسك من الداخل تبتسم المبتسمون في هذه الحياة هم أهل الصدقات كما قال صلى الله عليه سلم : تبسمك في وجه أخيك صدقة)، صدقة لأنك عالجت أخاك نفسيًا من حيث لا أنت ولا هو يدري، تصدقت عليه بهذه الابتسامة الطيبة التي خرجت من قلب طيب، فقد يكون من ابتسمت أمامه مهمومًا أو قلقًا أو ضائق خلقه، أو... أو .. لذلك هي في ميزان الإسلام صدقة من الصدقات.. اسأل نفسك الآن إلى أي شخص ترتاح؟ صاحب الوجه المبتسم الضحوك أم صاحب الوجه المتكدر العبوس تذكر صاحب  الابتسامة.. ألا تشعر عند تذكرك صورة هذا الإنسان براحة؟

لم لا تصير مثله وتعود نفسك على الابتسامة خاصة وأنها محسوبة في ميزان الآخرة بصدقة كاملة؟.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم لكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق. 

ويقول أيضًا صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق).

كيف نثبت على الهداية؟

أنعم الله - سبحانه وتعالى - على الإنسان بنعم كثيرة ومتعددة، ولعل أهمها نعمة الإيمان والهداية لي طريق الحق والرشاد قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17] 

ولهذا فإن من واجب الإنسان المؤمن شكر الله حمده على نعمتي الإيمان والهداية ثم الثبات على لك، ولتحقيق ذلك لابد من معرفة بعض الأسس المقومات الأساسية، والعمل بها مثل النية والإخلاص الصادقين، والعلم النافع والدعاء الاستعانة بالله والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم والرفقة الصالحة.

العلم بأن الحياة مزرعة للآخرة:

أهم عوامل الثبات على الحق والهداية العلم اليقين بأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الكون والإنسان عبثًا أو لهوًا أو لعبًا .. قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: 38]

وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]

ولهذا فإن الله من وجل خلق الإنسان لغاية ولهدف ألا وهو عبادته وطاعته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

فالمؤمن الحق هو الذي يعلم علم اليقين بأن هذه الحياة الدنيا لم تخلق للعب واللهو والعبث، بل في بمثابة مزرعة للآخرة يجد ويجتهد فيها يزرعها بكل أنواع الطاعات والعبادات والأعمال الصالحة من أجل الثبات على الدين والإيمان الهداية والرشاد والفوز برضوان الله في الدنيا الآخرة.

الإخلاص:

لا يخفى على المؤمن أهمية وفضل في تحقيق الثبات على الهداية، ونيل رضا الله لأنها من عوامل تجريد التوحيد وتصحيح العقيدة وتقوية الإيمان واستقامة الوجهة. قال تعالى: 

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البينة: 5]

وقال أيضًا:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ  * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ ﵞ ﵝالزُّمَر : ﵒ - ﵓﵜ

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: 11]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه اللؤلؤ والمرجان) ٢٦.

العلم النافع والعمل الصالح:

من أهم مقومات الثبات على الدين والهداية طلب العلم النافع والتفقه في الدين والقرآن الكريم والسنة النبوية حافلان بالآيات والأحاديث التي تحث على ذلك، وتبين فضل العلم، وأهميته في حياة الإنسان، قال تعالى: 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4]

وقال أيضًا: 

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11] 

وقال كذلك:

﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: 6]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» وقال (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) وقال: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع) وقال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري إن العلم النافع هو الذي يهدي إلى الإيمان وطاعة الله وعبادته والقيام بالعمل الصالح فالمرء يعلم فيؤمن ومقتضاه أن الإيمان قبل العلم، قال عز وجل: 

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54]

الاقتداء بالرسول والصحابة والسلف الصالح:

من عوامل الثبات على الحق والهداية كذلك النظر في أحوال من سبقونا في طريق الخير والطاعة وقراءة سيرهم والسير على نهجهم الصحيح وخاصة الرسول القدوة الله وصحابته الكرام والسلف الصالح رضوان الله عليه:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

ولهذا فإن على الإنسان المؤمن الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله وأحواله وسلوكاته، وكذلك السير على نهج الصحابة والسلف الصالح والتابعين.

الرفقة الصالحة:

صحبة الجماعة المؤمنة والتزامها وعدم الافتراق عنها من أهم مقومات الثبات على الهداية لأنها تعمل على توطيد أواصر المحبة في الله والتعاون على البر والتقوى والتكافل والتضامن. قال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقال: (عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).

الدعاء والاستعانة بالله:

الدعاء روح العبادة وليها وهو مطلوب من الإنسان في كل الأحوال في السراء والضراء ويعتبر من أكبر عوامل الثبات على الهداية قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد» رواه الحاكم في صحيحه من حديث أنس وقال أيضًا: «إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء» ذكره الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها).

ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - في الثبات على الهداية، الذي يجب على الإنسان المسلم الإكثار عنه، قوله صلى الله عليه وسلم اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

عمر الرماش - المغرب

دروس تربوية من وصايا لقمان لابنه (۲) من (۳)

الواعظ الناجح يراعي فقه الأولويات ويسير وفق خطة زمنية

على المربى الإتيان بالبدائل المقبولة عند النهي عن أمور مستهجنة

أول ما يجب على الوالد غرس العقيدة الصحيحة فهي الأساس لبناء إيمان الابن

بقلم: د. علي محي الدين القرة داغي

أستاذ ورئيس قسم أصول الفقه والأصول، جامعة قطر

ذكرنا في الأسبوع الماضي أن وصايا لقمان لابنه وصايا مزكاة من قبل الله سبحانه وتعالى، وأنها تتضمن الوسائل المفيدة في تربية الأولاد، ومن ذلك أن القرآن يعطي أولوية كبيرة للجلوس مع الأولاد للوعظ والنصح والتوجيه، وهو ما حدث من لقمان مع ابنه، كما أن على المربي أن يتفنن في اختيار الكلمات الراقية التي تدل على محبته لمن يربيه حتى تعطى التربية ثمارها المرجوة.

وفي هذا العدد تكمل ذكر بعض الفوائد المستقاة من الجانب التربوي في هذه الوضايا كما يلي:

سابعًا: أن يتدخل من يطاع ويسمع له في شأن التعلم، وذلك بأن تتدخل الدولة بالتوجيهات السديدة لصالح التعليم والتربية، وهذا ما يفهم من الآيتين (١٤ ،١٥) ( من سورة لقمان اللتين أصبحتا فاصلتين بين نصائح لقمان)، وهما قوله تعالى:

 ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: 14-15]

فقد أمر الله تعالى الأولاد بالتزام أوامر ونواهي الوالدين في غير المعصية، وفي ذلك دعم وتقوية لقبول نصائح لقمان لابنه، وهذا هو سر مجيء هاتين الآيتين كجملة اعتراضية بين إحدى وصايا لقمان، وبقية وصاياه، وذلك لأن الله تعالى أراد أن يوضح أن الالتزام بأوامر الوالدين بالمعروف واجب ديني مفروض من الله تعالى ( و أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ ) ، فيستنبط من : ذلك أن لا يترك المربون دون دعم ممن يسمع، ويطاع بل لابد أن يتدخل بالدعم ويؤكد الالتزام والتأييد.

مراقبة الله:

ثامنًا: التربية عن طريق السؤال والجواب وانتهاز فرصة حاجة المتربي بذلك، إذ ورد أن ابن لقمان سأل أباه حينما رأى البحر المتلاطم الأمواج فقال: يا أبتاه لو وقعت حبة في هذا البحر أيعلمها الله تعالى فأجاب لقمان بقوله : ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16]

فأجاب إجابة دقيقة فذكر بدل الحبة مثقال حبة من خردل وهي بما يدل غاية في المبالغة في الصغر، كما ذكر عليه بطريق أولى فقال: (يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُ) ، أي قادر على أن يأتي بها.

ومن الطبيعي جدًا أسئلة الأولاد الكثيرة فلا ينبغي للمربي أن ينزعج منها، بل يستفيد منها ويحفزه على لك، ويبني عليها، ومن الجانب النفسي فإن الأطفال يملون عن العرض والإلقاء فلابد إذن من إيصال المعلومات عن طريق الأسئلة والأجوبة وغيرها من وسائل التشويق. تاسعًا: التربية عن طريق قاعدتي الثواب والعقاب والتخويف والترغيب والترهيب إذ تضمنت الوصايا الأجزية على تلك الأفعال، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب وجنة ونار، ومن محبة للناس أو بغضهم أو نحو ذلك، حيث وصف الالتزام بالقيم الأخلاقية والعبادات فإنها من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل العزم.

عاشرًا: ضرورة الإتيان بالبدائل عند النهي عن أي شيء، إذ بعدما نهى لقمان عن الخلق الذميم من التكبر ونحوه رسم له الخلق الكريم فقال ﵟوَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَﵞ ﵝلُقۡمَان : ﵙﵑﵜ  بعدما قال ﵟ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاﵞ ﵝلُقۡمَان : ﵘﵑﵜ ، فعلى المربين أن يوجدوا البدائل المقبولة لكل المنعيات المستهجئة، ومن فضل الله تعالى أن ديننا يقوم على ذلك.

شمول التربية:

إن الوعظ الذي يقدمه الوالد، أو المربي ينبغي أن يكون شاملًا لجميع ما يحتاج إليه المتربي من خلال خطة زمنية ومن خلال فقه الأوليات، ولذلك شملت وصايا لقمان لابنه الجانب العقدي، والجانب الأخلاقي، والجانب العملي، كما أنها راعت فقه الأولويات.

فقد بدأ الحديث والتركيز على العقيدة الصحيحة، وعلى زرع التقوى والخوف من الله في قلوب المتربين، ثم أداء الصلاة وإقامتها. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر، ثم التركيز على الجوانب الأخلاقية القولية والسلوكية يقول الإمام الرازي في تفسيره (25/ 150 ) والذي يظهره وجوده الأول هو أن الإنسان لما كان شريفًا تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطرًا فأقدر الله الإنسان على تحصيلها بالمشي فإن عجز فبإبلاغ كلامه إليه والثاني: هو أن الإنسان له ثلاثة أشياء عمل بالجوارح يشاركه فيه الحيوانات، فإنه حركة وسكون، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه إلا لله، وقد أشار إليه بقوله:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ 

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ۚ ﴾ [لقمان: 19] 

إشارة إلى التوسط في الأفعال والأقوال. 

الثالث هو أن لقمان أراد إرشاد ابنه إلى السداد في الأوصاف الإنسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى مرتبة منه، والأوصاف التي للحيوان الذي. هو أدنى مرتبة منه فقوله: (وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ) ﵝلُقۡمَان : ﵗﵑﵜ

إشارة إلى المكارم المختصة بالإنسان دون الملك، فإن الملك لا يأمر مالكا آخر بشيء ولا ينهاه، وقوله: (وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًا) ﵝلُقۡمَان: ﵘﵑﵜ إشارة إلى المكارم التي هي صفة الملائكة من عدم التكبر، وقوله : (وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَ) ﵝلُقۡمَان : ﵙﵑﵜ  إشارة إلى المكارم التي هي صفة للحيوان، ولكن الإنسان يهذب هذه الصفات.

البدء بالعقيدة:

ثاني عشر: بدأ لقمان الحكيم وصيته لابنه بقوله: (يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣) ﵝلُقۡمَان : ﵓﵑﵜ والسبب في البدء بهذا يعود إلى أن أول واجب على الوالد، وولى الأمر هو غرس العقيدة الصحيحة، فهي الأساس لبناء إيمان الشخص وتصوراته وأفكاره، ثم إن لقمان الحكيم بدأ بالنهي عن الشرك، ولم يبدأ معه بالأمر بالإيمان الله تعالى، وذلك لأن الإيمان بالله تعالى متحقق دى الأطفال بحكم الفطرة، ولكن المشكلة هي تحقيق توحيد الألوهية، وهذا هو الذي ضل فيه كثير من الناس، وأما توحيد الربوية وإثبات الخلق لله تعالى فهو محل اتفاق أكثر العالمين على مر التاريخ، وإنما ضل الناس بسبب الشرك مع الله تعالى سواء كان من الشرك الأكبر أم الأصغر. قال تعالى: ( وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦) (يُوسُف : ولذلك ركز عليه لقمان.

ثم إن ترسيخ توحيد الألوهية يجعل الإنسان معتمدًا على الله تعالى، فلا يستعين إلا به، وهذا ما أكده الرسول الكريم في تربيته لابن عباس إذ تال كنت ردف النبي . صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا غلام إني محدثك حديثًا احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد رفعت الأقلام وجفت الكتب فلو جاءت الأمة ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عز وجل لك لما استطاعت ولو أرادت أن تضرك بشيء لم يكتبه الله لك لما استطاعت، (رواه أحمد والترمذي واللفظ لأحمد في مسنده (1/303) .

ثالث عشر التأكيد على غرس المحبة والشوق والترغيب والترهيب والخوف من الله تعالى في قلوب المتربين واستشعار رقابته على الإنسان وعلمه بكل الخفايا فإنها لا تخفى على الله تعالى فقال: (يابني إنها ) أي الخطايا والذنوب، بل خصال الشر والخير والأعمال كلها 

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16]

(يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦) ﵝلُقۡمَان : ﵖﵑﵜ 

وهذا مثال مادي مفهوم ضرب به حتى يثبت في قلب ابنه أن الذنوب مهما صغرت ومهما حاول صاحبها إخفاها بكل الوسائل الممكنة فإنها لا تخفى على الله تعالى وحينئذ كن يابني على علم بأن الله يعلم كل تصرفاتك، ويرى كل حركاتك وسكناتك ويأتي لا شك أن الصحوة التي تحتضن هذا العدد الكبير من الأفراد لابد أن تكون لها سياسة معلومة وخطوات مدروسة ومناهج قادرة على تغيير هذه النفوس من السكون إلى الحركة.. ومن السلبية إلى الإيجابية ومن العزلة والانطواء إلى الانفتاح والعطاء.. فكثيرًا ما نقع في أشياء غير مقصودة بالتأكيد لكنها تؤدي إلى زيادة العزلة.. وعدم إيجابية الأفراد، أو تحركهم داخل المجتمع بالشكل المطلوب. من أعمال - وترك الأفراد المعروف عنهم الانطواء أو فمن الأشياء الخاطئة - عند توزيع الأعمال والتكاليف على الأفراد.

الاكتفاء بالأفراد الإيجابيين المعروف عنهم النشاط والحركة الإيجابية - لأنهم بالتأكيد أكثر استعدادًا لقضاء وتنفيذ ما يوكل إليهم المتصفين بالسلبية الاجتماعية مما يجعل الأمر يتفاقم عندهم وتزداد سلبيتهم ويتولد عندهم الشعور بالنقص، ويزداد تثاقلهم إلى الأرض، وتقل حركتهم وينقص عطاؤهم.

ومما لا شك فيه أيضًا أنه من المستحيل أن بكل ذنوبك لتشهد عليك في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، وكذلك يأتي بكل أعمالك الصالحة فتشفع لك فتكون من الفائزين في ذلك اليوم العظيم، وقد روي أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في مثل البحر، أيعلمها الله فأجابه لقمان بهذا الكلام السابق.

الشخصية القوية

رابع عشـر: تعليم الأطفال والمتربين العبادات الأساسية والتأكيد على أدائها، وبالأخص على إقامة الصلاة، إذ يجسد ذلك ربطهم بالله تعالى وحمايتهم من الانحراف.

خامس عشـر: تعويدهم في سن مبكرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تترتب عليه نتائج عدة في غاية الأهمية منها:

 ۱ - الانطلاق من التعلم إلى التعليم للغير.

٢ - القدرة على المواجهة إذ يدرب المتربي وهو صغير على ألا يكون سلبيًا، بل يكون إيجابيًا يجهر بدعوته ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر

- البدء بإكمال الآخرين بعد البدء بإكمال ما عليه من واجبات، فهذه وظيفة الأنبياء والمصلحين.

من داخل القافلة

استثمار الطاقات المعطلة

يكون هناك شخص التحق بركب الدعوة وليس فيه جانب يستطيع العطاء فيه، وتبرز شخصيته عندما يزاوله ويمارسه.. والقاعدة المعروفة في ذلك أن ما عليه من الواجبات، فهذه وظيفة الأنبياء والمصلحين. 

4- بناء الشخصية القوية القادرة على البيان والإفصاح عما يريد، فمن الطبيعي أن تكون لدى الشخص الذي يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القدرة الأدبية، والفصاحة والبيان، أو يعود نفسه على ذلك، كما أن ممارسة ذلك تؤدي إلى تحقيق هذا الهدف المنشود، والقدرة على مواجهة الأحداث والرجال، ولا يخفي اننا نعاني في عصرنا الحاضر من عدم قدرة أطفالنا بل وشبابنا على المحادثة والحوار والمناقشة والنصح بسبب خجلهم الناتج عن أن أولياء الأمور لا يقومون بتدريبهم على ذلك، بل قد يمنعونهم الحديث في المجالس، ويقولون لهم أنتم صغار، ولا ينبغي لكم الحديث في مثل هذه المجالس فيتولد لديهم عقدة الخوف والتردد وهذا ما نعاني في جامعاتنا إذ ليس لدى أكثر الطلبة القدرة على الحوار والمناقشة، وحينئذ تكون الدراسة أقل نفعًا وإثراء.

وفي هذه النصيحة قدوة لأولياء الأمور بأن يعلموا أولادهم كيفية المحادثة والحوار والنصح ويدربوهم على مواجهة الأحداث والأشخاص ويشجعوهم على اقتحام الساحات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الحسن بالأحسن.

 سادس عشر وصية لقمان لابنه (ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ) ﵝلُقۡمَان: ﵗﵑﵜ  تدل على ضرورة تعويد الأولاد والمتربين على تحمل المشاق والمشكلات والمصائب والصبر على النوائب، وعلى كل ما يصيب الإنسان بسبب الالتزام بدينه، وفي ذلك بناء للشخصية القوية الجلدة التي تستطيع أن تبني وأن تتحمل النتائج، كما أن فيه دعوة لعدم تعويدهم على الترف والدلال الذي يقتل فيهم روح القوة والبناء اخشوشنوا فإن الترف يزيل النعم كما قال عمر رضي الله عنه .

العضو الذي يعمل ينمو ويتطور والعضو الذي لا يعمل يضمحل ويموت.

وكثيرًا ما شاهدنا وتابعنا - عندما تغيب الأفراد العاملون الإيجابيون اجتماعيًا عن العمل الأسباب السفر أو المضايقات الأمنية أو لأي أسباب أخرى. 

ظهور أفراد جدد كانوا بين أيدينا وأمام أعيننا، لكننا لم نستعن بهم أو نشاركهم في أنشطتنا لظننا عدم كفاتهم أو أنهم سلبيون اجتماعيًا، وعندما أظهرتهم الضرورة شاهدناهم شعلة من النشاط وأصحاب حركة دءوب وعمل مستمر، وبرقت مواهبهم، ووضحت معالمهم الإيجابية. فهل راجعنا أنفسنا ووقفنا أمام ماضينا فنتعرف على سلبياتنا في التعامل مع الآخرين كي تبدأ عهدًا جديدًا، نخالط فيه الآخرين فنعطيهم ما لدينا من فضائل، ونغير ما بهم من رذائل فيكتب لنا الأجر ويسجل لهم الفوز.

محمد عبده - المدينة المنورة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

98

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

نصيحة مخلصة لإخوتنا المجاهدين

نشر في العدد 66

106

الثلاثاء 29-يونيو-1971

منوعات

نشر في العدد 246

117

الثلاثاء 22-أبريل-1975

الإخلاص.. معناه مكانته وأثره