العنوان السياسة الخارجية لتركيا: نفض لعباءة الحرب الباردة وطموح للهيمنة
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999
مشاهدات 47
نشر في العدد 1353
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 08-يونيو-1999
يلحظ العديد من المراقبين أن تغيرات محورية جديدة طرأت على السياسة الخارجية التركية مقارنة بما كانت عليه طيلة الحرب الباردة، وبصورة لها مدلول استراتيجي حيوي سواء على دول المنطقة أو بالتبعية للولايات المتحدة كقوة عظمى، فضلًا عن العلاقات العسكرية بين أنقرة وتل أبيب، وأبعاد التوترات بينها وبين اليونان ودورها في حلف الأطلسي ولا سيما بالنسبة لما يجري حاليًا في كوسوفا، وكلها انعكاسات متنوعة لصورة هذا التغير ويمكن تحديد بداية النهج التركي على مستوى السياسة الخارجية، بحرب الخليج الثانية التي اندلعت في عهد الرئيس التركي تورجوت أوزال الذي قرر أن يؤدي دورًا محوريًّا مهمًّا في مجريات الحرب من حيث موافقته على الطلب الأمريكي بإغلاق أنابيب النفط بينه وبين العراق، والسماح للطائرات الأمريكية ومقاتلات الحلفاء بالتحليق من قواعده العسكرية لردع القوات العراقية.
وكان في القرار التركي نقطة تحول كبيرة عن سابق قراراته السياسية الماضية بعدم التدخل أو الانحياز بسبب ظروف الحرب الباردة، وحساسية موقعه الجغرافي بين أوروبا والولايات المتحدة وبين الاتحاد السوفييتي سابقًا، إذ فرضت عليه هذه الظروف السياسية الصعبة من حيث الموازنة بين القوى - التفكير مرتين قبل الخوض في معتركات قد تجعله في نهاية الأمر يقع ضحية لنظام الاستقطاب الذي ميز فترة الثمانينيات.
لكن تنضاف أيضًا إلى جانب حرية حركتها السياسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عوامل أخرى عجلت بإدخال عناصر التغيير في السياسة الخارجية التركية، منها شعور تركيا بأنها صارت مؤهلة سياسيًا وعسكريًّا للتعبير عن نفسها كدولة مستقلة نسبيًا، وتقلص هيمنة الدول المجاورة عليها، وعلى سياساتها، وتوافر فرص إقليمية يمكن استغلالها، وبالتالي عدم تضييعها من خلال ما يمكن وصفه بـ السلبية السياسية.
لقد كانت تركيا في الماضي مشغولة بمشكلاتها الداخلية خاصة صراعها مع الأكراد، مما فوت عليها الاستفادة من فرص إقليمية ودولية، وهي ناحية لاحظها بدهاء أوزال وسعى لتغييرها معيداً النظر في العديد من ثوابت السياسة الخارجية التركية، فقام بعدة إجراءات من ضمنها دوره في حرب الخليج وتحسين علاقاته باليونان إلى أن وافته المنية في ۱۹۹۳م، مخلفًا وراءه مرحلة يختلف العديد من المعنيين بالشؤون التركية في تحليلها وتقويمها .
إن التغيير في السياسة الخارجية التركية فرضته عوامل عدة داخلية وإقليمية ودولية من المتوقع أن تظل تعتمل داخل تركيبة السياسة الخارجية التركية محدثة بها المزيد من التغيير.
تعزيز القدرات العسكرية
على الرغم من أن تركيا تعاني من مشكلات اقتصادية إلا أن أداءها الاقتصادي بصورة عامة تميز بالتقدم منذ ۱۹۸۰ م وحتى ۱۹۹۷م، إذ ارتفع ناتج الدخل القومي ثلاثة أضعاف أي من ٥٨ مليون دولار ليصل إلى ۱۸۷ مليون دولار، وشهدت صادراتها الخارجية السنوية تزايدًا بتسعة أضعاف، ووصل متوسط نسبة نمائها السنوية في التسعينيات ما يزيد على 5% مما منحها ثقة بالنفس مقارنة بالعديد من إنجازات دول العالم الثالث، خاصة الدول المجاورة التي تعيش الظروف نفسها تقريباً، وحرصت تركيا على الاستفادة من هذه الزيادة في تحسين قدراتها العسكرية، إذ بلغت موازنة نفقاتها العسكرية في ١٩٩٥م مثلاً نحو ٦,٦ بلايين دولار مقارنة بما كانت عليه في ۱۹۸۵ وهو ٣.١ بلايين دولار، أي الضعف على مدى عشر سنوات، في فترة شهدت تقلصاً في حجم النفقات العسكرية بين بقية الدول بسبب انتهاء الحرب الباردة، فموازنة الولايات المتحدة العسكرية تقلصت من ٣٥٢ إلى ٢٦٥ بليون دولار، فيما تقلصت موازنة دول حلف الأطلسي من ٥٦٠ إلى ٤٧٠ بليون دولار، مما يدل على أن تركيا كانت تسير ضمن خطة منفصلة عن الآخرين.
ولا يبدو أن في نية تركيا التوقف عند هذه الزيادة التي ركزت في البداية على تحديث معداتها العسكرية وإنما تنوي توسيعها لتشمل شراء معدات عسكرية جديدة وصلت في عام ۱۹۹۹ وحده إلى ٣,٤ بلايين دولار، وهي زيادة بنسبة ١٠ عن السنوات الماضية. وتشير مصادر تركية عسكرية رسمية إلى نية أنقرة في إنفاق ۳۰ بليون دولار على المعدات العسكرية الجديدة في السنوات الثماني المقبلة و١٥٠ بليون دولار بحلول سنة ٢٠٣٠م تشمل شراء ألف دبابة و ١٤٥ طائرة مروحية هجومية وأربع طائرات الإنذار المبكر.
وكانت تركيا قد سعت خلال السنوات العشر الماضية إلى بناء قدراتها العسكرية التقليدية التي تميزت بشراء أكثر من ٢٠٠ مقاتلة من طراز إف ١٦، وتحديث أكثر من مائة من مقاتلاتها من طراز إف ٤٠ واف ٥ بالتعاون مع إسرائيل، وذلك بجانب تحديث قدراتها البحرية من مقاتلين وغواصات مضادة للصواريخ ورادارت واجهزة إنذار مبكر.
ولا شك في أن تركيا استفادت من خبرتها العسكرية في صراعها ضد هجمات حزب العمال الكردستاني بشمال العراق، وتحسباتها من احتمال صراعات متجددة مع اليونان على الجزء المتنازع عليه في قبرص.
تحولت تركيا عن سياسة عدم التدخل عندما سنحت لها الفرصة للهيمنة الإقليمية
العرب ما زالوا مطالبين بوضع استراتيجية لاستيعاب تركيا ضمن تحالفاتهم
تهديدات الدول المجاورة
يطرح المحللون ثلاث دول رئيسة تعتبرهم تركيا خطرًا على أمنها وهي روسيا وسورية والعراق، مع دول احتمالية أخرى لا تدخل إسرائيل من ضمنها لحميمية العلاقة بين النظامين.
بالنسبة لروسيا، فالعداء بينها وبين تركيا يعود بجذوره لتاريخ الإمبراطورية الروسية والخلافة العثمانية مرورًا بسنوات الحرب الباردة، ومنذ ١٩٤٥م والاتحاد السوفييتي، عبر حدوده المجاورة لتركيا، يمثل خطرًا استراتيجيًّا على أنقرة سعت الأخيرة لمواجهته من خلال تقاربها العسكري مع الدول الأوروبية وحلف الأطلسي، إلا أن سقوط الاتحاد السوفييتي ونشوء جمهوريات آسيا الوسطى أعطى تركيا مساحة جديدة للمنافسة على الهيمنة الإقليمية من دون الخوف من تداعيات صراع مسلح مع روسيا.
وتأكدت الثقة التركية بنفسها من عجز روسيا عن القضاء على المسلمين في الشيشان، بسبب انحلال مؤسساتها العسكرية وانهيار اقتصادها ولا يزال التنافس بين الدولتين يعبر عن نفسه من خلال الصراع على النفط والغاز في بحر القوقاز وداخل الجمهوريات المستقلة.
وتنظر تركيا في هذا الإطار بحذر لصفقة روسيا لبيع اليونان صواريخ مضادة للطائرات من طراز مس ۳۰۰ على أنها ليست مجرد صفقة تجارة، كما تزعم موسكو، وإنما محاولة روسية غير مباشرة للهيمنة على البحر المتوسط أما بالنسبة لكل من العراق وسورية، فمنذ سقوط الاتحاد السوفييتي الحليف الرئيس للبلدين، وتركيا لم تعد تخشاهما عسكريًّا كما كانت من قبل، فخلال سنوات الحرب الباردة كان الاتحاد السوفييتي يدعم كلًّا من بغداد ودمشق عسكريًّا بصورة واضحة، وكانت تركيا تعمل ألف حساب للنظامين تحاشياً للتورط معهما في حرب، لكن بعد انتهاء الحرب الباردة ودخول روسيا في مرحلة من الجمود الاقتصادي والعسكري بدأت تركيا تستعيد قوتها، وتقوم بعمليات تستعرض فيها عضلاتها أمام البلدين، وعلى المستوى العراقي اعتادت تركيا على اختراق الحدود العراقية شمالًا لضرب حزب العمال الكردستاني.
وعلى المستوى السوري قامت بالتحرش بدمشق للأسباب نفسها التي تتعلق بحماية النظام السوري لحزب العمال الكردستاني وتوفير معسكرات تدريبية له ، وكانت تركيا في هذه الأثناء تعزز من قوتها ومن عملية استعراض العضلات من خلال توطيد علاقاتها مع إسرائيل.
وفيما لا تعتبر تركيا إيران خطرًا حقيقيًّا يهدد أمنها مباشرة إلا أنها لا تطرحها من قائمة الدول الاحتمالية مع اليونان، إذ تمثل طهران بالنسبة للمؤسسة العسكرية العلمانية، ما يمكن وصفه بـ الأب الروحي لحركات التطرف الإسلامي - حسب وصف العسكريين .
ومن ضمنها حزب الفضيلة المعتدل وتيار الصحوة الذي يقوده نجم الدين أربكان، ولا يبدو في هذا السياق أن تركيا تعتبر إسرائيل خطرًا يهددها على الرغم مما تملكه الأخيرة من أسلحة دمار شامل، وأطماع في المنطقة، وعلى العكس اعتبرت تركيا أن اتفاقية أوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين فتحت لها نافذة واسعة لإقامة علاقات كبيرة مع الدول العربية.
وكانت تطمح من هذه العلاقة إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسة هي أولًا: الضغط على سورية لوقف دعمها لحزب العمال الكردستاني، وثانياً تحسين قدراتها العسكرية من خلال مصادر غير أمريكية، وثالثاً: كسب دعم اللوبي اليهودي داخل الكونجرس الأمريكي مقابل اللوبي الذي يميل لصالح الأكراد أو اليونان أو أرمينيا، أو أوليات حقوق الإنسان.
وفيما تقف دول عربية مثل مصر وسورية والعراق وإيران ضد تداعيات التحالف العسكري التركي- الإسرائيلي، فإن دولًا مثل الأردن والسلطة الفلسطينية داخل غزة لم تستنكره.
السياسة التركية واستراتيجية المنطقة
كانت تركيا تطمح إلى الاقتراب من أوروبا عبر المطالبة بعضويتها في الاتحاد الأوروبي، لكن طموحاتها بات بالفشل.
ویری محللون أن ذلك أفقد أوروبا فرصة التأثير على السياسة الخارجية التركية ولا سيما ما يتعلق بمشكلاتها مع اليونان، بل دفعها باتجاه التقارب مع أمريكا، إلا أن أمريكا قلصت هي الأخرى من مساعداتها الاقتصادية لتركيا في غضون تقليص مساعداتها لروسيا والصين، وتم ذلك عبر الكونجرس بحجج مختلفة منها سجل تركيا غير الناصع في مجال حقوق الإنسان، ومنها أن الأسلحة التي تبيعها واشنطن لأنقرة تهدد أمن وسيادة اليونان.
ومن خلال هذه الحجج تمكن نواب في الكونجرس من وقف العديد من صفقات بيع الأسلحة والطائرات المروحية المقاتلة لتركيا، لكن تركيا تعول على علاقاتها الاستراتيجية مع دول مثل إسرائيل والأردن في تعزيز دورها في المنطقة.
لأجل ذلك يطالب العديد من المقربين من صناع القرار الأمريكي، ومراكز التفكير التي على علاقة بالإدارة الأمريكية يطالبون واشنطن بعدم التقليل من شأن تركيا ودورها في المنطقة مستقبلًا، مشيرين إلى أن تركيا هي الدولة الإسلامية الوحيدة المرشحة للحصول على الدعم الأمريكي بالنظر لاستراتيجية موقعها من إيران وروسيا والعراق.
فتركيا بالنسبة لواشنطن بوابة مهمة تستطيع من خلالها إسرائيل اختراق العالم العربي والإسلامي تحت مظلة السلام، كما أنها قاعدة عسكرية مهمة لساحة عمليات القوات الأمريكية في المنطقة، سواء عبر حلف الناتو، أو قوات التحالف الأمريكية - البريطانية للإشراف على مناطق الحظر الآمنة شمالي العراق وتمثل تركيا بالنسبة للعالم الغربي خاصة الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، عامل موازنة أيديولوجي لإيران الإسلامية عبر المؤسسة العسكرية التركية العلمانية، وعامل موازنة آخر في مواجهة للمحاولات الروسية لإعادة بسط هيمنتها على جمهوريات آسيا الوسطى، وثروات بحر قزوين تارة من خلال علاقاتها مع اليونان وصربيا، وتارة أخرى من خلال سيطرتها على البحر المتوسط برمته.
أما العرب فهم في وضع لا يحسدون عليه إذ إنهم لم يحددوا بعد استراتيجية واضحة للتعامل مع تركيا ضمن خطة لاستيعابها في تحالفاتهم، وهو وضع يترك فراغًا أكبر لإسرائيل لملئه على حساب مصالحهم الأمنية والاستراتيجية مستقبلًا، فبالإضافة لغياب منظومة أمنية واضحة للمنطقة، بسبب نتائج حرب الخليج وما أسفرت عنه من تعددية غير صحية في السيناريوهات الأمنية، لا ينظر العرب للدور التركي في المنطقة بشيء من الأولوية، وهي نظرة قاصرة على ضوء ما ذكر من أهمية تركيا المتنامية في المنطقة سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، وسيظل على العرب والمسلمين مسؤولية التفكير في سيناريوهات للاستيعاب اخذين في الاعتبار ارتباطات المؤسسة العسكرية التركية العضوية، مع إسرائيل وبعض الدول التي لا تريد للمنطقة خيرًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل