; ما بين الانتفاضة والأنظمة اللاهثة وراء الحل الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان ما بين الانتفاضة والأنظمة اللاهثة وراء الحل الأمريكي

الكاتب عبدالله إبراهيم المجالى

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1988

مشاهدات 62

نشر في العدد 867

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 24-مايو-1988

مضى على انتفاضة الشعب المسلم في فلسطين ما يقرب من نصف عام، وفي كل يوم يتوقع أصحاب العلاقة بهذا الأمر أن الانتفاضة ربما تنتهي غدًا أو بعد غد.

ولقد استخدم العدو الصهيوني شتى الأساليب لإنهاء الانتفاضة وباءت كل أساليبه بالفشل والحمد لله. ففي كل يوم جديد نلاحظ تزايدًا في حجم الانتفاضة، وأن أصحاب العلاقة في أمر انتفاضة الشعب المسلم في فلسطين والذين أقلق مضاجعهم نبأ الانتفاضة يمكن تصنيفهم إلى ما يلي:

 

1- العدو الصهيوني:

الذي لا يملك حولًا ولا قوة في مواجهة الانتفاضة، ولقد أثبتت انتفاضة الشعب المسلم في فلسطين أنها فوق كل المؤامرات التي يحيكها العدو، فضللت كافة أجهزته الاستخبارية، فهو لا يدري كيف ومتى ومن أين وإلى أين يكون هذا الحدث؟ وأنه نسي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30) وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ (الأنفال:17) وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ﴾ (إبراهيم:27) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة:123).

 

لقد بدأ العدو الصهيوني يعيد حساباته وفي كل مرة يعتبر أن الأمر لن يتكرر خاصة مع تقدم العلم والتكنولوجيا والحسابات الدقيقة لموازين الأمور في العالم، وللتعاون الوثيق بين العدو والأجهزة الاستخبارية العالمية الأمريكية وغيرها، ولكن ما يجب أن يتذكره عدونا ونتذكره نحن أن الأمور بيد الله. ومهما كانت حذاقة الإنسان وبراعته فهو إنسان قاصر وإن ملك الدنيا وما فيها، وأن الأمة إذا عادت إلى الله فالله أشد فرحًا بعودة عباده إليه، وكفيل بتعليم عباده فوق ما وصلت إليه أحدث الأجهزة الإلكترونية في العالم؛ يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة:282) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج:38).

 

فالقضية ليست قضية حذاقة ولا براعة مع أن الإعداد مطلوب من المسلم لمواجهة عدوه؛ قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال:60) ولكن الأمر -كما أسلفنا- بيد الله، وهذه القضية يجب أن يتيقن منها كل مسلم مؤمن بالله سبحانه وتعالى.

لقد ذهل العدو وسوف تزيده الأيام القادمة ذهولًا أكثر بأمر الله. ونطمئن العدو الصهيوني بأن الانتفاضة لن تنتهي إلا بنهاية العدو نفسه إن شاء الله.

 

2- أهل الانتفاضة:

إن أهل الانتفاضة هم أبناء الشعب المسلم في فلسطين والذين تيقنوا بعد عناء طويل أن السبيل الوحيد لتحرير الأرض وطرد العدو هو الجهاد في سبيل الله، وأن جميع الطروحات الدولية والمحلية لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن العلاج الوحيد لهذا العدو لا يتفق مع أي طرح سلمي لحل القضية الفلسطينية. إن جميع أرض فلسطين من البحر إلى النهر هي أرض عربية إسلامية، ولا يمكن بأي حال التنازل عن أي شبر منها إلا بموافقة جميع أبناء الأمة الإسلامية، وهذا ما أثبتته الانتفاضة؛ حيث تلاحم الشعب الفلسطيني على كافة الأرض الفلسطينية من البحر إلى النهر.

فإذا كانت الحكومات العربية ومعها منظمة التحرير تطالب بأرض فلسطين المحتلة بعد عام 67. وقد نسيت أو تناست أرض فلسطين المحتلة قبل عام 67 فقد جاءت الانتفاضة لتؤكد أن هدف الانتفاضة إنما هو رفض كافة الحلول الاستسلامية، والتي تنادي بهذه الحلول الجزئية.

لقد تسلح أهل الانتفاضة بأقوى سلاح.. سلاح العقيدة الذي لا يُهزم، ولقد جاء هذا السلاح بعد انتظار طويل على استخدام هذا السلاح. لقد أثبت هذا السلاح أنه السلاح الذي لا يُهزم، ولقد أثبتت حجارة العقيدة أنها أكفأ من مدافع وقنابل وطائرات النفاق، لقد فعلت الحجارة في 4 شهور ما عجزت عن فعله الطائرات والمدافع طيلة 40 عامًا، وجاءت الحجارة لكي تثبت للشعوب وقادتها المهزومين أنها سوف تقدم للأمة ما عجزت عن تقديمه هذه الحكومات طيلة الـ 40 سنة الماضية.

 

وقضية أخرى أثبتها هذا الشعب المسلم.. تلكم هي قضية الجهاد؛ فلقد أُعلن الجهاد بأمر الله ولن تُطفأ نار الجهاد، وبعد إعلانها رغم تنكر المتنكرين لهذا الأمر لكن الغربال لن يمنع الشمس أبدًا، فالجهاد قد أُعلن والحمد لله، فما أن كادت أن تظهر للوجود ثمرات الجهاد فوق أرض أفغانستان المسلمة ومع اقتراب إعلان دولة الجهاد والإسلام فوق أرض أفغانستان المسلمة تنطلق صيحات الجهاد فوق أرض فلسطين لكي تكمل المشوار بأمر الله فتكون الثمار متوافقة بعون الله سبحانه وتعالى، وما ذلك على الله بعزيز. والوصية -وهذا الأمل لهذا الشعب المسلم فوق أرض فلسطين- ألا تنطفئ راية الجهاد فوق أرض فلسطين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

 

3- الحكومات العربية:

هذا هو الطرف الثالث الذي تأثر بالانتفاضة، وكل ما نتمناه إن كان هذا التأثر من النوع الذي يساعد على الانتفاضة لا أن يعمل على إخمادها وإجهاضها.

ماذا يعني اللهث والركض وراء محاولات الحل السلمي والمؤتمر الدولي واستقبال شولتز في العواصم العربية في هذا الوقت الذي يُذبح فيه الشعب المسلم فوق أرض فلسطين، وفوق كل هذا يقف شولتز ليعلن في عواصم هذه الدول بتحديه لهم ولا يخجل منهم في أن يعلن أن أمريكا لن تسمح بالمساس بأمن إسرائيل، كنا نتمنى بعد إهانة شولتز للزعماء الذين قابلهم أن يعلنوا عدم استقباله في المنطقة، ولكن مع هذا لا يزال في رحلته المكوكية من عاصمة إلى عاصمة، وهذا يثبت أن هؤلاء الزعماء وهذه الحكومات لا يهمها أمر الانتفاضة وتتمنى أن لو أُحبطت الانتفاضة بأي أسلوب، ماذا يعني هذا الاستسلام لآراء أمريكا وغيرها وشعبنا على حاله التي هو عليها فوق أرض فلسطين؟ كنا نتمنى على الحكومات العربية فتح حدودها المغلقة لأفواج المجاهدين المقهورين وسط بلادهم ومساعدتهم في أداء دورهم تجاه إخوتهم فوق أرض فلسطين، ولكن شيئًا من هذا لم يكن بل إن أسلوب القهر والمراقبة بات أكثر جدية في سبيل المحافظة على الحدود الآمنة لما يسمى بدولة إسرائيل. ولا أظن أن المنظمات الفلسطينية تقل أهمية في دورها عن الحكومات العربية، فهي غارقة في أسلوب تمثيلها في المؤتمر الدولي والحلول الاستسلامية، وفي نظرها أن هذا الدور أهم من دورها في دعم الانتفاضة والمباركة لها، وكم كان الأمل أن تُكثف المنظمات الفلسطينية من عملياتها عن طريق لبنان والدخول إلى الأرض المحتلة لأداء الدور المطلوب منها، ولكن إذا عرفنا أن طريق الجهاد هو طريق الانتفاضة، وأن طريق المنظمات الفدائية إنما هو طريق المهاترة والسعي وراء إرضاء الأنظمة العربية والحلول الاستسلامية، عرفنا عندها أن هذين الطريقين لا يلتقيان.

 

4- الشعوب العربية:

نستطيع القول إن الشعوب العربية غير الحكومات العربية، فإذا كنا صادقين فأين هي الحكومات العربية التي تمثل الشعوب العربية؟ أهي الحكومات التي أبادت شعوبها ودفنتهم أحياء ولا يزال الآلاف منهم في غياهب السجون، أم هي الحكومات التي تمنع شعوبها من حرية التعبير عن رأيها؟ إن الشعوب العربية وخاصة الشعوب المحاذية لأرض الجهاد هي شعوب مقهورة لا تملك من أمرها حولًا ولا قوة، فلقد أيدت هذه الشعوب ثورة الجهاد في فلسطين ودفعت من أجلهم أغلى ما تملك، والشعوب جاهزة للتحرك في سبيل الجهاد إذا سمحت لها حكوماتها، ولكن الشعوب تعلم علم اليقين أن جيوش الأنظمة على حدود إسرائيل هي حماية لعدونا من أبناء الشعوب الإسلامية المقهورة. إن مواقف الشعوب واضحة وليس عليها غبار؛ لأن الشعوب لا ترتبط بأوامر أمريكا وغيرها؛ بينما الزعماء لا يحركون ساكنًا دون أوامر سادتهم في البيت الأبيض والكرملين. إن قلوب الملايين من أبناء العالم العربي والإسلامي مملوءة بحب الجهاد والاستشهاد في سبيل الله وأنها بانتظار ساعة الأمر الإلهي لتلبية نداء: الله أكبر، حي على الجهاد، وإن غدًا لناظره قريب.

 

بعد هذا التقديم البسيط ترى ما هو الواجب على المسلمين جميعًا تجاه الانتفاضة؟

 

إن الواجب كبير وواضح وضوح الشمس، ونستطيع تلخيصه بالنقاط التالية:

 

1- إعلان النفير العام والجهاد في سبيل الله من أجل مؤازرة الشعب المسلم فوق أرض فلسطين، وهذا واجب الحكومات الإسلامية جميعًا، وليكن قدوة قادة العالم العربي والإسلامي في هذا الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم لبى صيحة المرأة المسلمة التي اعتدى عليها يهود المدينة.. وأيضًا نداء المعتصم الذي لبى نداء المرأة المسلمة على حدود الدولة الإسلامية.

2- فتح الحدود المغلقة مع العدو الصهيوني والمساعدة في دعم المجاهدين داخل وخارج الأراضي المحتلة.

3- أن تُمارس الشعوب الدعوة والضغط على حكامها للسماح لهم بتلبية دعوة الجهاد وعدم تفويت هذه الفرصة السانحة للتعامل مع أعداء الله اليهود.

4- يجب على الحكومات والشعوب مواصلة الدعم المادي والمعنوي لأهلنا في المحتل من أرضنا بكافة الوسائل، وإننا إذ نتقدم بالشكر للحكومات والشعوب التي قدمت الكثير لأهلنا في المحتل من أرضنا لنرجو الله أن يدوم ذلك ويزداد: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).

5- أُذكّر الإخوة القائمين على جمع التبرعات لصالح أهلنا في الأرض المحتلة بضرورة التأكد من إيصال هذا الدعم لمستحقيه أهل الجهاد فوق أرض فلسطين، وأُذكّر جميع المسلمين أن الحركات الإسلامية في عالمنا العربي وعلى رأسهم الدعاة إلى الله هم الأهل لأن يشملوا مثل هذه التبرعات من أجل إيصالها لأهلها هناك بعون الله.

 

ختامًا، أدعو الله سبحانه وتعالى ألا يضيع أجر المحسنين، وأن يثبت أهلنا المجاهدين في فلسطين، وأن يحفظهم بما يحفظ به عباده الصالحين، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :