; صناعة الآلهة.. هل تبور؟! | مجلة المجتمع

العنوان صناعة الآلهة.. هل تبور؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2011

مشاهدات 72

نشر في العدد 1972

نشر في الصفحة 39

السبت 08-أكتوبر-2011

صناعة الآلهة في دول العالم الثالث من الصناعات المشهورة التي جلبت لها الشقاء والخراب، وأصابتها بالأمراض الاجتماعية الخطيرة التي توطنت في تربتها ولم تستطع منها فكاكا إلى اليوم وصناعة الآلهة من الصناعات التي نبغت فيها الأمم المتخلفة، وتربعت على عرشها واستأثرت بها.

والغريب أن هذه الصناعة ترتقي مع انحطاط الأمم وتنمحي وتزول مع تقدمها ؛ فهي بحق صناعة شيطانية لعينة وتبدأ صناعة الآلهة وتربيتهم وتأليههم على أيدي سماسرة مهرة ووصوليين ومنافقين كهنة، يلتفون حول المسؤول يستثمرون فيه الغرور، ويلهبون التطلعات ويشعلون الأهواء، وينفخون الأوداج، وإلا فقل لي بربك من أله الفراعنة وقد ولدوا بشراً، ومن صنع الطغاة وقد جاؤوا إلى الدنيا حفاة عراة غرلا ؟ أليسوا دهاقين الضلال ومروضي القردة ومؤلهي الأقزام؟

ومن أوحى إلى الشعوب بتقديس الظلمة والفساق من أكاسرة وقياصرة؟ ومن أشاع أن الدم الذي يجري في عروقهم هو دم إلهي ؟ كما كانوا يدعون إلى تقديم القرابين لهم وإنشاء الأناشيد بألوهيتهم ويرونهم فوق القانون وفوق البشر وليس للناس قبلهم إلا السمع والطاعة؟ أليس هؤلاء فريقا من الصناع المهرة الذين تحالفوا مع الشر والفساد ضد شعوبهم فتولوا هم وبجدارة صنع هذه الهالات، وأخذوا وبإتقان يسوسون هؤلاء المتألهة إلى ما يشتهون، ويشكلون الشعوب دمى لا ينطقون بغير ما يهوون؟

ولا نعجب لهذه الصناعة في العصر الحديث، فإن لها جرثومة قديمة ومكروبًا أزليًا يظهر في الشعوب كلما تحققت أسبابه، وظهرت أجواؤه، فقد رأينا في القديم أن السامري يصنع عجلا له خوار ويعبد الناس له، ويقول لمن حوله: (هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ) (طه: ۸۸) .. وقد رأينا المجتمع العربي يعبد الأصنام وينغمس في تقديس الأوثان بصورة بشعة، فكان لكل قبيلة أو مدينة أو ناحية صنم خاص، قال الكلبي: «كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع في منزله أن يتمسح به أيضا، وعلل هذه الصناعة متنوعة وأسبابها متعددة منها:

  1. ضعف الشعوب، فإنها هي التي تستخف وتستغفل وتستدرج في عصور ظهور الذئاب وبروز الثعالب، الذين يستغلون سذاجة تلك الأمم وجهلها بدلا من إرشادها والحنو عليها والأخذ بيدها، وصدق القائل:

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها *** فكيف إذا الرعاة لهم ذئاب

وقد ذكرنا القرآن الكريم أن فرعون ما صار إلها إلا مع شعب مستخف (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)) (الزخرف: ٥٤).

فكان ضياع حلوم الشعوب واستخفاف عقولها سببا في نكبتها، وتأله الظالمين عليها واستباحتها، لكن بعدما صحا هذا الشعب نفسه نفض كل ذلك وقال : (آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ (70)) (طه: ٧٠)، (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (73) (طه: ٧٣).

2. اشتغال كثير من المتنورين والمثقفين بالدجل وبيعهم لضمائرهم وتعلقهم بالمال أو بالمنصب والعرض الزائل، فاشتغلوا بذلك سدنة ومداحين ومبررين ومؤلهين ومنظرين للفراعنة وما كان فرعون في الحقيقة إلا صنما جعلوه إلها، وباطلا جعلوه حقا، ووهما جعلوه حقيقة.. كما جعلوا من أنفسهم ميليشيات للباطل، ومحرضين للضلال وجلادين للحق وأهله، فكم من مثقف شارك في صنع الإله وتدشين ملكه واختراع الألقاب له وترويض الشعوب على تأليهه!!

ولكن هل تصحو الشعوب يومًا فتأكل تلك الآلهة، وترتعش ضمائر المثقفين يوما فتكف عن هذا الضلال، وتقلع عن هذا المسخ؟ وما أظن إلا أنها ستفعل يوما فعل بني حنيفة»، حينما صنعت إلها من الحلوى فلما صحت وجاعت أكلته فقال شاعرهم متهكمًا:

أكلت «حنيفة ربها زمن *** التقحم والمجاعة

لم يحذروا من ربهم *** سوء العواقب والتباعة

وما أخال شيئًا يحطم تلك الصناعة اللعينة أو يمحو هذا الوهم القاتل غير الإسلام على مستوى الشعوب وعلى مستوى المثقفين وصدق الرسول ﷺ حين قال: «من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منا ... فهل يقبل العالم الإسلامي على تلك الرسالة وهذا المنهج؛ حتى يرى العالم كله من جديد كيف تحطم الأصنام وتمحى هذه الصناعة أم أنها صناعة لن تبور وخصوصًا في العالم الثالث؟ وهل نشهد اليوم الانعتاق من هذه المصائب ويعقل هؤلاء المثقفون، ويتطهرون من أدرانه وأوزارهم والله يحب المتطهرين؟!

الرابط المختصر :