; رسالة إلى الطلاب والطالبات (٢) ... اختيار التخصص العلمي | مجلة المجتمع

العنوان رسالة إلى الطلاب والطالبات (٢) ... اختيار التخصص العلمي

الكاتب د.أبو بكر أحمد السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 926

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 01-أغسطس-1989

بالطبع العمر لا يتسع لدراسة جميع العلوم فنكتفي بقدر المستطاع مع ملاحظة ما يلي: (أ) تتخصص في العلم الميسور لديك والمحبذ عندك أي الذي تميل إلى دراسته وترغب فيه، فلا تختر التخصص الذي له سمعة أو شهرة بين الناس، أو الذي يحظى بسوق كبير للعمل، بل اختر ما ترغب نفسك فعلًا في دراسته، فتتميز وتتفوق فيه، وتستطيع فهمه وإتقانه جيدًا، وبالتالي تستطيع خدمة أمتك الإسلامية من خلاله وبالنبوغ فيه وسبر أغواره.

(ب) لا تكلف نفسك في العلم الذي لا تتجه إليه نفسك وقلبك، حتى لا تتعثر في دراسته وبالتالي لا تستطيع التفوق فيه أو إفادة المجتمع المسلم.

(جـ) اعلم أن أشرف العلوم: معرفة الله تعالى ومعرفة الكتاب والسنة وما يتعلق بهما، ثم ما يتعلق بحاجات الناس من طب وهندسة وزراعة ورياضيات.. إلخ.

(د) «ولا تحتقر أي علم من العلوم، ولا يعني الثناء على علم الآخرة التقليل من شأن باقي العلوم، فدارسو العلوم المختلفة كالمتكفلين بالثغور والمرابطين بها، والغزاة المجاهدين في سبيل الله، فمنهم المقاتل، ومنهم الردء، ومنهم الذي يسقيهم الماء، ومنهم الذي يحفظ أسلحتهم وأمتعتهم ويتعهدهم، ولا ينفك أحد منهم عن أجر إذا كان قصده إعلاء كلمة الله تعالى: دون حيازة الغنائم، فكذلك العلماء وطلاب العلم. قال تعالى﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: ١١).

وقال تعالى﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٣).، والفضيلة نسبية»

المنهج الأساسي.. والكتاب المقرر

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. عندما تبدأون دراسة أي منهج فإن المعلم يعطيكم فكرة عن محتويات هذا المنهج، والكتاب المقرر له والذي ستمتحنون في مادته، فاذكروا جيدًا أن هناك منهجًا أساسيًا أنتم مطالبون بمعرفته، ولهذا المنهج كتاب مقرر يشمل تفاصيله وستمتحنون في محتوياته.. أما المنهج فهو الإسلام الذي هو منهج حياة: عبادة ومعاملة، دين ودولة، أخلاق وشريعة.. وأما كتابه المقرر فهو القرآن الكريم.. فإياكم أن تنسوا دراسة هذا المنهج، وهو منهج نظري وعملي، وتطبيقه يكون في كافة ميادين الحياة: في البيت وفي الجامعة، في السوق وفي المصنع، في الملعب وفي ساحة القتال، ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الانعام: ١٥٥).

 وبعد أن تغادروا هذه الدنيا التي هي قاعة الاختبار في هذا المنهج ستقفون بين. يدي المولى عز وجل، وتستلمون نتيجة الامتحان... فاحرصوا من الآن أن تكونوا بإذن الله من الفائزين، بل من السابقين المقربين.

العبادات «الفرائض والنوافل»

فلا تشغلكم الدراسة عن أداء الفرائض الأساسية والشعائر التعبدية، لا تمنعكم المواظبة على حضور المحاضرات والدروس من أداء الصلوات في أوقاتها ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣).

 واحرصوا قدر استطاعتكم على حضور صلوات الجماعة في المسجد أو المصلي «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، «وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة» «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وتقربوا إلى الله تعالى بقيام الليل، وصيام بعض الأيام المستحب صيامها كصيام ثلاثة أيام من كل شهر في يومي الاثنين والخميس.

التفوق في الدراسة.. خدمة للأمة، ودعوة للآخرين

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. بعد أن عرفتم فضل طالب العلم، ومكانة العلم في الإسلام فعليكم أن تبذلوا جهدًا كبيرًا في تحصيل دروسكم والتميز والتفوق في تخصصكم، فتلك عبادة تؤجرون عليها بإذن الله، «والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» فلتكونوا أقوياء في إيمانكم وفي علمكم، حتى تستطيعوا خدمة أمتكم الإسلامية في تخصصكم، وهو ثغر من ثغور الأمة ستدعون يومًا للوقوف عليه للذود عن أمتكم، فلا يؤتين الإسلام من قبلكم.

وتذكروا أن الجهد الذي تبذلونه في فهم دروسكم وأداء واجباتكم، وحل تمارينكم، وإجراء تجاربكم وكتابة برامجكم، ودراسة مشاريعكم.. كل هذا في ميزان حسناتكم بإذن الله يوم القيامة لأنه جهاد وتسبيح .

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. إن تفوق طالب العلم المتمسك بكتاب ربه وسنة نبيه يعد من أفضل وسائل دعوة الطلاب الآخرين إلى السير على الصراط المستقيم، واتباع منهج الكتاب الكريم، لأنهم يرون حينئذ في الطالب المسلم المتفوق علميًا قدوة عملية ومثالًا يحتذى، ويوقنون أن اتباع تعاليم هذا الدين القويم لا يقف حجر عثرة في طريق الامتياز العلمي بل إنه يدفع إليه ويحث عليه. وهكذا يكون تفوقكم العلمي دعوة عملية لتشجيع الآخرين من زملائكم على اللحاق بركب المجتهدين في ميدان العلم والدين.

الامتحانات... والنتائج

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. تعلمون أن الامتحانات هي النظام المتبع لقياس مدى فهم الطالب للمادة العلمية.. فعليكم بعد إذ بذلتم جهدكم في دراسة المادة واستيعابها.

(١) أن تسألوا الله تعالى أن يعينكم ويوفقكم للإجابات الصحيحة على أسئلة الامتحان، وأدعوه سبحانه: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن (١) إذا شئت سهلًا».

(۲لا تتسرعوا في حل الأسئلة، بل أجيبوا عليها بسكينة وطمأنينة، واعلموا أنه لن يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، فلا داعي للجزع أو القلق، وكونوا من ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨) واعلموا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

(۳إياكم والغش في الامتحانات أو الواجبات، فقد نهى الإسلام بشدة عن الغش، وتبرأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أولئك الذين يغشون، فقال عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منا»

ونظرًا لأنه من أعان على مُحِرَّم فهو شريك في الإثم فكذلك لا تعن أي طالب على الغش، ويخطئ بعض الطلاب حين يظنون أنهم حين يعينون طالبًا على الغش فإنما هم يقدمون مساعدة لشخص ضعيف، قد وضع مثلًا على قائمة الإنذارات، أو قائمة الفصل من الجامعة، وربما ظنوا أن لهم بذلك أجرًا!! بينما هم يحملون به وزرًا.. كما يخطئ البعض الآخر حين يعتقد أن الغش المنهي عنه في الحديث إنما هو غش التجارة، أما غش الدراسة فلم يرد فيه شيء!! ألا فليعلموا أن الغش حرام في ميدان التعليم كما هو حرام في ميدان التجارة، أو في أي ميدان آخر لأنه قائم على الكذب والتدليس.

(٤) بعد خروجك من أي اختبار «امتحان» لا تيأس على أي شيء كتبته أو لم تكتبه في الاختبار.. ولا تتحسر على أي إجابات خاطئة كتبتها، أو إجابات صحيحة لم توفق إليها أو نسيت كتابتها.. لا تقل لو أني أجبت على السؤال كذا قبل أو بدلًا من السؤال كذا لحصلت على درجة أفضل، «ولكن قل: قَدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»

وإذا شعرت في نفسك بالحزن والأسى لما فاتك في الاختبار، فذكر نفسك بأن هذا مقدر عند الله تعالى، وكان لا بد أن يحدث بالكيفية نفسها التي حدث بها، وأن قولك ولو أني فعلت كذا كان كذا وكذا (۱) يعني أنك تريد تغيير ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ!! وقد «رفعت الأقلام وجفت الصحف» ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد: ٢٢، ٢٣).

وبالطبع ما سبق لا يعني التواكل وعدم المذاكرة ثم الرضا بأي نتيجة، ولكن ابذل جهدك في الاستذكار ثم اترك النتيجة لله تعالى يأتي بها كما يشاء، و«ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس»، «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك».

أما إذا شعرت أنك قد ظلمت أو بُخست حقك في التقدير الذي حصلت عليه، فاعمل ما عليك لمراجعة النتيجة فلربما كان هناك خطأ وقد يتبين لك خطأ إجابة لك كنت تظنها صحيحة، وهكذا تطمئن نفسك.

(٥) تذكر بهذه الامتحانات الامتحان الأكبر.. امتحان الآخرة.. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: ١١١).

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٨٨، ٨٩)

 وتذكر أن نتيجة هذا الامتحان نهائية لا مراجعة فيها، ولا إمكانية لإعادة الامتحان، فهي إما جنة أبدًا، وإما نار أبدًا.. نسأل الله تعالى السلامة لنا ولكم.

الاتجاهات المتباينة في المعهد أو الجامعة

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. ستجدون في الجامعة/ المعهد تيارات متناقضة من المذاهب والأفكار.. فيها الإيمان وفيها الإلحاد.. فيها الإخلاص وفيها النفاق.. فيها الاستقامة وفيها الميوعة.. فيها جماعات تدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة، وأخرى تدعو إلى الاعتزاز بالقومية والعصبية، وثالثة تدعو إلى اتباع اللادينية «العلمانية» أو الماركسية، فيجب أن يكون في قلوبكم شعور تام بأنكم مسلمون، وأنكم مدعوون لأن تعيشوا- على هذه الأرض عامة وداخل معهدكم خاصة- حياة إسلامية ربانية متمسكين بأحكام الإسلام وتعاليمه، وأخلاقه وعاداته، وتقاليده وآدابه. وقد تجدون حينئذ من يتهمكم بالتعصب والتطرف، ولكن لا تلقوا بالًا لهذه التهم، وتمسكوا بإيمانكم، فلا قيمة للدراسة إذا صاحبها تجريد الشاب المسلم أو الفتاة المسلمة من سلاحهما الأول، سلاح الإيمان.

السمت الإسلامي 

(١) فليكن مظهركم إيمانيًا، وسمتكم إسلاميًا ومن السمت الإسلامي للطالب إلقاء تحية الإسلام: «السلام عليكم» والرد عليها «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» عند لقاء إخوانه فلا تستبدل بتحية الإسلام تحية العوام: صباح الخير، مساء الخير، صباح النور، مساء النور، أو تحيات الإفرنج: هاي وباي، وباي باي!!

(۲ومن السمات والشعائر التي يعرف بها المسلم إعفاء اللحية، وقص الشارب أو إحفاؤه، وعدم إسبال الإزار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب، ويقول: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» ويقول: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء»

(۳ومن سمت الطالب المسلم تواضعه ولين جانبه وحبه لجميع إخوانه المسلمين من مختلف البلدان والجنسيات، فلا يشعر بأي تعال أو كبر على زميل له بسبب بلد أو قومية أو جنسية أو لون فتلك كلها اعتبارات أرضية لا قيمة لها، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ١٣). (٤)، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)

(٤) والطالب المسلم لا يقلد الغربيين ولا يتشبه بالنساء، فلا يعلق السلاسل في رقبته، ولا يرتدى «البنطلونات» الضيقة التي تجسد العورات.

(٥) والطالب المسلم لا يدخن السجائر، ففيها الأضرار الصحية والمالية، بينما في الإسلاملا ضرر ولا ضرار.

(٦) والطالبة المسلمة لا تقلد الأجنبيات، ولا تتشبه بالرجال، فهي لا تعرف التبرج ولا الملابس الفاضحة التي تكشف العورات، وإنما تلتزم أمر ربها بعدم إبداء زينتها، وبارتداء لباس سابغ يستر بدنها كله، فلا هو ضيق يحدد أجزاء من جسمها، ولا قصير يكشف بعض بدنها ولا شفاف يظهر ما تحته، ولا معطر ولا ذات ألوان صاخبة تلفت النظر.

(۷وهي لا تغير خلق الله بوضع المساحيق على وجهها، وإنما تعلم أن أجمل ما تتحلى به الفتاة هو الحياء والحشمة، والاستقامة والعفة، وتعلم أنها إنما جاءت الجامعة طلبًا للعلم، ولم تأتها لتعرض نفسها في سوق الجامعة.

(۸فهي تلتزم بالإسلام في مظهرها وملبسها، وفي حركاتها وسكناتها، وفي تصرفاتها وسلوكها ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣١).

ويقول تعالى﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٩).

(۹وهي تتقى الله تعالى في حديثها وكلامها، فلا تلين القول ولا ترفقه ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢).

 وإنما تتحدث باستقامة وجدية، ولا تمازح طالبًا ولا معيدًا ولا أستاذًا.

(۱۰ولا تتكسر في مشيتها ولا تتمايل، ولا تضرب برجلها ليعلم ما تخفى وما تظهر من زينتها، ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ (النور: ٣١).

بل تمشى المشية المستقيمة، مشية الفتاة الطاهرة العفيفة التي امتدحها القرآن الكريم﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (القصص: ٢٥).

(۱۱والطالبة المسلمة حين ترتدي جلباب الحياء والفضيلة والحشمة والستر فإنها تستحق الأجر الجزيل من الله تعالى أولًا لأنها أطاعت أمره، وثانيًا لأنها بذلك تؤدي للإسلام دورًا عظيمًا حيث إنها تصبح دعوة عملية حية إلى الستر والعفاف، وثالثًا لأنها بلباس الفضيلة تتحدى موجات التبرج التي يغذيها شياطين الإنس والجن، وتغيظ دعاة الإباحية والانحلال والكفر والإلحاد، وتميز بمظهرها المحتشم المسلمة عن الفاجرة وتعطى صورة مشرقة لالتزام الفتاة المسلمة بالإسلام قولًا وفعلًا، مظهرًا ومخبرًا سلوكًا ومنهاجًا.

(۱۲واعلمي –أختي الطالبة- أنك حين ترتدين الحجاب الصحيح، اللباس الشرعي وتشجعين غيرك على ارتدائه، فلك من الأجر مثل أجور من تبعك من إخوانك. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا»

(۱۳أما إذا أعرضت عن أمر ربك ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: ٣١).(۲وأصررت على أن تلبسي زينتك وتخرجي من بيتك سافرة متبرجة معطرة معرضة عن قول نبيك -صلى الله عليه وسلم-: «المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا» «يعني زانية» فاذكري أن هذا الجسم الذي تصرين على تزيينه وجعله فتنة للشباب عن دينهم سيدفن في يوم من الأيام في حفرة موحشة مظلمة من التراب مستورًا بحجاب سابغ من الكفن ويومها لن تنفعك الحجج الواهية لتبرير معصية الله بالسفور والتبرج، كالنوايا الحسنة، أو رغبة الأم أو الزوج، أو ظروف المجتمع، أو أهمية المخبر لا المظهر.. إلى آخر هذه الحجج، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى: ١٦).

(١٤) ثم ألا ترين يا أختي أن سفورك -بالإضافة إلى كونه معصية لله تعالى- يستنزف منك وقتًا ومالًا وجهدًا كان ينبغي أن يستفاد منه في مجال آخر ينفعك، وأنت تعلمين أن الواجبات أكثر من الأوقات؟

(١٥) بل إن بعض المحجبات من أخواتنا اللائي لم يدركن المعنى الصحيح للحجاب ينسقن أحيانًا إلى التخفف من الحجاب أو جعله ما يسمى بالحجاب العصري! بتضييق الملابس أو باختيارها من ذوات الأشكال أو الألوان الملفتة للنظر، أو تزيين هذه الملابس بالورود، أو إحاطة الوسط «وبالتالي تحديد حجمه» بالأربطة والأحزمة «ربما لإظهار الرشاقة» أو ارتداء الجلباب المشقوق من أسفل بحيث إذا سارت انكشف جزء من ساقها.. إلى آخر هذه «الموضات» التي تسعى إليها وتجتهد في ابتكارها بيوت الأزياء جريًا وراء الربح المادي.

(١٦) فاحرصي يا أختي على ارتداء الملابس السابغة الفضفاضة الخالية من جميع أنواع الزينة، كالعباءة مثلًا التي تعيد إلينا منظر جيل أمهات المؤمنين والصحابيات، وتجنبي وضع أي مساحيق ذات أي لون على وجهك، فهي من التزين المنهي عنه، بالإضافة إلى كونها مواد كيماوية تذهب بالنضارة الطبيعية للبشرة وقد تسبب الأمراض الخطيرة، كما أثبت ذلك الطب الحديث.

(۱۷واعلمي يا أختي أن الإسلام ما أراد لك بهذه التعليمات والتوجيهات إلا صونك والحفاظ عليك من النظرات الخائنة، والأعين النهمة، والنفوس العابثة، كما نصون الجوهرة الغالية ونحفظها في مكان آمين، ولا نلقيها فيعبث بها من لا يعرف قيمتها، وهكذا الفتاة المسلمة تصون نفسها بالحجاب الصحيح، ولا تكشف العرض التافه الرخيص الذي يعرض لكل ذي عينين.. أو كقطعة الحلوى الطيبة التي يجب أن تُغطى ولا تترك مكشوفة في الطريق يتجمع عليها الذباب وهكذا الفتاة أو الطالبة التي تتزين وتأتي إلى الجامعة سافرة متبرجة، ما يتجمع حولها إلاضعاف النفوس ومرضى القلوب من الطلاب الذين يجرون وراء شهواتهم، مرة مع هذه الطالبة وأخرى مع تلك ممن خلعن ثياب الحياء.

 

النشاط الإسلامي داخل المعهد

أخي الطالب... اختي الطالبة.. أذكروا أن هذه الفترة من حياتكم التي تقضونها في الدراسة هي من أخصب الفترات في حياة الإنسان إذا هو أحسن الاستفادة منها، وهو ما زال في شبابه قبل هرمه، وفي فراغه قبل شغله، وفي صحته قبل مرضه.. فكما تهتمون بتحصيل العلم في تخصصكم فعليكم الاهتمام أولًا بالعلم الأساسي ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد: ١٩).

وبفهم دينكم فهمًا شاملًا، وبنشر هذا الفهم الصحيح بين أقرانكم في معهدكم، فاحرصوا لذلك على حضور المحاضرات الإسلامية، ودروس العلم والفقه من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، والمخيمات الثقافية، والندوات الدينية، والدروس الشرعية والتربوية، والمشاركة في الأنشطة الإسلامية في المعهد، وفي رحلات العمرة إلى بيت الله الحرام، بالإضافة إلى قراءة الكتب الإسلامية، فإن المسلم تلتهب في نفسه جذوة الشوق إلى معرفة أصول دينه، ومنهاج حياته الذي يضمن له العزة في الحياة الدنيا، والخلود في نعيم الآخرة.

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. وهكذا تصبحون بعون الله مؤمنين بالله تعالى حق الإيمان، ملتزمين بأوامر الله تعالى ورسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم لا تفضلون عليها عادات أسرة، ولا تقاليد مجتمع، ولا رغبة أم، ولا هوى زوج، ولا مغريات فارغة، ولا فتن زائلة، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦).

ومما لا شك فيه أن تفقه المرأة -بصورة خاصة- في أمور دينها وتعلمها وتعبدها يجعل منها إنسانًا مصونًا فاضلًا، ربة بيت محسنة، تنشأ الأجيال في كنفها وهي تألف الشمائل الزاكية، والمسالك العالية، والأخلاق الحميدة.

الاستفادة بالوقت

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. إن الواجبات أكثر من الأوقات.

وأن الوقت يمر مر السحاب ويجري جرى الريح، وكل ساعة تنقضي لا يمكن تعويضها، و«إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك» و«إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما»، كما يقول عمر بن عبد العزيز الذي عمل في الليل والنهار، يرد الحقوق إلى أصحابها، ويؤدي الأمانات إلى أهلها، فلم تمض سنتان ونصف السنة هي كل مدة خلافته حتى ملأ الأرض قسطًا وعدلًا، وعاد بالخلافة إلى رشدها..

فاحرصوا على ألا يمر يوم أو بعض يوم، بل على أن لا تمر ساعة دون التزود منها بعلم نافع أو عمل صالح، أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع للآخرين.. لا وقت للغو والثرثرة.. ولا لصغائر الأمور وسفاسفها.. ولا للإسراف في اللباس والزينة.. لا وقت للحديث عن التمثيليات والمسلسلات، ولا عن كلام المدرسين أو لباس المدرسات.. لا غيبة ولا نميمة، وإنما معرفة لحرمة الآخرين، فلا يذكر أحد أخاه بما يكره، ولا تسخر فتاة من أخرى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ (الحجرات: ١١).

الدعوة إلى الله بين الطلاب

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. تعلمون أن كل من اتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليه واجب الدعوة إلى الله ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨).

الرفق في الدعوة

فلا تنسوا واجب الدعوة إلى الله بين الطلاب بالحكمة والموعظة الحسنة، «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، (۲) وأحسنوا الظن بمن تدعوهم، وافترضوا فيهم الخير حتى ولو رأيتموهم على المعاصي، فهم بشر يخطئون ويصيبون، وكل بني آدم خطاء، وكل من آمن بالله ورسوله لا يخلو من خير في أعماقه، وإن انغمس ظاهره في المعاصي، ما لم يفعلها متحديًا لله تعالى، مستخفًا بأوامره ونواهيه.. وكثير من أصحاب المعاصي، والمتبرجات من الفتيات، والمنحرفين من الشباب ذوو فطرة سليمة، ولكنهم تورطوا في المعصية والتبرج والانحراف بتأثير بيئة السوء، أو صحبة السوء، أو أجهزة إعلام السوء، فيجب أن تنقذوهم من هذا التأثير، أو هم جاهلون بحقائق الدين، فيجب أن تعلموهم إياها أو هم غافلون عن الآخرة بمشاغل الدنيا وزينتها وفتنتها فيجب أن تنبهوهم وتذكروهم، والذكرى تنفع المؤمنين.

من أساليب الدعوة

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. عليكم ألا تكتفوا بصلاح أنفسكم، وإنما عليكم ممارسة واجب الدعوة إلى الله تعالى حسب علمكم وطاقتكم وما تستطيعونه من وسائل مختلفة وصورة متعددة، فالدعوة تكون بالمظهر والسمت الإسلامي، والسلوك الحسن والكلمة الطيبة والمشورة الصادقة، والدرس المفيد والمقالة الهادفة، والزيارة في الله، والنقاش المثمر والخطبة والمحاضرة، والرحلة والمخيم... إلى آخر هذه الوسائل التي يذكر فيها اسم الله تعالى، وتتوقف بها عرى الإخوة في الله، ويزداد بها الإيمان بالمولى عز وجل.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أخي الطالب.. أختي الطالبة.. إن الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مؤمن ومؤمنة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: ٧١).

فإذا رأيتم منكرًا في معهدكم أو خارجه، فعليكم تغييره باليد أو اللسان أو القلب حسب استطاعتكم وبالتي هي أحسن، ولا تخشوا في الله لومة لائم حتى ولو صدر هذا المنكر من أستاذ يشكك في وجود الله تعالى ووحدانيته أو يطعن في أمر معلوم من الدين بالضرورة، أو يسخر من ارتداء العباءة أو النقاب بالنسبة للطالبات، فإن الأساتذة كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوكم بشيء لم ينفعوكم إلا بشيء قد كتبه الله لكم، ولو اجتمعوا على أن يضروكم بشيء لم يضروكم إلا بشيء قد كتبه الله عليكم، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

131

الثلاثاء 12-مايو-1970

ركن الأسرة - العدد 9

نشر في العدد 12

139

الثلاثاء 02-يونيو-1970

ركن الأسرة - العدد 12

نشر في العدد 14

106

الثلاثاء 16-يونيو-1970

ركن الأسرة - العدد 14