العنوان استثمارات الكويت الخارجية المأزق والمخرج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 530
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 26-مايو-1981
- حوالي ٦٧ بليون دولار قيمة استثمارات الكويت الخارجية أكثر من ٦٠% منها بالدولار!
- ٦٧٪ من الاستثمارات الكويتية في أمريكا وأوروبا وحوالي 5% فقط في الدول العربية!
- أكثر من ٦٠% من الاستثمارات الكويتية على شكل ودائع وسندات، وسندات حكومية أمريكية أو بريطانية وغيرها.
- الاستثمار في العقار والفندقة والصناعات خطوة إلى الأمام، ولكن الاستثمار في أصول إنتاجية في العالم الإسلامي أفضل.
- مطلوب الاستجابة لاقتراح مجلس الأمة بإنشاء مؤسسة عامة للاستثمارات الخارجية خاضعة للرقابة الشعبية.
- ليبق النفط في الأرض، وليكن سعره ذهبًا أو فضة.
- عائدات الودائع والسندات ربًا حرمه الله وآكله النار أولى به.
مع أن وفرة أموال النفط تعتبر نعمة كبرى من الله بها على الكويت، فانعكست على رفاهية العيش فيها، إلا أن تراكم الأموال إذا لم يحسن استثمارها قد تنقلب نقمة على أصحابها، ولكي نظل نعيش في النعمة لابد أن نشكر الله عليها، والشكر لا يكون فقط بتأدية الزكاة، بل يكون في كيفية استثمار الأموال الفائضة، فهل بنيت الاستثمارات الكويتية في الخارج على هذا الأساس؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فكيف يتم تدارك الأمر قبل فوات الأوان؟
في ندوة السياسات الاستثمارية التي عقدت في الكويت عام ۱۹۷۳ طرح بعض المشاركين من الخبراء العرب فكرة توجيه الاستثمارات النفطية لدول الوطن العربي من منطلق استراتيجي وقومي، وقد كان ملخص رد الناطقين باسم المستثمرين الخليجيين، أن هذه الدعوة لا تخلو من العاطفة، وأن سوق الاستثمار في الدول العربية غير آمن ومردوده غير جيد!
ومنذ ذلك التاريخ الذي بدأت تتراكم فيه فوائض النفط بسبب ارتفاع أسعار النفط الخام، تركزت استثمارات الدول العربية المصدرة للنفط في الأسواق الرأسمالية وخاصة في أمريكا وأوروبا. وقد كانت الحجة بالطبع هو أمان هذه الأسواق، لأنها تؤمن بالاقتصاد الحر، ولارتفاع المردود بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، إضافة إلى حجة ثالثة هي الرغبة في الاستثمار الأكثر سيولة.
والعجيب أن هذه المسوغات الثلاثة لا تزال حجر الزاوية في استثمارات الحكومة الكويتية التي تتم عبر مكتب الاستثمارات الخارجية في لندن!
حجم الاستثمارات الكويتية
ولإدراك واقع المشكلة، وبالتالي وضع العلاجات الناجحة لحلها، لابد من معرفة حجم هذه الاستثمارات الخارجية، وهناك مشكلة ينبغي الإسراع إلى حلها، وهي صعوبة معرفة حجم هذه الاستثمارات، ليس لصعوبة في العمليات الحسابية، بل بسبب أن الحكومة تعتبر الأمر سرًا من أسرار الدولة ينبغي ألا يكشف! ولو كان المقصود بالسر هنا القوى الطامعة والحاسدة في الكويت وأخواتها الخليجيات لهان الأمر. ولكن هذه القوى المتمثلة في الغرب عندها الخبر اليقين لسبب بسيط هو أن أموالنا مستثمرة فيها، ومعظمها على شكل أرصدة لدى بنوكها، أو أسهم في خزينة حكوماتها، من هنا يتضح أن حجم الاستثمارات الكويتية في الخارج يظل سرًا على أبنائها، وهذا ما يتناقض مع روح الشورى ونظام الحكم النيابي الذي ارتضته الكويت، إذ ينبغي أن تكون هذه الأرقام والسياسة القائمة عليها بين يدي مجلس الأمة.
وقد أحسن فعلًا من قدم إلى المجلس الحالي اقتراحًا بإنشاء مؤسسة عامة للاستثمار تكون مسؤولة أمام المجلس، وقد أفادنا مصدر برلماني بأن الاقتراح يلقى تأييدًا من قبل عدد كبير من النواب، وسيعرض للتصويت عليه قريبًا.
إن إنشاء مثل هذه المؤسسة يعتبر خطوة أولى وأساسية على طريق ترشيد الاستثمارات الكويتية الخارجية.
مع ملاحظة ما سبق بعين الاعتبار قد تكون الأرقام المتداولة في الأوساط المالية عن حجم الاستثمارات الكويتية في الخارج غير دقيقة، ولكنها على أية حال تبقى مؤشرًا مقبولًا لواقع هذه الاستثمارات واتجاهاتها.
ولنأخذ آخر إحصائية منسوبة إلى الحكومة.. يقول مراسل الأسوشيتدبرس: إن تقريرًا حكوميًّا أعلن أخيرًا أن فائض الكويت من الدولارات النفطية بلغ عام ۱۹۸۰ (65.1) بليون دولار مقارنة مع (٤٨,٦%) بليون دولار عام ۱۹۷۹.
وتقول الإحصائية نفسها: إن حوالي ٦٧%، أي ثلثا الفوائض مستثمرة في أمريكا وأوروبا، و٤,٨%فقط في الدول العربية و١٠% في اليابان والدول الإفريقية و٢٧,٦ في السوق الكويتي.
وتوقع التقرير أن يكون إيراد الكويت من الاستثمارات ثلثي إيرادات النفط، وقدرت مجلة الاقتصاد والأعمال حجم هذه الاستثمارات بحوالي ٦٧ بليون دولار بلغت عائداتها نحو 6 بلايين دولار!
الاستثمار أكثره بالدولار
وتقول إحصائية حديثة: إن ما هو مستثمر بالدولار يشكل ۸۸% من مجموع الاستثمارات الأوبك، وذلك على شكل ودائع مصرفية وسندات حكومية، أما الكويت فيعتقد أنها تستثمر ما نسبة ٦٠% من استثماراتها الخارجية بالدولار.
أما لماذا كان الاستثمار بالدولار؟ فيجيب عنه المصرفي السابق «بيتر ترويل» الذي يعمل حاليًا لدى «ذي إيكونومست فايننشال ريبورت» حيث يقول: «إن طريقة تسعير النفط وتسديد قيمته بالدولارات بالإضافة إلى عدم وجود أسواق بديلة كبيرة لأرصدة احتياطي نفط بلدان «الأوبك»، قد فرضت فرضًا أن يكون الاستثمار بالدولار، إذ كانت الدولارات الأوروبية تشكل ۷۲%في نهاية ۱۹۷۹ من إجمالي مطلوبات أسواق العملات الأوروبية، ومن المرغوب من وجهة نظر المستثمر تحقيق المزيد من التنويع، بعيدًا عن الدولار، ولكن هذا صعب طالما لا يوجد إصلاح مالي دولي، ولا توجد إمكانيات خلق أرصدة احتياطي جديدة».
وتزداد المشكلة تفاقمًا إذا علمنا أن الولايات المتحدة بحكم اقتصادها القوي وامتلاكها لاحتياطي كبير من الذهب هي التي تتحكم بالنظام النقدي الدولي، وتريد أن تجعل الدولار أساسًا له.
الكويت تتجه إلى التنويع
وللحق فقد حققت السياسة الاستثمارية الكويتية تمايزًا عن السياسات الخليجية الأخرى، اتسم بالاتجاه نحو تنويع الاستثمارات مما جعل نسبة الاستثمار بالدولار ٦٠% من مجمل الاستثمارات، بينما تبلغ هذه النسبة لدى الأوبك عمومًا ۸۸% كما أسلفنا.
والسبب الذي حدا بالكويت إلى محاولة تنويع الاستثمارات هو للمحافظة على هذه الاستثمارات من تآكل الدولار بسبب انخفاض قيمته، وبسبب نسب التضخم الآخذة في الارتفاع في مواطن الاستثمارات، وبسبب تجميد الأرصدة الإيرانية من قبل الولايات المتحدة عام ۱۹۷۹.
وفي العامين الأخيرين أخذت سياسة الاستثمارات الكويتية تركز على التنويع الجغرافي والنوعي.
فمن الناحية الجغرافية نشطت الاستثمارات الكويتية في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، كما أخذت تتوجه نحو آسيا وشمال إفريقيا وأمريكا الجنوبية.
وأما من ناحية النوعية، فقد اتجهت الاستثمارات الكويتية إلى العقارات والخدمات الفندقية وقطاع التأمين والمال في بريطانيا. وتملك الكويت الآن ما بين 5 - 10% من أسهم حوالي 30 شركة بريطانية.
أما في الولايات المتحدة التي تستثمر فيها الكويت حوالي ثلثي استثماراتها، فقد حاولت خلال العامين الماضيين امتلاك أسهم بعض الشركات في حقل الطاقة مثل: شركة غيتي أويل ولكنها لم تتم، واتجه الاستثمار أيضا إلى العقار «شركة كياواه بتس» مركزا خلطا وكولومبيا بلازا وغيرها، ولكن ما يزيد على ٦٠% من هذه الاستثمارات موظفة في قطاع البنوك والأرصدة.
اتجاه طيب
والاتجاه الطيب -وإن كان مازال صغيرًا- الذي يسجل للاستثمارات الكويتية هو التوجه نحو باكستان وسنغافورة وكوريا والبرازيل. ذلك أن هذه الدول هي من دول العالم الثالث والاستثمار فيها يأخذ صفة التوطن والاستقرار، وغالبًا ما يكون في أصول إنتاجية وليس في التجارة الاستهلاكية، وكمثال على ذلك اشترت الكويت 10 من أسهم شركة مصانع سيارات الفولكس فاجن في البرازيل، كما اتجهت بعض الأموال للاستثمار في قطاعات المطاط والقصدير والنفط في ماليزيا.
ولكن..
ولكن مع محاولة السياسة الاستثمارية الكويتية التنويع في الاستثمار جغرافيًّا ونوعيًّا، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة، وستزداد حدة وتفاقمًا يومًا بعد يوم، بسبب ازدياد فوائض النفط، وارتفاع عائدات الاستثمار من جهة أخرى، وكما قال السيد عبدالوهاب التمار في جمعية الخريجين منذ أسبوعين: «لا توجد أية ضمانات لاستثماراتنا في الخارج، والتنويع يقلل من المخاطر»! فإن الاستثمارات الكويتية العامة والخاصة ستظل عرضة للخطر والتآكل بسبب انخفاض قيمة الدولار التي سجلت منذ عام 1974 أكثر من 25%!
وللتوصل إلى سياسة حكيمة لإدارة الاستثمارات الخارجية لا بد من الالتفات إلى جملة حقائق:
1- أن الاستثمارات الخارجية التي هي في معظمها من حق الأجيال القادمة لابد أن تكون خاضعة للرقابة الشعبية، وذلك عن طريق المجلس النيابي.
2- أن الاستثمار ستظل نسبته العظمي بالدولار الأمريكي. مما يعني تآكل قيمة الاستثمارات نفسها، وتآكل عائداتها كذلك بسبب تقلب سعر الدولار واتجاهه المستمر نحو الانخفاض، وبسبب تقلب أسعار الصرف بالنسبة للعملات الدولية الأخرى.
3- إن عائدات الاستثمار في معظمها ربًا حرمه الإسلام حرمة قاطعة.
4- أن الأسواق الرأسمالية تحد من الاستثمار في أصول إنتاجية، وتفضل الاستثمار في القطاع المالي لتكون الأرصدة الكويتية والعربية سببًا في مدها بالقوة والنماء على حساب اقتصاد العالم العربي والإسلامي ودول العالم الثالث.
5- أن الاستثمار في سندات الحكومات الغربية لا تزيد فائدته عن كونه إعانة لهذه الدول في سد العجز الحاصل في موازينها التجارية وحساباتها الجارية!
6- أن كثيرًا من الشركات العقارية وخاصة الفندقية التي تم امتلاك أسهم فيها، كمجموعة سافوي في بريطانيا هي مؤسسات يهودية مالًا وإدارة، وتدعيمها عن طريق شراء 5 - 10% من أسهمها يصب بالتالي في صالح أعداء المسلمين!
نحو سياسة استثمارية رشيدة
إن جملة هذه الحقائق يجعل إعادة النظر في السياسة الاستثمارية أمرًا لا مفر منه، ويمكن القول: إن النقاط التالية تشكل الأساس المنطقي لسياسة استثمارية رشيدة:
1- الإسراع في توطين الاستثمارات الخارجية في أصول إنتاجية في الدول العربية والإسلامية التي أصبحت استراتيجية ملحة، كما أوضح السيد حكمت النشاشيبي في كتابه عن استثمار الأرصدة العربية.
2- تضييق الاستثمار في الأسواق الرأسمالية وحصره في المباني والعقارات والأصول الإنتاجية كالشركات الصناعية المهمة.
3- خفض إنتاج النفط إلى الحد الذي يعود بما يكفي الموازنة العامة للدولة.
4- المطالبة من خلال الأوبك بدفع أسعار النفط على أساس الذهب، وليس على أساس الدولار.
5- وإذا كان هذا متعذرًا في الوقت الحاضر فيجب الإسراع إلى إحياء مشروع سلة العملات، ولكننا كمسلمين نؤمن بأن النقد يجب أن يكون ذهبًا أو فضة، وكاقتصاديين ندرك أن تآكل أموالنا بسبب انخفاض الدولار المستمر والتضخم الآخذ في الارتفاع يحتم علينا أن نعمل لإصلاح نظام النقد الدولي للعودة إلى أساس الذهب، كما كان في ثلاثينيات هذا القرن (راجع (المجتمع) العدد قبل الماضي).
هذه الرؤية نضعها أمام حكومة البلاد، وأمام المجلس النيابي، سائلين الله سبحانه أن يوفق للأخذ بها، حتى تتم النعمة، ونكون لله عبادًا شاكرين آمنين.. أما المال الحرام فالنار أولى به، ومازال الشعب بانتظار تشكيل مؤسسة الاستثمار المقترحة من قبل المجلس النيابي على الأقل.. فهل تكون؟