; المجتمع الأسري (العدد 1237) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (العدد 1237)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1237

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 04-فبراير-1997

رمضان يربي أطفالنا

  • الشيخ جمال قطب: الصوم أفضل مران للطفل على الصدق ومراقبة الله
  • وفاء مشهور: شهر رمضان فرصة سنوية تساعد الأبوين على غرس المبادئ الطيبة في أبنائهم

تحقيق: هناء محمد

لو فطن كل أبوين مسلمين إلى ما في شهر رمضان من الذخائر التربوية لما فرطا في دقيقة منه دون أن يغتنماها لغرس قيمة أو تعميق سلوك أو نشر فكرة أو حث على فضيلة أو تنفير من رذيلة.

ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون قيمة هذا الشهر، فيحرصون على أن يصوم صغارهم، فيشغلوهم باللعب نهارًا ليواصلوا الصوم.. وبوسع كل أسرة مسلمة أن تجعل رمضان بالنسبة لأطفالها، شهرًا يصومون فيه عن السلوكيات المنبوذة ليفطروا على قيم رائعة لا ينضب معينها- في هذا الشهر الكريم.

تقول الأستاذة وفاء مشهور الموجهة التربوية: إن الأسرة المسلمة تواجه اليوم تحديات كثيرة منها النظم التعليمية المكدسة التي تهدف إلى شغل الطفل وولي الأمر طوال العام، حتى في المناسبات الدينية التي لا تأتي إلا مرة واحدة في السنة مثل شهر رمضان.

وحتى يسهل علينا كآباء وأمهات حُسن استثمار نفحات هذا الشهر الكريم في تربية الأبناء، فلابد من تهيئة البيت نفسيًّا وروحيًّا لاستقبال هذا الشهر، فلا نترك نظام حياتنا تحدده أنظمة تعليمية يعيشها أبناؤنا، وتضيِّع عليهم الاستمتاع بالشهر الكريم.

فنحن نرى الآن أشياء لم نكن نراها من ذي قبل، مثل عدم إقبال الفتيات والأولاد على المسابقات الرمضانية وحفظ القرآن الكريم وصلاة القيام، وحينما نسأل عن السبب نجد الرد التلقائي هو: لا يوجد وقت لهذا، فالمذاكرة والدروس الخصوصية تأخذ كل الوقت.

وتتساءل الأخت وفاء: إذا كان شهر رمضان يأتي مرة واحدة في العام أفلا يستحق أن نعطيه حقه ونحسن استثماره، فلا نحرم أبناءنا من المعاني التربوية التي يذخر بها هذا الشهر من إقامة الشعائر وأداء الطاعات، فلكل هذا دوره في تقوية الانتماء إلى الإسلام.. متى يعتاد الطفل الإخلاص والتجرد ومراقبة الله تعالى إن لم يعتد عليها في مثل هذه الأيام؟ ومتى يعيش معنى الأخوة ووحدة المسلمين إلا حين يتذكر أخاه المسلم وهو يفطر في نفس اللحظة؟ ومتى يتربى أبناؤنا على قوة الإرادة والعزيمة والجهاد، إلا عندما يقاومون الجوع طاعة لله؟ ومتى يتعلم الطفل أهمية الفهم السليم لدين الله عز وجل إلا إذا عاش شهرًا كاملًا في روضة الصيام وأحكامه؟

وتختتم الأخت وفاء حديثها قائلة: هذا شهر رمضان بنفحاته العطرة يربى أبناءنا على أهم المبادئ التي يأمل كل ولي أمر أن تغرس في ابنه: من إخلاص وتجرد وفهم سليم وإرادة قوية وجهاد وثقة وأخوة وثبات.

 ويتناول العالم الأزهري الشيخ جمال قطب صيام الأطفال من وجهة نظر تربوية، فيذكر بعض كلمات مصطفى لطفي المنفلوطي فيقول: «الصيام هو تأديب بالجوع وتهذيب للنفس وخشوع، حتى إذا جاع من ألف الشبع وحرم المترف أسباب الطمع، عرف الألم إذا لذع والحرمان إذا وقع» وبذلك تستطيع الأسرة المسلمة أن تأخذ أبناءها بتدريبهم على الصبر والمكافأة إذا تعوِّد الطفل الطاعة مع الحرمان، وحصل على المكافأة بصدق الصبر والعزم، فإن ذلك يقوي عند الطفل القدرة على التحمل وعدم الخضوع للشهوات.

ويضيف الشيخ قطب: إن الصيام تدريب على الصدق، فإن الطفل يستطيع أن يأكل ويشرب بعيدًا عن أعين الناس، لكن الصيام يعلمه أن للكون رقيبًا لا يغفل ولا ينام، ويرى كل عباده في كل مكان كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ ﴾ (سورة الحديد: 4) هنالك يتربى الطفل على الصدق في المعاملة والإخلاص لله في العبادة، فيعلم أنه يصوم لربه وليس لأهله ولا لمن حوله، كما تقوى بعد ذلك الحاسة الإيمانية لدى الصائم وتزيد بدوام استشعار مراقبة الله تعالى.

أما عن غذاء الطفل في رمضان وكيف يمكن للأم أن تعوض جسم الطفل ما فقده في نهار رمضان، فيقول الدكتور جمال أبو يمامة- مدرس طب الأطفال والتغذية بالمركز القومي للبحوث: إن مرحلة الطفولة والمراهقة تستمر حتى ١٨ سنة، وينقسم الأطفال إلى ثلاثة أقسام: بالغين وغذاؤهم مثل الكبار، ومرحلة ما قبل البلوغ، والصغار الذين نتحدث عنهم وسنهم من السابعة، وهؤلاء يُستحب تعويدهم على الصيام مع مراعاة حالتهم الصحية، وقدرتهم على التحمل، وهذا ما يقدره الوالدان.

وأنصح الأم أن تحتوي وجبة الإفطار على كمية السعرات الحرارية المناسبة لعمر الطفل، كما يجب أن يشمل الإفطار على كمية من السوائل، مع تجنب الإكثار من النشويات والسكريات مثل الكنافة والياميش لأنها تحتوي على كمية كبيرة من الدهون عالية الكثافة.

 ووجبة الإفطار يجب أن تكون متكاملة ومتوازنة، وتشتمل على خضراوات وبروتينات وفاكهة لتمد الجسم بحاجته من الفيتامينات.

وأما وجبة السحور فيجب تأخيرها قدر الإمكان، كما حثنا على ذلك رسول صلي الله عليه وسلم، وأن يشتمل على زيادي أو لبن وبيض وفول مع شرب كمية كبيرة من السوائل مثل الكركديه وقمر الدين مع إعطاء الأطفال بعض من المواد السكرية لتمدهم بالطاقة.

ويحذر الدكتور جمال من صيام الأطفال ذوي الحالات الخاصة مثل مرضى السكر وبعض الأمراض المزمنة والالتهابات الحادة التي يكون لتناول دوائها مواعيد محددة تتعارض مع فترة الصوم.

وفي النهاية يقول الدكتور جمال: حبذا لو قدمت الأم وجبة خفيفة لطفلها بين وجبتي الإفطار والسحور ويتفق د. سناء أبو زيد- أخصائي طب الأطفال- مع وجهة النظر الخاصة بالقيمة التربوية للصيام، مؤكدًا أنه رغم الاختلافات الفقهية حول السن المناسبة لبدء الصوم، فإن هناك إجماعًا على أن تعويد الطفل على الصيام بشكل سلس متدرج ضرورة تربوية وعقدية؛ لما للصوم من فوائد صحية وسلوكية.. أما الأضرار الطارئة له فيقدرها الطبيب المسلم الثقة طبقًا لحالة الطفل الصحية. 

ويوجه الوالدين إلى استثمار حب الطفل للمحاكاة بتحري السلوكيات الطيبة أمامه في نهار الصوم وليله. 

أما الغذاء الصحي في رمضان فتحكمه قواعد عامة.. مثل تجنب الطهي المعقد.. والتوسط في تناول الحلوى.. والإكثار من الفاكهة والخضراوات الطازجة. وبشكل عام فإن انشغال الوالدين باستخراج الكنوز التربوية للصوم سيجعل أمر الطعام خارج أولوياتهما، وسيفتح عليهما الله بتدبيره بشكل صحي معتدل- إن شاء الله- وذلك لقاء حرصهما على ابتغاء وجهه في تربية أطفالهما.

وينصح د. يحيي الجمل- أستاذ طب الأطفال- الآباء والأمهات بالتدرج واللين في تعليم أطفالهم الصوم بحيث يستطيعون صيام الشهر كله عند البلوغ، على أن يصاحب الصوم قراءة القرآن وجلسات السمر الديني مع تعويض الطفل عما حرم منه جسمه من عناصر غذائية في فترة الصوم بوجبة إفطار متوازنة تحتوي على النشويات وقدر مناسب من البروتين الحيواني أو النباتي.

ولا ينصح بشرب كميات كبيرة من الماء أو السوائل حتى لا ترهق كليتي الطفل ويصاب بالانتفاخ، ويجب أن يحتوي السحور على أطباق بطيئة الهضم كالفول المدمس مع الإقلال من الأطعمة التي تزيد إحساس الطفل بالعطش كالمخللات والسكريات.

 

لمسات في التربية من جدي «الشيخ علي الطنطاوي» (18)

أساليب مبتكرة للتشجيع

الأطفال- بطبعهم- سريعو الملل، وهم دائمو الرغبة في الإثارة والتجديد، كما أن الواحد منهم قد يكسل عن أداء العمل أحيانًا، بل ربما تنتابه- في بعض الأوقات- حالات من التمرد يكون فيها مستعدًا لتقبل العقاب مقابل التهرب من تقديم الجهد وتجنب تنفيذ العمل المطلوب! 

جدي كان- بحكم خبرته التربوية الكبيرة وتجربته الطويلة في التعامل مع الصغار- يستبق هذه المواقف والحالات ويعدّ العدة دائمًا لمعالجة الصعاب وإيجاد الحلول للمشكلات المتوقع حدوثها قبل أن تحدث، معتمدًا في ذلك على مبدأ المكافأة والتشجيع بأساليب عجيبة مبتكرة تشعر الصغار بالأهمية والتفرد. 

كانت لجدي خزانة خاصة لا يملك مفاتيحها غيره، يضع فيها مجموعة من الأشياء يسميها: «النفائس»، تلك النفائس كانت مجموعة من الطرائف والهدايا متنوعة الأشكال والأحكام والأنواع، مما يناسب الصغار والكبار والذكور والإناث من الأحفاد، كانت هذه النفائس تصل جدي خفية دون أن نراها، فيحتفظ بها سرًا، ثم يقدمها في الوقت المناسب مكافأة لمن يستحقها، أو تشجيعًا وتحفيزًا لمن يظن أنه يحتاج إلى التشجيع والتحفيز، وكانت هذه الأشياء في تجدد وتغيير مستمرين، فكلما ذهبت بنت من بناته الكبيرات إلى السوق أعطاها مبلغًا من المال وأوصاها- من جديد- أن تشتري له المزيد من هذه الطرائف والأشياء الجميلة التي تفرح الأطفال، وما أكثر ما يفرح الأطفال وكان يحتفظ- في خزانته تلك- بكمية كبيرة من الأوراق النقدية الجديدة، يؤتي بها من المصرف جديدة نظيفة لما تتداولها أيدي الناس، متسلسلة الأرقام متعددة الفئات «آحادًا وخمسات وعشرات»، فيقدم منها بين وقت وآخر ورقة أو أكثر لهذا أو ذاك مكافأة على عمل حسن أو احتفاء بإنجاز متميز، وكنا- صغارًا - نفرح بهذه الأوراق النقدية الجديدة أيما فرح ونتنافس في حفظها والاستزادة منها، فيكون هذا التنافس باعثًا لمزيد من الاجتهاد في السلوك الجيد والعمل المحمود، بل إنه كان يخط- أحيانًا- بالثلث اسم صاحب المكافأة على ورقة النقد، وما يزال بعض الأحفاد يحتفظون ببعض من تلك الورقات النقدية التي خطت عليها أسماؤهم بعد أكثر من عشرين سنة على كتابتها!

أما الإبداع المتميز في التشجيع والمكافأة والثناء فقد ظهر في ابتكار جديد لشهادات التقدير، فقد كان يخط لنا ببعض الخطوط العربية الجميلة شهادات كتلك التي تقدمها المدارس والمعاهد والجامعات تذكارًا أو تقديرًا لإنجاز متميز قام به واحد من الأحفاد الصغار، مرة فازت إحدى الحفيدات- وكانت صغيرة جدًا- بشهادة تقدير لأنها نجحت بصنع الشاي دون مساعدة من أحد، وقد خط جدي الشهادة ثم عرضها على من شهد الواقعة من الكبار من خالاتي وأزواجهن فوقّعوا عليها شاهدين، ومرة استحق أحد الأحفاد شهادة تقدير مهيبة اسمها «شهادة الذوق الرفيع في إعداد المائدة»، لأنه رتب مائدة العشاء بذوق ونظام، وعندما صام حفيد له صغير لأول مرة يومًا كاملًا وعمره خمس سنين كتب له هذه الشهادة: «بسم الله الرحمن الرحيم .. يوم الأحد غرة رمضان ١٤١١هـ أول يوم صامه فلان وفقه الله وجعله من الصالحين.. مكة المكرمة».

ولم يكن جدي يبالغ في منح هذه الشهادات بكل المناسبات، بل كان يتخير ما يظنه مناسبة هامة أو إنجازًا متميزًا لواحد من الصغار، فمن أجل ذلك بقيت لهذه الشهادات قيمتها الرفيعة وأهميتها الكبيرة، وكان لها معنى عميق يشعر معه من يتلقاها بالفخر والاعتزاز، حتى أنني أعرف شهادات مازال أصحابها- من الأحفاد- يحتفظون بها ويقدرونها كل التقدير وقد مضى على «منحها» لهم قرابة ربع قرن وغدوا كبارًا يافعين دون أن ينسوا لذة استلامها ومتعة الفوز بها!

عابدة فضيل العظم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل