; انقلاب تركيا في النسق الإقليمي والدولي | مجلة المجتمع

العنوان انقلاب تركيا في النسق الإقليمي والدولي

الكاتب عصام عبد الشافي

تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016

مشاهدات 43

نشر في العدد 2098

نشر في الصفحة 24

الاثنين 01-أغسطس-2016

-      كان الموقف الأمريكي والأوروبي من الانقلاب مستغرباً لأن تركيا حليف إستراتيجي للطرفين سواءً بحلف الناتو أو شراكتها الإستراتيجية مع أمريكا

-      ارتبط تحديد المواقف من الانقلاب بطبيعة البنيان الدولي فالدول التي ترتبط بالولايات المتحدة تحالفاً أو تبعية تبنت الموقف الأمريكي المؤيد للانقلاب

-      في الوقت الذي أدانت فيه المنظمات الدولية ردود فعل النظام التركي في عمليات التوقيف والقبض على المتورطين لم تتطرق لموقفه عندما أفرج عن المئات ممن تم القبض عليهم بعدما ثبت عدم تورطهم

-      الازدواجية الغربية في التعاطي مع شعارات الديمقراطية والحرية والحقوق وآليات إدارة العلاقات المدنية العسكرية تدل على عدم مصداقية كل ما يتم الحديث عنه من تحالفات وشراكات وتكتلات واندماجات دولية وإقليمية

 

 

 

    في إطار تحليل الأحداث الدولية يبرز منهج أو اقتراب "النسق الدولي"، الذي يقوم على أن السياسة الدولية تنشأ وتتطور في إطار نسق دولي معين، وتنطلق من عناصره الرئيسة، ومن ثم فإن تحليل السياسة الدولية في مرحلة تاريخية معينة يتطلب التعرف على ماهية تلك العناصر وكيفية تفاعلها، وينطوي النسق الدولي على أربعة عناصر رئيسة هي (الوحدات، البنيان، المؤسسات، العمليات):

1ـ الوحدات الدولية:

    وتشمل الفاعلين الذين يقومون بأدوار معينة داخل النسق، فكل نسق ينطوي على فاعليْن أو أكثر في حالة من التفاعل، كما ينطوي على أنساق فرعية متفاعلة مع بعضها البعض ومع النسق الكلي. ونقطة البدء في فهم السياسة الدولية هي معرفة الوحدات السياسة الفاعلة في النسق الدولي. والقوى الجديدة التي ظهرت على المسرح الدولي، والقوى التي اختفت. حيث يؤثر عدد الفاعلين الدوليين الكائنين في النسق الدولي على السياسة الدولية على مستويين: مستوى غير مباشر وذلك من خلال تأثيره على استقرار النسق الدولي، ومستوى مباشر من خلال تأثيره على السياسات الخارجية للفاعلين.

2ـ البنيان الدولي:

    البنيان هو مفهوم تنظيمي ينصرف إلى ترتيب وحدات النسق الدولي في علاقاتها بعضها البعض. ويتحدد على أساس كيفية توزيع المقدرات بين الوحدات الدولية، وعلى درجة الترابط بين تلك الوحدات. ويقصد بتوزيع المقدرات نمط توزيع الموارد الاقتصادية ونمط توزيع الاتجاهات والقيم السياسية بين مختلف وحدات النسق الدولي.

3ـ المؤسسية:

    يقصد بالمؤسسية بناء أنماط مستقرة يمكن الاعتماد عليها لممارسة الأنشطة المختلفة، أي إقرار مجموعة من القواعد والأعراف والإجراءات التي يقبلها الفاعلون كإطار شرعي لممارسة النشاط عبر فترة زمنية. أي أن المستوى المؤسسي للنسق الدولي ينصرف إلى مدى وجود قواعد وأطر وأعراف دولية مقبولة لممارسة مختلف الأنشطة الدولية. ويشمل ذلك المستوى مدى توافر التنظيمات الدولية الفعالة، أي المؤسسية التنظيمية، والأطر القانونية الدولية لممارسة العلاقات الدولية أي المؤسسية القانونية.

4ـ العمليات السياسية الدولية:

    تنصرف إلى حركة الوحدات الدولية لتحقيق أهدافها الخارجية؛ فهي تمثل الجانب الحركي من النسق الدولي؛ حيث تشكل مجموعة من الأنشطة المتعاقبة المترابطة التي تقوم بها الوحدات الدولية لتحقيق أهدافها في إطار قواعد معينة. ويتضمن النسق الدولي مجموعة ضخمة من العمليات السياسية، تختلف من حيث ماهيتها، ومركزيتها، وتتراوح ماهية العمليات السياسية بين أقصي أشكال التعاون إلى أقصى أشكال الصراع([1]).

   وفي إطار هذه البنية النظرية يمكن تناول جدلية العلاقة بين محاولة الانقلاب التي تعرضت لها تركيا في 15 يوليو 2016، وعناصر ومكونات النسق الدولي والإقليمي الأربعة وذلك على النحو التالي:

 

أولاً: الانقلاب والوحدات الدولية:

    ترتبط تركيا بشبكة واسعة من التفاعلات مع عدد كبير من الوحدات الدولية، بحكم جغرافيتها السياسية، وخبراتها التاريخية وقدراتها الاقتصادية ودورها الإقليمي في المنظومة الدولية، وبالتالي تعدد دوائر سياستها الخارجية (الآسيوية، الأوربية، المتوسطية، الشرق أوسطية، الإسلامية)، وكان لهذه التفاعلات دور في الانقلاب تأثيراً وتأثراً، فردود الفعل الأولية بعد محاولة الانقلاب عكست نوعاً من الدعم لهذه المحاولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وبريطانيا وألمانيا ودولة خليجية والنظام العسكري الحاكم في مصر، والنظام الدموي الحاكم في سورية.

   ويمكن قبول دعم وتأييد عسكر مصر ونظام بشار، والدولة الخليجية للانقلاب بحكم مواقفهم العدائية الصريحة من النظام التركي خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، ولكن كان المستغرب هو الموقف الأمريكي والأوروبي، نظراً لأن تركيا حليف إستراتيجي للطرفين، سواء من خلال عضويتها في حلف الناتو أو من خلال شراكتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، ولكن من خلال رصد عدد من التصريحات والمؤشرات التالية للانقلاب، ظهر دعم الطرفين (الأوروبي والأمريكي) للانقلاب ولم يهتما بالانقلاب في ذاته وتوجيه اللوم للمتورطين فيه، بقدر اهتمامهم بتوجيه النقد للنظام التركي على ما قالوا: إنه إقصاء وتجاوز للقانون والحريات، وفرض حالة الطوارئ. هذا في الوقت الذي أعلنت فرنسا حالة الطوارئ بعد عملية إرهابية في عاصمتها، وليس انقلاباً عسكرياً على نظام الحكم، وتم تمديدها حتى نهاية 2017م، وكذلك فعلت الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م التي استهدفت بعض المنشآت ولم تستهدف نظام الحكم، ولم تتحرك آليات الجيش وتغلق الطرق وتقتل المواطنين في الشوارع والميادين.

 

ثانياً: الانقلاب والبنيان الدولي:

    ارتبط تحديد المواقف من الانقلاب بطبيعة البنيان الدولي، فالدول التي ترتبط بالولايات المتحدة سواء ارتباط تحالف أو ارتباط تبعية تبنت الموقف الأمريكي المؤيد للانقلاب، سواءً كان هذا التبني بشكل واضح وصريح من خلال إعلامها أو تصريحات مسؤوليها (فرنسا، ألمانيا، النمسا، مصر، سورية، دولة الخليجية)، أو بشكل غير واضح من خلال تأخرها في الإعلان عن مواقفها من الانقلاب، رغم أن بعض هذه الدول، وخاصة الإقليمية أعلنت عن شراكات إستراتيجية وتحالفات عسكرية مع تركيا قبل محاولة الانقلاب التركية الأخيرة.

    وفي المقابل على الرغم من المواقف التي اتسمت بالطابع الصراعي أو على الأقل التنافسي بين تركيا من ناحية وكل من روسيا الاتحادية وإيران من ناحية أخرى، على خلفية تعارض المواقف في الملفين السوري والعراقي، إلا أن هاتين الدولتين كان مواقفهما أكثر وضوحاً وحزماً في مواجهة محاولة الانقلاب في تركيا، وهو ما كان محل إشادة من جانب المسؤولين الأتراك، بل وتم التأكيد على زيارة مرتقبة للرئيس التركي إلى روسيا الاتحادية، التي تم تجاوز أزمة طائرتها قبل وقوع الانقلاب، على أن تتم الزيارة في أغسطس الحالي (2016م).

    وإذا كان "البنيان الدولي" كعنصر من عناصر النسق الدولي يشير إلى نمط توزيع الاتجاهات والقيم السياسية بين مختلف وحدات هذا النسق، فقد جاءت المحاولة الانقلابية التركية، وردود الفعل الغربية تجاهها لتكشف عن خلل في هذا النمط، فتركيا التي يتم النظر إليها على أنها دولة علمانية، وتتشارك مع المنظومة الغربية في بنيتها القيمية، وخاصة ما يتعلق منها بالديمقراطية وحقوق الإنسان، برزت مؤشرات دعم أطراف من داخل هذه المنظومة للانقلاب على هذه القيم، بل والسير إلى أبعد مدى في إمكانية القبول بنظام حكم عسكري تسلطي، على حساب نظام جاء بإرادة شعبية وانتخابات اتسمت بمعدلات عالية من النزاهة والشفافية.

وإذا كان مقبولاً من هذه الدول أن تقبل على سبيل المثال بالانقلابات العسكرية في الدول الأفريقية، لأنها ترى في عسكر هذه الدول أدوات لتنفيذ أجندتها وحماية مصالحها، فكيف يمكن أن نقبل منها دعمها وتأييدها لمثل هذا التوجه في دولة تُمثل ركناً أساسياً في منظومتها منذ عام 1923م وحتى اليوم؟

 

ثالثاً: الانقلاب والمؤسسية الدولية:

    في ترسيخ لازدواجية المعايير الغربية، برزت مواقف عدد من المنظمات الدولية، التي ترتبط في توجهاتها بالأساس بالأطراف الغربية الفاعلة، والتي لم تنتقد ما قام به الانقلابيون من ممارسات، ولم تنتقد الفعل الانقلابي ابتداءً، باعتباره يتعارض ومنظومة القيم الديمقراطية التي تتحدث بها هذه المؤسسات وترفع شعاراتها، ولكنها اهتمت بردود فعل النظام السياسي الذي جاء بانتخابات ديمقراطية، تجاه العملية الانقلابية. وفي الوقت الذي أدانت فيه هذه المنظمات ردود فعل النظام التركي في عمليات التوقيف والقبض على المتورطين، لم تتطرق من قريب أو بعيد لموقف هذا النظام عندما أفرج عن المئات ممن تم القبض عليهم، بعدما ثبت عدم تورطهم.

    هذا في الوقت الذي لم تتحرك هذه المنظمات رفضاً أو على الأقل تنديداً بتصريحات واضحة لرئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، التي قالت فيها: إنها ليس لديها مانع في قتل مائة ألف شخص بالقنبلة النووية ما دام في ذلك حماية لأمن بلادها.

 

رابعاً: الانقلاب والعمليات السياسية الدولية:

    تمثل هذه العمليات الجانب الحركي من النسق الدولي، وقد كشفت المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا عن اختلالات كبيرة في هذا العنصر من عناصر النسق الدولي، لأنه من المنطقي والطبيعي أن الأطراف التي تدخل في علاقات تحالف إستراتيجي مع تركيا تكون أكثر حرصاً على أمنها واستقرارها، وخاصة إذا كانت تشترك معها في منظومة أمنية واحدة، كالشراكة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالنسبة للدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، أو الشراكة في التحالف الإسلامي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (بالنسبة لبعض دول الخليج ومصر وسورية والأردن، على سبيل المثال).

    ولكن رغم هذه الشراكات والتحالفات، والتي تفرض بطبيعتها تنسيقاً بين الأجهزة والمؤسسات الأمنية والعسكرية والمخابراتية، إلا أن اللافت أن هذه الأطراف أيدت الانقلاب العسكري في تركيا، رغم إدراكها لخطورة وتداعيات نجاح هذه المحاولة في نشر حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في تركيا، في الوقت الذي تحتاج فيه هذه الأطراف للدور التركي سواءً في إدارة التفاعلات في ملفات سورية والعراق، أو في مواجهة طموحات روسيا وإيران.

    وفي إطار هذه المكونات، وما يرتبط بها من اعتبارات، ومن خلال متابعة العديد من المؤشرات، يمكن القول بأن الازدواجية الغربية في التعاطي مع شعارات الديمقراطية والحرية والحقوق والحريات، وآليات إدارة العلاقات المدنية العسكرية، ليست فقط ازدواجية على مستوى الفعل والحركة وما يرتبط بهما من مصالح وبراجماتية، ولكنها ازدواجية على مستوى الفكر والبنية الأخلاقية، وهو ما يدفع باتجاه التأكيد على هشاشة بل وعدم مصداقية كل ما يتم الحديث عنه من تحالفات وشراكات وتكتلات واندماجات دولية وإقليمية، وكانت المحاولة الانقلابية في تركيا 15 يوليو 2016م دليلاً كاشفاً على هذه النتيجة، وهو ما يجب أن تدركه الدولة التركية وتتعاطى معه بفاعلية في إطار إعادة ترتيبها لخريطة تفاعلاتها الإقليمية والدولية بعد هدوء عاصفة ما بعد الانقلاب.

_________________

([1]) د. محمد السيد سليم، تطور السياسة الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2002، ص 11-23.

الرابط المختصر :