; غرس القيم.. لماذا؟وكيف؟ | مجلة المجتمع

العنوان غرس القيم.. لماذا؟وكيف؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013

مشاهدات 44

نشر في العدد 2057

نشر في الصفحة 58

السبت 15-يونيو-2013

(*)أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية

يشكو كثير من الآباء والأمهات من اضطراب القيم الأخلاقية لدى أولادهم، وانحراف سلوكياتهم، وعجزهم عن علاج ذلك، وفشلهم في غرس القيم الأخلاقية في نفوس أولادهم بنين وبنات، وكذلك ارتفعت صرخات المعلمين والقائمين على التربية في مؤسسات المجتمع، حتى وصل الأمر إلى أن يمد التلميذ يده على المعلم ويضربه، ناهيك عن معجم البذاءات والشتائم والسباب التي تنهمر من ألسنة الطلاب، وتصوب نحو المعلم أو الأب أو الأم، وكلهم ذوو فضل على الطالب!

منذ أيام هاتفني أحد الأصدقاء قائلًا: إنه مع زميله وصديقه المعلم في أحد المخافر لتحرير محضر اعتداء طالب على هذا المعلم حيث كان المعلم يقود سيارته، فاعترض هذا الطالب طريق معلمه، ووقف بسيارته أمام سيارة المعلم، ثم نزل هو وصاحبه، فأنزلا المعلم من السيارة في إهانة وسوء أدب وضرباه، ولم يستطع المعلم أن يأخذ حقه!

 فمتى تحمي المؤسسات التربوية رجالها؟ ومتى يحمي القانون في بلادنا العربية المربين من أصحاب الفضل علينا وعلى أبنائنا؟

ألسنا نحن الذين حثنا ديننا على تقدير المعلم واحترامه؟!

بل تغنى شعراؤنا العرب بفضل المعلم ومكانته ووجوب تقديره وتوقيره.

حركتني هذه الواقعة وشكاوى كثير من المربين من عجزهم على غرس القيم في هؤلاء الأبناء، كما حركتني هذه الحادثة - برغم تكرارها - إلى أن أطرح أربعة أسئلة، هي: لماذا نغرس القيم في نفوس أولادنا؟ وما المعوقات التي تواجهنا عندما نقوم بغرس القيم؟ وما الأسس التي ينبغي أن نراعيها حتى ننجح في غرس القيم؟ وما الإستراتيجيات الفعالة المؤثرة في غرس القيم؟

لماذا نغرس القيم؟

إن غرس القيم ضرورة ملحة، وواجب تربوي ينبغي الاهتمام به اهتماما كبيرا، وإعطاؤه حقه من الرعاية والمتابعة، وذلك للأسباب التالية:

١- غرس القيم هو الطريق لبناء شخصية التلميذ بناء قويًا، ومن ثم تكوين البيت المسلم لأن التلميذ هو اللبنة التي يبنى بها البيت المسلم، ومن ثم بناء المجتمع القوي، فالمجتمع في حقيقته يتكون من مجموعة من الأسر ومن ثم فأنت إن قويت لبنات بنائه «الأسر» فالمتوقع أن يكون البناء «المجتمع» قويًا.

٢- غرس القيم يعين التلميذ أو الابن على إحسان التصرف عندما يتعرض لفتن الحياة.

3- تؤدي القيم الأخلاقية دورًا أساسيًا في مستقبل الفرد والمجتمع.

٤- القيم تحصن من الوقوع في الزلل والانحراف السلوكي.

5- بغياب القيم يضطرب الفرد، ويشعر بالاغتراب، ويضطرب المجتمع، ويتأخر ويتدهور بفساد أفراده.

بيد أن التربويين القائمين على غرس القيم تواجههم بعض المعوقات عند غرسهم القيم في

نفوس أولادهم.. وأهم هذه المعوقات:

١- غياب القدوة: فالأب أو المعلم الذي يكذب لا يمكن أن يغرس في أولاده قيمة الصدق، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة لأصحابه الكرام، لذا فقد نجح في تربيتهم، وقد سجل القرآن له هذه الأسوة، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وذكر الله كثيرًا﴾ (الأحزاب:21).

2- سوء فهم الكبار لخصائص الصغار الأطفال والمراهقون بمراحل لكل مرحلة خصائصها التي يجب أن يعرفها الكبار ويفهموها، كي يحسنوا التعامل مع الصغار، وينجحوا في تربيتهم على القيم الخلقية. وهذه الخصائص نفسية، وعقلية وجسمية.. وغيرها.

وينشأ الطفل في بداية الطفولة متمحورًا حول ذاته متعلقًا بوالديه، ثم تتسع دائرة احتكاكه الاجتماعية، ويتفاعل مع الآخرين، فيدرك أن له حقوقًا وعليه واجبات، وأن للمجتمع الذي يعيش فيه معايير خلقية «القيم» يجب أن يراعيها كي يعيش منسجمًا مع مجتمعه، ومن هنا يدرك أهمية الالتزام القيمي في المجتمع، ومن ثم تبرز الحاجة إلى غرس القيم. 

والمعلم هو سراج البيئة المدرسية، وكذلك الأب أو الأم في بيتهما، ويناط بهم جميعا غرس القيم الخلقية لدى الأطفال والمراهقين.

 أسس النجاح في غرس القيم 

لكي ينجح المربي يجب أن يلتزم بمجموعة من الأسس أو القواعد التي تضمن له نجاح غرس القيم الخلقية في أولاده، ومن أهم هذه الأسس:

١- وجود معلم كفء مدرب على غرس القيم.

2- الصبر ويحضرني هنا موقف النبي من الأعرابي الذي جاءه يسأله أن يعطيه من بيت مال المسلمين وكان غليظًا فظًا في الطلب، إذ قال: يا محمد أعطني من مال الله، فليس المال مالك، ولا مال أمك، ولا مال أبيك، فقابل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغلظة وتلك الفظاظة بصبر وحلم فلقد هم الصحابة رضي الله عنهم بالرد على الأعرابي بعد أن أساء الأدب مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأعرابي، ثم أخذ الأعرابي وأعطاه من المال حتى قال الأعرابي : أحسنت وأجملت وجزاك الله عني خير الجزاء، ثم أخذه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وأخبرهم بما قال، حتى تسود قيم الحب والتسامح والرفق بين أصحابه، وانظر كيف حول النبي صلى الله عليه وسلم هذه الليمونة الملحة إلى ماء عذب فرات!

3- تهيئة البيئة التربوية المناسبة لغرس القيم؛ فالبيئة - سواء الأسرية أم المدرسية - الصالحة لغرس القيم ينبغي أن تتوافر فيها بعض المواصفات من أهمها: شيوع الحب بين المربي والمتعلمين وتفهم طبيعة الأطفال والمراهقين وتوفير الوسائل والأساليب التربوية، وتجنب معوقات غرس القيم.

 ٤- تخطيط المناهج والمناشط التربوية المساهمة في غرس القيم إسهاما مؤثرًا.

 5- الاهتمام بالتربية العقلية والتربية الوجدانية؛ فالتربية العقلية ضرورية لإقناع المتعلم بأهمية القيمة الخلقية في حياته وحياة مجتمعه ثم تأتي التربية الوجدانية ليضرب عن طريقها المربي الأوتار العاطفية لدى الطفل أو المراهق ومعلوم أن كليهما - الطفل والمراهق - ذو عاطفة جياشة ومن ثم يستجيب للقيمة الخلقية ويتفاعل مع المربي فيكتسب هذه القيمة.

إستراتيجيات غرس القيم الخلقية 

ثمة إستراتيجيات متعددة تستخدم في غرس القيم الخلقية في نفوس الأطفال والمراهقين، ومن أهم هذه الإستراتيجيات ما يلي:

أولًا: القدوة:

فأعين الصغار معقودة على الكبار والطفل يقلد الأب أو المعلم كيفما يراه وفيما يراه، وكذلك المراهق يتقمص شخصية المربي في كثير من الأحيان، ومن هنا تبرز القدوة وأثرها في غرس القيم؛ ولذلك قيل: «عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل».

ثانيًا: النشاط

روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رجلًا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله - أي سأله الصدقة - فقال: «أما في بيتك شيء؟» قال: بلى.. حلس نبسط بعضه ونلبس بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: «ائتني بهما»، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بیده وقال: «من يشتري هذين؟»، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه، وأخذ صلى الله عليه وسلم الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: «اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به»، فأتاه، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده، ثم قال له: «اذهب فاحتطب، وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا»، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع «رواه أبو داود في سننه».

 وإذا حللنا هذا الموقف تحليلًا تربويًا، لاستنتجنا ما يلي:

أ- أن المشكلة التربوية التي يعانيها الأنصاري أنه استباح لنفسه أن يأخذ الصدقة وهو قادر على العمل والإنتاج، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحوله من شخصية مستهلكة إلى شخصية منتجة.

ب- أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن التوجيه والنصح والإرشاد أسلوب لا يجدي في مثل هذا الموقف فاختار أسلوب النشاط «الخبرة العملية»، ذلك أنه أراد أن:

- يذيق الأنصاري لذة الأكل من عمل يده، وكسب المال بالعمل.

- يعلم الأنصاري - بالتجربة العملية - أن هذا المال الذي يستبيحه لم يأت بسهولة، وإنما يحصله العبد بعد عناء وتعب وجهد ومشقة لأن الأنصاري إذا علم ذلك فسوف يحجم عن استجداء الناس.

 - يربي الصحابي بمنهج عملي متكامل، فخطط له خبرة عملية حدد الزمن اللازم لتنفيذها «خمسة عشر يومًا»، ثم أجرى في نهاية المنهج عملية التقويم.

وواضح أن كلا الأمرين - لذة الكسب من عمل اليد وتعليم الصحابي - أن المال لا يكتسب إلا بعمل واجتهاد.

ثالثًا: القصة:

فالقصة من أهم إستراتيجيات غرس القيم، ولعل هذا هو سر كثرة القصص في القرآن الكريم، وكذلك في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم 

رابعًا: المشكلة:

ويقصد بالمشكلة هنا أن هناك بعض القيم كالصبر في العمل أو المثابرة على خصلة من الخير يحتاج غرسها إلى تدريب المتعلم على حل المشكلة، لا أن يتدخل المربي فيحل للمتعلم مشكلته فيعتاد المتعلم اللجوء إلى المربي لحل مشكلاته، ومن ثم لا يكتسب مهارات حل المشكلة.

والحوار الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وسيدنا سعد بن أبي وقاص عندما عاده في مرضه خير شاهد على استخدام النبي هذه الإستراتيجية في تربية أصحابه، حيث روى البخاري ما دار في هذا الحوار، قال سعد بن أبي وقاص، جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: یا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو ،مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا»، قلت: فالثلث يا رسول الله؟ قال: «الثلث والثلث كثير، أو كبير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» «رواه البخاري».

 وبتحليل هذا الموقف تربويا يتضح ما يلي:

 أ - أن المشكلة التي واجهت المتعلم «سيدنا سعد بن أبي وقاص» هي كثرة المال وقلة

العيال.

ب- لما حار سيدنا سعد في حل المشكلة عرضها على النبي صلى الله عليه وسلم «المعلم»، فلم يبادر النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء الحل، كي يعطي سيدنا سعدًا الفرصة للتفكير في المشكلة، وفرض الفروض لحلها، وكلما أخفق في الإجابة اكتفى بتنبيهه بقوله «لا»، حتى توصل المتعلم بنفسه للإجابة، وهنالك اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم حل سيدنا سعد رضي الله عنه.

وللموضوع بقية إن شاء الله تعالى. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

92

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الشباب المتهم!!

نشر في العدد 67

115

الثلاثاء 06-يوليو-1971

هذا مَا نريده يا وزارة الإعلام

نشر في العدد 500

168

الثلاثاء 07-أكتوبر-1980

طرق في التربية