العنوان حرب الجنوب.. هوامش على الفصل الأخير من حرب الأيام الستة...
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1978
مشاهدات 79
نشر في العدد 392
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 28-مارس-1978
إسرائيل: التوسع الدائم..
نصارى لبنان: شالوم للجندي الإسرائيلي
كارتر: الموافقة الضمنية
العرب: كعادتهم
في مساء الثلاثاء، الرابع عشر من الشهر الجاري، تحركت القوات الإسرائيلية شمال فلسطين المحتلة صوب الجنوب اللبناني، مجتازة الحدود، ليبدأ الرصاص الإسرائيلي بكتابة الفصل الأخير من حرب الأيام الستة، التي اندلعت صباح يوم الإثنين الخامس من يونيو/ حزيران عام 1967.
في تلك الحرب احتلت القوات اليهودية كامل الضفة الغربية إضافة إلى قطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، والمرتفعات السورية. وللأسف، فإن دايان لم يستطع أن يتم تأليف أسطورته آنذاك، فبقي الجنوب اللبناني حرًّا.
ويبدو أن «حرية» الجنوب بقيت كابوسًا يؤرق جنرالات «إسرائيل» وقادتها، فوضعوا لاحتلاله الخطط وأعدوا لذلك العدة، وما بقى لهم إلا أن يتحينوا الفرص المواتية.
وجاءت عملية «كمال عدوان» في ليلة السبت 11 مارس كالقشة التي قصمت ظهر البعير!
• نزعة «إسرائيل» التوسعية
منذ الحرب الأهلية في لبنان و«إسرائيل» تمارس نفوذًا عسكريًّا سياسيًّا في جنوب لبنان فريدًا من نوعه، ويكفي أن يذكر القراء أن «إسرائيل» وقفت حائلًا أمام وصول قوات الردع العربية إلى هذه المنطقة لإحلال السلام ووقف القتال بين القوات اللبنانية- الفلسطينية المشتركة، من جهة، وبين قوات التحالف النصراني من جهة أخرى.
إسرائيل لم تخف منذ قيامها أطماعها بالجنوب اللبناني، وبخاصة مياه نهر الليطاني، لكنها دأبت خلال الحرب اللبنانية وبعدها على التأكيد بأنها سوف لن تتدخل عسكريًّا في الجنوب، وحرصت أميركا، ضامنة «إسرائيل» في المنطقة، على تطمين العرب بأن الجنوب سوف يبقى بعيدًا عن الاحتلال الإسرائيلي.
ولم تكن هذه التأكيدات والتطمينات إلا ذرًا للرماد في العيون؛ لإخفاء ما تبيته «إسرائيل»، فقد استعلت إسرائيل عملية «كمال عدوان» واعتبرتها الضوء الأخضر لتتحرك قواتها، ضاربة تأكيداتها السابقة عرض الحائط.
في البداية، ادعت إسرائيل أن عمليتها العسكرية في جنوب لبنان مجرد رد فعل انتقامي لضحاياه في عملية كمال عدوان، ثم ما لبثت أن قالت أن هدفها هو إقامة حزام أمن بعرض 7-10 كيلو مترات، وبعد إقامة الحزام الأمني المزعوم، بعد خمسة أيام من بدء الهجوم، يصرح رئيس أركان العدو موردخاي غور أن «إسرائيل» لم تعد تتحدث عن حزام الأمن، وإنما عن اتفاق سياسي شامل مع لبنان. وأخيرًا، عندما أعلنت إسرائيل عن وقف إطلاق النار من جانب واحد، كانت القوات الإسرائيلية تحتل أرضًا لبنانية بعمق 22 كلم وطول 60 ميلًا، وعلى بعد كيلو متر واحد من نهر الليطاني.
لقد كانت مزاعم إسرائيل بالانتقام مكشوفة منذ البداية، فهي لم تنتقم، وإنما نفذت خطة موضوعة مسبقًا لاحتلال الجنوب، كما تذكر مجلة- تايم-، وتعترف صحيفة- الغارديان- أن هجوم إسرائيل الواسع النطاق وطبيعته العشوائية على لبنان قد فاق مداه عملية تل أبيب التي قام بها الفدائيون الفلسطينيون. وقد أجمعت الصحافة العالمية أن الغزو الإسرائيلي لم يكن «عفو الخاطر ولا هو برد متسرع» إذ لا يعقل أن توضع الخطة لمثل هذا الحجم من الاجتياح في أيام قليلة. وتؤكد المصادر العالمية «أن هذه العملية العسكرية كانت موضوعة على الرف، مدروسة بكامل نواحيها وبكل أبعادها».
«لقد كشفت العملية العسكرية الإسرائيلية التي أنجزتها أربع فرق وتعاونت في القيام بها القوات البرية والبحرية والجوية عن طبيعة الكيان اليهودي العدوانية ونزعته العسكرية التوسعية، مما يجعل من المستحيل تصور اليوم الذي يتعايش فيه هذا الكيان مع جيرانه من الدول العربية».
• نصارى لبنان: أهلًا وسهلًا
المعروف أن هناك شريطًا من القرى المسيحية في جنوب لبنان تسيطر عليه قوات التحالف النصراني الكتائبي. فماذا كان موقف هؤلاء من القوات الغازية؟
أجمعت التقارير الصحفية على أن السكان المحليين والقادة العسكريين جميعهم رحبوا بهذه القوات. والمعروف أيضًا أن القرى المسيحية تحتفظ بعلاقات ودية مع الكيان الإسرائيلي منذ الحرب الأهلية. لكن أن يتطور «الود» إلى حد الترحيب بقوات أجنبية جاءت لتحتل الأرض اللبنانية فهذا أمر آخر، بل إن قادة التحالف الكتائبي كشفوا أنهم كانوا قد طلبوا منذ زمن بعيد إلى الإسرائيليين أن يحتلوا الجنوب بحجة طرد الفلسطينيين منه. ولم يدخر النصارى وسيلة إلا استخدموها للتعبير عن فرحتهم بدخول القوات الغازية أراضيهم؛ فرفعت الأعلام الإسرائيلية، وارتدت النساء «ملابس الأحد»، وتبادل الطرفان التحية والتهنئة، ونشرت صور لفتيات من ميليشيا التحالف الكتائبي مع جنود الغزاة، كل هذا في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية تتقدم باتجاه الشمال، وتقصف الأبرياء، وتحتل المزيد من الأراضي، وتطرد سكانها، حتى بلغ عدد النازحين ربع مليون نسمة!
إن موقف نصارى لبنان هذا، لا بد أن يفرض إعادة النظر بمجمل أوضاع النصارى على امتداد العالم الإسلامي، وكشف ارتباطهم والتحقق من مدى إخلاصهم لهذا العالم- الوطن الذي يعيشون على أرضه وبين أهليه، إن الإنسان المسلم لا يستطيع إلا أن يسأل بكل بساطة عن الموقف المحتمل لنصارى هذا البلد أو ذاك من أية قوات أجنبية تأتي لاحتلاله، هل سيستقبلونهم بشالوم، أو أية كلمة أخرى يفهمها الغزاة؟!
• كارتر: سكت الفم المفتوح!
موقف الرئيس الأميركي كارتر من أحداث المنطقة، اعتبارًا من عملية كمال عدوان وما تلاها، أثار العديد من التساؤلات، بل والشكوك.
لقد ثار كارتر وغضب لقيام مجموعة من الفدائيين بممارسة حقهم المشروع في قتال مغتصبي أرضهم، بل وصف نشاطهم بالأعمال «الإجرامية» غير المشروعة والتي لا تعبر عن أية عقيدة سياسية، وقال: إنها تعبر فقط عن عدم الاحترام للحياة الإنسانية البريئة! وادعى كارتر أن هذه العملية ستقلل من إمكانية ممارسة الضغط على بيغن لتقديم تنازلات معينة.
لكن، أين نضع هذا الموقف المتسرع بإزاء صمت كارتر على الغزو الإسرائيلي؟
وعلى مدى ثلاثة أيام لم يدل الرئيس الأميركي بأي بيان أو تصريح حول الغزو، بل إن المصادر الأميركية أعلنت أنه ليس هناك ما يدعو كارتر إلى الإدلاء بتصريح من هذا النوع، وعندما تحركت الإدارة الأميركية وقدمت مشروعها إلى مجلس الأمن، الذي أقره فيما بعد فإنها لم تعلن إدانتها للاحتلال. وحتى عندما أعلن كارتر فشل مباحثاته مع بيغن فإنه لم يجرؤ على إدانة الغزو الإسرائيلي.
• هل كارتر خائف؟
الأوساط العالمية ما برحت تصرح، منذ بداية العملية العسكرية الإسرائيلية، بأن الولايات المتحدة كانت على علم مسبق بنوايا إسرائيل، بل وأنها أعطت موافقتها على ما تعتزم إسرائيل القيام به. ويقول المحللون السياسيون: إن نجاح إسرائيل في القضاء على المقاومة الفلسطينية يعني تعبيد الطريق أمام الولايات المتحدة لإحلال «السلام» وتحقيق التسوية في المنطقة على طريقتها الخاصة... وهذا، هو في النهاية الهدف الاستراتيجي لتحركات الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط.
• العرب في حالة غيبوبة
قامت حرب الأيام الستة اليهودية- الفلسطينية والعرب يعزفون أنغامًا لا تمت إلى الحرب بصلة. لقد كان العرب في حالة غيبوبة سياسية وعسكرية تامة، أو على أقل تقدير؛ إن ضخامة الهجوم الإسرائيلي أفقدتهم الوعي، ومنذ زيارة السادات إلى القدس المحتلة أصبح التضامن العربي في خبر كان، والتنسيق والاستعداد العسكريين حلمًا من أحلام الطفولة! فماذا يتوقع الإنسان، إذن، أن يكون رد الفعل العربي إزاء العدوان الإسرائيلي؟؟
بيانات بالإدانة، ومطالبة بانسحاب القوات المعتدية، ودعوات لعقد مؤتمرات مصغرة أو موسعة، وماذا بعد؟
يحق للفدائيين أن يقولوا- على الأقل في الأيام الأولى للحرب: إن العرب تخلوا عنهم، وإنهم وقفوا وحدهم بوجه 25 ألف جندي إسرائيلي يفوقونهم عدة وعتادًا!
... فمتى يفيق العرب يا ترى؟!
كي لا ننسى:
مشاهدات مراسل غربي في مرجعيون...
صاحت السيدات اللبنانيات النصرانيات «شالوم» بوجه أفراد القطعات العسكرية الإسرائيلية وهم في سيارات الجيب المكشوفة، وقام شبان الميليشيا المحلية، الذين يستخدمون سيارات «إسرائيلية»، بإرشاد القطعات الغازية إلى الساحة الرئيسية في مرجعيون، وحتى الأطفال الصغار صرخوا «سا، سا» أي «اذهبوا» باللغة العربية. ويبدو أن ضابطًا إسرائيليًّا- كان برفقتنا- يعرف كل شاب أو شابة في مرجعيون باسمهم الأول!
لقد عومل الإسرائيليون هنا كقوات منتصرة؛ لأن مرجعيون تعتبر قلب منطقة نصرانية تبعد خمسة أميال فقط شمالي الحدود الإسرائيلية... وبعد إخراج الأهلية الإسلامية فيها، المؤلفة من اللبنانيين والفلسطينيين، بعد الحرب الأهلية، اتجه سكانها النصارى البالغ عددهم 3000 صوب إسرائيل طلبًا للنجدة. وفي مواجهة استمرار القصف الفلسطيني، جهزت القوات الإسرائيلية المدينة بالماء والغاز، بل وبالمعونة الطبية المجانية داخل إسرائيل نفسها. وامتلأت المخازن الخمسة المتبقية في مرجعيون بالبضائع الإسرائيلية، ابتداء من الشامبو والكعك إلى الأحزمة التذكارية من القدس. «لقد عشنا كالأرانب طوال سنتين»، يقول فرنسيس رزق، القائد النصراني من قرية القليعة المجاورة، «لقد أنقذنا الإسرائيليون وعاملونا كإخوة»!
عن مجلة- نيوزويك -