العنوان الجزائر.. الحوار.. أم الدمار؟
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
مشاهدات 92
نشر في العدد 1076
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
هل ينجح الحوار الوطني الجزائري؟
في ظل الوضع المعقد الذي آلت إليه الحالة الجزائرية بعد تدهور الوضع
الأمني ووصوله ضمن نقلة جديدة إلى ما قد يبدو نقطة الخط الأحمر، بدأ المتابعون
للأحداث يطرحون سؤالهم المهم: هل ستنجح ندوة الحوار الوطني التي شكلت من أجل
التحضير لها لجنة خاصة مكونة من 3 جنرالات - يمثلون التيارات المتفاعلة داخل
المؤسسة العسكرية - إضافة إلى 5 مدنيين - قالت عنهم جهات في المعارضة إن حجمهم
الحقيقي أقل بكثير من انتسابهم لهذه اللجنة؟
وهل ستجرى الندوة - إذا عُقدت - بحضور كافة القوى الجزائرية الفاعلة
دون إقصاء أو تهميش؟ وهل إذا حصل الإجماع الوطني على تجاوز الأزمة بطرق سلمية
سيحصل الإجماع على تحديد وسائل وطرق التجاوز ضمن رؤية استراتيجية واضحة تعمق
الخيار السلمي وتجعله مناط التطبيق في الواقع؟
الحوار مع من؟
بصرف النظر عن اختلاف التفسيرات المعارضة لنية المجلس الأعلى للدولة
في خياره للحوار الوطني، فإن موقفه في نظر المراقبين لا زال يتسم بالغموض إزاء
«الإنقاذيين» وإشراكهم في عملية الحوار؛ حيث تضاربت الآراء والبيانات بشأن هذه
النقطة ولم يعد واضحًا لدى الرأي العام هل سيشارك «الإنقاذيون» في الحوار أم لا
يشاركون!!
ويرجع المحللون هذا الغموض إلى طبيعة التحرك السياسي الذي يمارسه
الإنقاذيون من جهة، وإلى عدم تبلور فكرة الحوار لدى «الأوزان الثقيلة» في المؤسسة
العسكرية من جهة أخرى، فبينما يرحب الإنقاذيون ويطالبون «بالتفاوض» بدل الحوار،
يطالب الجناح المتشدد في الجيش باعتماد «الحل الأمني» للأزمة وإقحام الجيش في
المعركة دون اللجوء إلى الحلول السلمية على اعتبار أن سلطة «الإنقاذيين السياسيين»
على الجماعات المسلحة أصبحت محددة جدًا وغير مؤثرة.
وترى جهات أخرى أن مرور الحوار عبر التركيبة الحزبية - التي لم تمارس
العنف - دون إشراك «الإنقاذيين» أو على الأقل من يؤمنون بالحل السلمي، لن يخرج
بأمر جدي في نهاية المطاف، فيما يرى آخرون أن سلطة الإنقاذيين على الجماعات
المسلحة أصبحت محدودة جدًا وأن المبادرة الحقيقية في الحوار تكون بين الجماعات
المسلحة وبين جنرالات المؤسسة العسكرية، وهذا أمر مستبعد للغاية في نظر بعض
الملاحظين.
وفي غياب جواب واضح للسؤال: الحوار مع من؟ يظل التنبؤ صعبًا بما
ستحرزه عملية الحوار من نتائج فعلية على صعيد تجاوز الأزمة، وترجح بعض الجهات
السياسية تبعًا لذلك فشل نتائج الندوة الوطنية المزمع عقدها في هذا الشهر، وترى أن
تدخل الجيش للأخذ بزمام الأمور أصبح قاب قوسين أو أدنى.
تدخل الجيش: هل ينقذ الموقف؟
احتمالات تدخل الجيش بصورة مباشرة في الأزمة لم تعد في نظر المراقبين
مستبعدة ولا بعيدة خصوصًا مع اقتراب رحيل المجلس الأعلى للدولة في نهاية هذا
العام، وتصريحات وزير الدفاع الأمين زروال الأخيرة ويرى محللون استراتيجيون أن
الجزائريين سيجدون أنفسهم مع نهاية هذا العام أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول: وهو ما تعمل
جهات كثيرة على تحقيقه، أن تتوصل جميع الأطراف إلى صيغة «مصالحة وطنية» تُنهي
علاقة التناقض بين السلطة والمعارضة، وتُرجع الأمور ولو تدريجيًا إلى نصابها وتنقذ
بالتالي البلاد من الانزلاق إلى مراحل أخطر وأعنف، وهو خيار يصعب فيما يبدو تحقيقه
بسرعة نتيجة التوتر السائد بين مختلف الأطراف لكنه غير مستحيل إذا توافرت النيات
الصادقة، وكان التنازل من جميع الأطراف لمصلحة الوطن، أما إذا تعصب كل طرف لرأيه
وعاد الجميع إلى نقطة ما قبل الانطلاق؛ فإن الجميع سيجدون أنفسهم أمام الخيار
الثاني.
الخيار الثاني: وهو تدخل الجيش
بصفة مباشرة لاستلام السلطة وقيادة البلاد وهو الخيار الذي سيجعل الجيش في مقدمة
المواجهة مع الجماعات المسلحة للقضاء عليها واستئصالها حسب مفردات الخطاب السياسي
للتيار المتشدد في الجيش، ومن هنا يبدأ - حسب الملاحظين والمحللين - تعميق الأزمة
نحو الأسوأ، إذ إن الجيش الجزائري جيش شعبي مكون من مختلف الطبقات والفئات
الاجتماعية، ولا يمكن لمثل هذه التركيبة العسكرية ألا تتعرض للانقسام، ومن ثَمَّ
إلى التآكل الداخلي.. ومعروف أن الأزمة إذا وصلت إلى هذا الحد لا يمكن معها تفادي
أي حرب أهلية قد تكون طويلة وطاحنة.
غير أن مصادر أخرى ترى أن المؤسسة العسكرية ازدادت تماسكًا بعد
العمليات التي استهدفت بعض إطاراتها وجنودها، وأن أداءها العسكري الحالي يتم في
ظروف تنسيق جيدة بين مختلف وحداتها، وهو ما سيؤهلها لكي تلعب دورًا قويًا في حسم
الموقف لصالح الخيار الأمني بعيدًا عن مخاوف الانقسام التي أشار إليها الرأي
المعاكس.
الجماعات المسلحة.. الرقم الأصعب!!
القراءة السريعة لأدبيات المعارضة المسلحة من خلال مفردات بياناتها
توحي منذ الوهلة الأولى أنها غير خاضعة لقيادة موحدة وغير متجانسة في أعمالها
المسلحة، لكنها تشترك في نقطة اللارجوع التي وصلت إليها بعد 18 شهرًا من الصدام
المسلح مع قوات الأمن والجيش، ويعتقد المحللون أن نجاح الندوة الوطنية للحوار
سيقلل من حجمها ويضعها في زاوية حرجة أمام الإجماع الوطني، فيما يرى خبراء عسكريون
أنه من الممكن أن تحقق المعارضة المسلحة خطوات مهمَّة على طريق العمل الوحدوي
المسلح والتنسيق بين فصائله، وهي بناءً على ذلك تكون قادرة على فرض نفسها كرقم صعب
في المعادلة، وحسم الموقف في النهاية لصالحها خاصة إذا استطاعت الاستمرار في أسلوب
نشاطها القائم على الكر والفر والتخفي، وهو الأسلوب الذي أربك القوى النظامية
وأصابها بالإرهاق.
وأمام هذا الرأي، ما زال خطاب رئيس الحكومة «رضا مالك» عن أوراق لم
تستعملها السلطة في حربها ضد المعارضة المسلحة، يثير الكثير من التساؤلات حول
طبيعة هذه الأوراق وقوتها الحقيقية في فرض خيار السلطة.
إذا الشعب يومًا أراد الحياة:
رغم تلك التعقيدات والمضاعفات، فإن الشعب الجزائري ما زال في نظر
الكثيرين هو القوة الوحيدة القادرة على فرض الخيار الأسلم، وسكوته الآن لا يعني
رضاه بالواقع الحالي، ويرى ملاحظون أن حركة تململ شعبية بدأت عوارضها تطفو على سطح
الحالة الشعبية خصوصًا بعد تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وأن
قطاعات شعبية كثيرة بدأت تعرب صراحة عن رفضها للواقع المفروض وعن استعدادها
للمساهمة في تغييره نحو الأفضل، غير أن اختلاط الأوراق التي تلعب بها السلطة
والمعارضة لم يمكِّن قطاعات كبيرة أخرى من بلورة موقف واضح من الأزمة.
ويعتقد المحللون أن ملامح الصورة للحالة الجزائرية ستكون أكثرَ وضوحًا
لدى كافةِ قطاعات الشعب بعد انعقاد الندوة الوطنية، وأن نتائجها الإيجابية أو
السلبية هي التي ستحدد الموقف الشعبي بوضوح، ولا تستبعد جهات سياسية خروج الشعب
إلى الشارع مرة أخرى لحسم الموقف كما فعل على إثر الاشتباكات الدامية التي وقعت
بين القياديين الجزائريين فجر الاستقلال الوطني. فهل سيخرج الشعب الجزائري مرة
أخرى إلى الشارع ليقول كلمته القوية، ويفرض خياره البديل على الجميع؟