الثلاثاء 06-مارس-1990
خمسة عشر عامًا
هي عمر الحوار المقطوع!
بدأ ثم انقطع ثم
بدأ... وما بين البدايتين عقد كامل ضائع وظروف متباينة صاحبت كل بداية... الأولى
كانت في أعقاب حرب أكتوبر عام 1973، وكان هدير المدافع ما زال ملء الأسماع والأزمة
النفطية التي واكبت الحرب تطل برأسها وانعكاساتها على الاقتصاد الأوروبي... وفي
الثانية كان الأمر مختلفًا تمامًا فمشاريع السلام أكثر من أن تُحصى وتُعد، وشعور
عام يعم المنطقة –رغم معارك الانتفاضة– بحتمية المواجهة "فقط" سياسيًا
وضرورة القبول بالأمر الواقع والإذعان لنداء العقل والاعتراف سرًا أو جهرًا
بالكيان الصهيوني. وكان "فلسطين" الحاضرة الغائبة أرادت في الحالتين
وبطريقة أو بأخرى أن تؤكد على موقعها في العلاقات الأوروبية العربية وعلى نفوذها
على مسار هذه العلاقات... سلبًا أو إيجابًا... وكأن أوروبا على الجهة المقابلة
أدركت ونصفها الشرقي ينفض عن نفسه غبار الديكتاتوريات المتساقطة حتمية الإذعان لمطالب
الإنسان الحضاري بالسلام والأمان فوق هذه الأرض.
نشأة الفكرة
وبداية الحوار
إرهاصات هذا
الحوار بدأت إثر حرب أكتوبر عام 1973 وتمثلت في البيان الذي صدر عن وزراء خارجية
السوق الأوروبية المشتركة في بروكسل في نوفمبر 1973 والداعي بضرورة التعاون العربي
الأوروبي، وكذا في الزيارة التي قام بها وزراء خارجية الجزائر والسودان والإمارات
وتونس إلى كوبنهاغن أثناء انعقاد القمة الأوروبية في العاصمة الدنماركية، إلا أن
الطرفين لم يمارسا حوارهما الفعلي إلا في ربيع عام 1974 من خلال لجان فنية بلغت 8
لجان رئيسية إلى جانب 20 لجنة فرعية غطت أنشطة الصناعة والتجارة والاستثمار
والعلاقات الثقافية ومدّت تقاريرها الفنية إلى لجنة الحوار نفسها والتي تشكلت من
ممثلي أعضاء المجموعة الأوروبية وأعضاء الجامعة العربية. وتلاحقت بعد ذلك جلسات
الحوار حتى انقطع تمامًا عام 1979. ثم قبل الجانب الأوروبي عام 1983 عقد اجتماع
على مستوى اللجنة العامة للحوار العربي الأوروبي لبحث وسائل تمويل أنشطة الحوار
الأخرى، وانتهى الاجتماع في أثينا بالفشل الناتج عن عدم استعداد الطرف الأوروبي
لتطوير المستوى السياسي للحوار ولإصرار الجانب العربي من ناحية أخرى على الخروج
ببيان يتخطى ما التزم به الجانب الأوروبي في بيان فينيسيا الشهير. ثم أُثير موضوع
الحوار مرة أخرى عام 1987 وأبدت هولندا استعدادها لاستئناف الحوار على مستوى
"الترويكا" أي وزراء خارجية الرئاسة الماضية والحالية وذلك لمعارضة
المجموعة الأوروبية استئناف الحوار بدون مصر. ثم طرح وزير الخارجية الألماني غينشر
أثناء اجتماع وزراء خارجية دول المجموعة الأوروبية في بون خلال شهر يونيو 1988
عندما كانت ألمانيا الاتحادية ترأس الأسرة الأوروبية مشروعًا خاصًا بعقد لقاء
ثلاثي يضم رئيس المجموعتين العربية والأوروبية وممثلين عن الدولتين اللتين احتلتا
الرئاسة السابقة واللتين سوف تتوليان الرئاسة اللاحقة إلى جانب إعداد التحضير لعقد
اجتماع اللجنة الرئيسية، ولكن ذلك لم يتحقق عمليًا إلى أن أطلق الرئيس الفرنسي
ميتران أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بصفته رئيسًا للدورة الحالية للمجموعة
الأوروبية مبادرته الداعية إلى عقد اجتماع رفيع المستوى بين جميع أعضاء الجامعة
العربية والمجموعة الاقتصادية الأوروبية إضافة إلى الأمانة العامة لكل منهما
ليلتئم الشمل ويبدأ الحوار صبيحة يوم الخميس الحادي والعشرين من ديسمبر الماضي عام
1989.
تقييم المرحلة
السابقة
انقطع الحوار
الأوروبي إذن ما يقرب من 10 أعوام هي الفترة ما بين أعوام 1979-1989. فما هي أهم
المعوقات التي أوقفت الحوار؟
جريدة
"جينيرال أنتسايغر" الألمانية حددت الإجابة في سببين رئيسيين أولهما
إصرار الجانب العربي على ربط التعاون الاقتصادي بالمواضيع السياسية
"الصعبة" على حد قول الصحيفة، وفلسطين بلا شك هي القضية
"الصعبة" التي قصدتها الصحيفة، فقد كان من توقعات الجانب العربي أن يكون
من إحدى نتاجات هذا الحوار أن تلعب أوروبا دورًا أكثر إيجابية وتأثيرًا في النزاع
العربي-الإسرائيلي، هذا الدور الذي تصوره السيد عدنان عمران الأمين العام المساعد
للشؤون السياسية والدولية في جامعة الدول العربية بأنه "ليس سوى تأييد مبادئ
القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها لأن تحقيق السلام في الشرق الأوسط
هو شرط أساسي لتحقيق التنمية". ثم أضاف: "إن الجانب العربي مُدرك أن
المجموعة الأوروبية ليست قادرة على حل قضايا المنطقة غير أن المواقف الأوروبية هي
بالغة الأهمية سياسيًا وأدبيًا، والمواقف الأوروبية المستندة إلى العدالة هي التي
تشكل الإطار السليم لعلاقات استراتيجية بين المجموعتين لأن تنمية العلاقات بصورة
متميزة تتم كما هو معروف بين دول صديقة، والدول الصديقة لا بد وأن تهتم بالقضايا
المتصلة بالمبادئ والقيم، فلا يعقل مثلًا أن نفهم صمتًا أوروبيًا على الإجراءات
الإسرائيلية القمعية في الأراضي المحتلة لا سيما ونحن نرى هذه الدول الأوروبية
تسخر جزءًا من علاقاتها ومصالحها الثنائية والجماعية من أجل هجرة مواطن سوفيتي
يهودي إلى إسرائيل".
والواقع أن
الجانب العربي في توقعاته وأحلامه هذه فاتته بعض الحقائق:
• فطبيعة العلاقات الأوروبية-الإسرائيلية لا
تسمح للجانب الأوروبي بتعدي الحدود المسموح بها، وفي ذلك أشار التقرير الذي صدر عن
مجلس الشورى المصري في هذا الصدد إلى قوة العلاقات السياسية التي تربط بين أوروبا
وإسرائيل وارتباط البرلمان الأوروبي بالكنيست الإسرائيلي بعلاقات متينة حيث يعقد
وفد البرلمان الأوروبي مع الكنيست الإسرائيلي اجتماعات مشتركة بصفة دورية إعمالًا
لاتفاقية التعاون المعقودة بين المجموعة الأوروبية وإسرائيل عام 1957، كما يعقد
الجانبان اجتماعًا سنويًا مشتركًا بالتناوب في الكنيست أو البرلمان الأوروبي.
وتجدر الإشارة إلى أن الحوار الذي انعقد أخيرًا تم بينما رئيس الوزراء الفرنسي
روكار يقوم بزيارة رسمية لدولة الكيان الصهيوني.
• ثم إن تلبية المطلب العربي
"السياسي" من المجموعة الأوروبية "الاقتصادية" أمر صعب
فأوروبا الموحدة سياسيًا لم تقم بعد وأمامها عام أو أكثر.
كما أن الحلم
"الاقتصادي" كان وحده هو الذي يشغل بال المجموعة الأوروبية فذلك يعني
فتح الأسواق العربية التي ازدادت قوتها الشرائية لارتفاع أسعار البترول وكذلك
لتأمين احتياجاتها من البترول والغاز.
أما السبب الآخر
الذي ذكرته الصحيفة الألمانية لوقف الحوار العربي الأوروبي فكان
"الخلافات" التي نشبت داخل "المعسكر العربي نفسه" فلم يتفق
العرب حتى فيما بينهم على الحد الأدنى الذي تقبل به الدول العربية من التأييد
السياسي الأوروبي ولا على أولويات برنامج التعاون الاقتصادي بين الجانبين
والمشروعات المرشحة للدراسة على أساس واقعي.
على كل حال فإن
هناك حجمًا وإن كان ضئيلًا للغاية من الإنجازات قد أثمر عنه هذا الحوار ممثلًا في
هذا التطور السياسي في الموقف الأوروبي إزاء القضية الفلسطينية باتجاه الاعتراف
بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وعلى الجانب الاقتصادي تمت بعض الاتفاقيات مثل
اتفاقية الشروط العامة للعقود وحماية الاستثمارات والمصافي والبتروكيماويات
بالإضافة إلى تحديد أطر بعض المشاريع التنموية الرئيسية.
محاور اللقاء
الأخير
في الجلسة
الختامية لمؤتمر الحوار العربي-الأوروبي والتي ترأسها في قصر الإليزيه الرئيس
الفرنسي فرانسوا ميتران باعتباره الرئيس الحالي لدول السوق الأوروبية المشتركة
وصاحب الاقتراح بتنظيم هذا المؤتمر، والعاهل المغربي الملك الحسن الثاني بوصفه
رئيسًا لآخر قمة عربية، أُعلنت نتائج الحوار والتي دارت على محورين:
المحور الأول:
وكان يشمل كافة القضايا السياسية ذات الاهتمام المشترك ويأتي في مقدمتها النزاع
العربي-الإسرائيلي ثم الأزمة اللبنانية والمفاوضات المتعثرة بين العراق وإيران، ثم
مطالبة بعض وزراء الخارجية العرب برفع الإجراءات الأوروبية الموحدة ضد سوريا
وليبيا.
ويبدو أن
المؤتمرين قد آثروا نجاح المؤتمر ولو صوريًا عن مناقشة هذه القضايا التي قد تُسبب
فشل الحوار ومن ثم توقفه، واكتفوا في هذا الصدد بتشكيل لجنة وزارية ثلاثية مشتركة
من الجانبين تجتمع سنويًا في دولة عربية وأوروبية بالتناوب وتكون مهمتها بحث كافة
القضايا السياسية ذات الاهتمام المشترك، وتقرر أن يكون اجتماعها الأول في العاصمة
الأيرلندية دبلن خلال شهر يناير حيث تترأس أيرلندا بدءًا من يناير الدورة الجديدة
للسوق الأوروبية المشتركة. ومن جهة أخرى فقد أشار الرئيس الفرنسي في الجلسة
الختامية إلى مواقف دول المجموعة الأوروبية من القضية الفلسطينية مشيرًا إلى أهمية
عقد مؤتمر دولي تشارك فيه كل الأطراف، وذكر من جهة ثانية تأييد المجموعة الأوروبية
لاتفاق الطائف حول إنهاء الأزمة اللبنانية وما نتج عنه من تجديد المؤسسات التي
يمكن أن يقوم عليها لبنان.
المحور الثاني:
وكان يشمل القضايا الاقتصادية والفنية وقد أقر الوزراء بالإجماع قرارات ترسي
هيكلية جديدة للتعاون السياسي والفني وتحدد 10 مشروعات للتعاون تغطي الجوانب
الاقتصادية والثقافية والتجارية كما تدارسوا قضايا نقل التكنولوجيا والأمن الغذائي
وحماية الاستثمارات وتقرر قيام منتدى حول العلاقات الثقافية العربية الأوروبية في
الأردن وندوة حول التعاون في المجالات الشبابية في اليونان، كما أقر المؤتمر
مشروعًا لإنشاء معهد مشترك لنقل التكنولوجيا وآخر للموارد المائية وتحليتها. وكان
من أبرز المشاريع التي لفتت أنظار المهاجرين العرب في أوروبا هو إنشاء مركز متخصص
لدراسة شؤونهم كخطوة إيجابية في سبيل العناية بالعمال المهاجرين العرب في الدول
الأوروبية من خلال الإمكانيات المادية والقانونية والتكنولوجية لهذه الدول.
الحوار
العربي-العربي
هو المطلب الملح
الآن... استمراره ودعم الكيانات والتجمعات التي قامت في ظله على ألا تتحول إلى بؤر
متشاكسة ومراكز لتصفية الحسابات... التضامن العربي هو ما تحتاجه الأمة الآن قبل
الدخول في أي حوارات خارجية وهو الذي يحقق لها آثارًا إيجابية يضمن لها رضوخ الطرف
الآخر وإجباره على التعامل على قدم المساواة واحترام المصالح المتبادلة وتعميق
التعاون المشترك بكل الصور الممكنة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل