; مشكلتي: تقييم خاطئ.. ومفاهيم مغلوطة ! | مجلة المجتمع

العنوان مشكلتي: تقييم خاطئ.. ومفاهيم مغلوطة !

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر السبت 19-يونيو-2010

مشاهدات 68

نشر في العدد 1907

نشر في الصفحة 54

السبت 19-يونيو-2010

 في أحد البرامج التنموية والموجهة إلى بناتنا في سن المراهقة بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة، وكان بعنوان »حياتك قرارك«.. وأثناء الاستراحة، استأذنت إحدى بناتنا بالحديث، وبدا عليها الارتباك، فتنحيت جانبًا بإحدى الطاولات حتى أعطيها خصوصية الحديث، فبادرتني قائلة كيف انقلب على فشلي؟ وحقيقة هالتي السؤال، وأشفقت على مشاعر ابنتي ذات الثمانية عشر ربيعًا كيف حكمت على نفسها بالفشل وتوجست من أن أسمع كارثة اقترفتها قد دمرت حياتها.

فتبسمت مستنكرًا، وقلت بحنان الأبوة: فشلك؟! فكررت مرة ثانية السؤال نفسه فدعوتها للجلوس، فجلست على استحياء ناظرة إلى الطاولة ولسان حالها يقول: ليتني لم أفاتحه.. وحتى أخرجها من هذا الحرج سألتها: أتصلين؟

 أجابت: الحمد لله بانتظام. 

قلت: والفجر؟ 

أجابت: الحمد لله، منذ بلغت سن التكليف لم أنقطع عن صلاة الفجر، بل أحيانًا أوقظ العائلة لأنني الكبرى.

 قلت: والنوافل؟!

 فأجابت: تقريبا منتظمة.

 بدت ابنتي أكثر هدوءًا وإقبالًا على حديثي، فبادرتها بكلمات الاعتزاز بها مستنكرًا: وتدعين أنك فاشلة؟! وسكت لعل تساؤلي يجد صداه، وعلى الأقل درجة اليقين التي ألقت بها سؤالها تخفي شيئًا ما .

 ثم نقلتها إلى محور آخر: كيف علاقتك بوالديك؟ 

فأجابت: الحمد لله على خير ما يرام، دائمًا يشيدان بي إلا منذ ... فقاطعتها بسرعة حتى أحافظ على درجة الارتقاء بتقدير الذات وأعظم من نجاحاتها، وأكسر حاجز الحرج النفسي، فتنطلق في ذكر إنجازاتها، وبناء على التركيز على نجاحاتها يتم تداعي رؤى النجاح داخلها، لذا قاطعتها مبادرًا: وإخوتك؟ 

فاستدركت كما قلت لك أنا الكبرى وعلاقتي بأختي الأخرى وهي تصغرني بعام واحد طيبة، ومن الطبيعي أن يعكر صفونا بعض الخلافات، ولكن سرعان ما تزول ومعظم صداقاتنا مشتركة، نسعد بالحديث فيما بيننا، أما أخي الصغير ذي السنوات السبع، فمشكلته الطريفة حديث المنزل...و...

 قاطعتها قائلًا: معنى ذلك أنك استطعت بناء علاقات حب وألفة مع والديك وإخوتك وهم البوتقة التي تعيشين فيها معظم حياتك؟ ثم تساءلت: أترين ذلك نجاحًا أم فشلًا ؟! 

ثم أردفت: فكري واحتفظي بالإجابة لنفسك، وتركتها وذاتها دقائق، متعللًا أم أت بالبحث عمن طلبني على الهاتف أثناء انشغالي بالمحاضرة، ثم عاودت حديثي معها: وماذا عن صديقاتك؟! مدرساتك؟! هواياتك؟! اطلاعاتك؟... وكانت إجاباتها طيبة. فقلت لها بعد أن أنبأني حسي الأبوي وقرأت إجابات أسئلتي بعد كل إنجاز أخبرتني به، وتيقنت أن إحساسها بفشلها الذي بدأت به إن لم يكن قد تلاشى فعلى الأقل قد تشككت به، وأنها ولله الحمد قد حققت فعلا نجاحات.

 سألتها قائلًا: إذا أين الفشل؟ وفجأة طأطأت رأسها مرة أخرى، ثم انهمرت دموعها باكية، وتلعثمت، فطلبت منها أن تشرب كوبًا من الماء حتى تهدئ من روعها وعاودني التوجس من حديثها، وكدت أن أطيب خاطرها وأنهي حديثي حتى لا أواجه بمشكلة تتطلب أمانتي الأبوية التدخل، ولا أعلم ظروف عائلتها، ولكني دعوت الله وأنصت بكل اهتمام مشجعًا إياها على الحديث. 

فقالت: معدلاتي الدراسية لا تقل عن 99%، وأبي يعمل محاسبًا، وكان يتمنى أن يكون طبيبًا، فمنذ صغري وهو يحلم بي طبيبة، ويتباهى بي في العائلة بما أحققه من إنجاز علمي، ولكن ضاع الأمل في امتحان الفصل الأول، فقد كنت مجهدة جدًا من كثرة المذاكرة والسهر، ولم أستطع أن أنام خوفًا من ضياع أمل أبي، وهو يوصيني أثناء توجهي للامتحان، وعيونه تكاد تتوسل لي أن أحصل على الدرجة النهائية، وكانت الكارثة أني حصلت على 92%، وضاع الأمل وصار من المؤكد أني لن أستطيع دخول كلية الطب كما تمنى أبي، وعندما علم بالنتيجة ثار وانساب لسانه قائلًا: أنت فاشلة، لقد ضيعت كل شيء !!

 وقاطعتها: إن علينا العودة رغم بقاء فترة على بدء المحاضرة التالية، حتى أقطع هذا التداعي من الذكريات الأليمة، وخاصة أن اللقاء التالي كان بتوفيق الله هو ما كان يمكن أن أعلق به على حديثها الخاص وسيكون أكثر تأثيرا إذا صيغ بصفة العموم، خاصة أن أسلوبي مع هذه المرحلة العمرية المهمة أني أستنطقها ولا ألقنها، فمن خلال التساؤلات يمكن أن يعبروا عما يدور بخلجاتهم، ويمكن توجيه الحديث نحو معان وقيم مستهدفة من خلال طريقة إلقاء وصياغة تساؤلات »استنكارية تقريرية تعجبية«، وإذا حصلت من إجاباتهم ما استهدفته فهي الأكثر اقتناعًا وقبولًا لديهم. وبعد اللقاء كما توقعت لقيتها بوجه غير الوجه الذي بدأ به الحوار الأول، وحدت الله وجلست أتابع مع ابنتي وبادرتني: دعني أوضح لك كيف طبقت ما تناوله اللقاء السابق من معان ..لن أكرر ثانية «أنا فاشلة« فهذا ليس سمة ثابتة في شخصيتي، والفشل ملاصق لي طول عمري وفي كل أحوالي ونشاطاتي، والواقع غير ذلك كلية، فأنا ناجحة، أؤدي ما علي من فروض، وما تيسر من النوافل، وبارة بوالدي، واستطعت بفضل الله أن أصيغ علاقات طيبة مع إخوتي وأهلي وصديقاتي ومدرساتي، حتى الدراسة فأنا ممتازة، وأبذل ما علي من جهد مناسب. 

فأومأت برأسي مشجعًا، ثم أردفت قائلة: تقديري واحترامي لأبي وطاعته شيء أساسي يجب الحرص عليه، ولكن مستقبلي أنا الذي أختاره، علي أن أسمع بكل تقدير نصيحة أبي، ولكن طبقا لإمكاناتي المادية والضوابط الاجتماعية ودون الإخلال بالأطر الشرعية أو العرف والتقاليد علي صياغة مستقبلي بالطريقة التي تتناسب مع ميولي ورغباتي وبكل أدب واحترام أعبر عن وجهة نظري لأبي، وأبذل كل ما لدي من حب وعاطفة وتقدير لأبي لإقناعه بما أختار، وأطلب منه الدعاء بالتوفيق، وأحاول أن أقنع أمي لتساعدني، ولا حرج إن تطلب الأمر أن أكلم جدي لأبي، أو عمي الأقرب لأبي حتى يقنع أبي، ولا أنسى جرعة إضافية من القبلات والدعوات لأبي الحبيب. 

لقد أيقنت أنه لا يوجد فشل، فإن بذلت الجهد فعلي الرضا بمشيئة الله، وقد زادت تجربتي في الحياة بنمو معارفي ومهاراتي وقدراتي. 

وهنا أدركنا وقت ورشة العمل، فدعوت لها، وحمدت الله على توفيقه .

 أثناء عودتي استرجعت أحداث اليوم وكانت حالة ابنتي تلك هي المسيطرة وقد استفدت جدا بإعادة النظر في بعض الموضوعات التربوية، وتمنيت أن أقابل والدها ولعله أحد أصدقائي، ثم رجعت لنفسي: أليس هذا الأب صورة مكررة للأسف للعديد من الآباء، وفعلا قررت أن أطرح المشكلة على قرائي الأعزاء.

 تحليل المشكلة

 للأسف بعض الآباء يريدون تحقيق أحلامهم التي شاء الله بهم خيرًا ألا تتحقق في أبنائهم، أو بحبهم الأناني يريدون أن يعيشوا حياة أبنائهم، وآخرون جعلوا الحرص على مصلحة الأبناء وحبهم «السلبي» حجة ليفكروا نيابة عن أبنائهم، ويتخذوا قراراتهم؛ لأن الأبناء لا يعلمون مصلحتهم، فيطمسون شخصياتهم ويحركونهم كقطع الشطرنج.

 وقد قال الإمام علي رضي الله: «ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم«

 الآثار 

 إن هذا النوع من التربية يمسخ شخصية الأبناء ويجعلهم غير قادرين على التفاعل الإيجابي، وعندما يواجهون الحياة، إما أن ينجرفوا لأي تيار يتعرضون له، أو يظلوا منتظرين تدخلنا حتى في اختيار أزواجهم ويلجؤون إلينا حتى في أمور حياتهم الداخلية ويؤدي ذلك إلى فشلهم في حياتهم. 

أيضًا هناك تقييم خاطئ ومفاهيم مغلوطة، فللأسف كثير من الآباء يقيمون أبناءهم من خلال الشهادة الدراسية وكأنها هي المعيار الوحيد للتقييم، فمعايير التقييم تساهم بها عدة عناصر، منها على سبيل المثال: الأداء الديني والأخلاقي، وعلاقات الأبناء داخل الأسرة، وعلاقاتهم بالمدرسة وثقافتهم وأنشطتهم وصفاتهم السلوكية من تنظيم وجدية ونشاط وهوايات، وأداؤهم الدراسي، والعديد من المعايير الأخرى فكيف نحصر تقييمنا لهم من خلال درجات شهرية فقط؟ فقد يكون الأداء الدراسي متوسطًا، ولكن هناك تميزًا رياضيًا أو فنيًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا، وينبغي علينا إدراك أن كل طفل يمكن أن يكون متميزًا في مجال ما، وأن مسؤوليتنا اكتشاف هذا المجال وتوجيهه إليه.

 أيضًا من الخطأ وضع الأبناء تحت ضغط نفسي، فهناك فرق كبير بين تحفيز الأبناء وإشعارهم بالمسؤولية التي تُطلق الطاقات الكامنة ويكون لها أثر إيجابي وبين الضغوط النفسية التي توتر أعصاب الأبناء فتدمر طاقاتهم وتشتت جهودهم، أما اللوم على نتيجة تحققت -وإن كانت سلبية- فله آثار سلبية، وأبرزها إشعار النفس بالذنب بدلًا من تحليل النتيجة وأخذ العبرة وتحويلها إلى برنامج عملي للتغيير، فما بالنا باللوم على نتيجة 92%؟!

 أيضًا يجب ألا تتأثر علاقتنا الشخصية بأدائهم إطلاقًا، بالعكس.. عندما يقصرون يشعرون بالذنب فيجب التقرب منهم أكثر، وتشجيعهم على تحويلها إلى تجربة إيجابية ولن يتقبلوا منا النصح إلا إذا استطعنا التواصل الجيد معهم حتى تتفتح قنوات التلقي، إن نجاحنا كمربين معياره تهيئة أبنائنا لإدارة حياتهم طبقًا لقيم الشرع الحنيف، وبما يتواءم وصفاتهم وخصائص البيئة التي سيواجهونها .

 الحل

 أنصح هذا الوالد الكريم ومن هو على شاكلته أن يبادر بتصحيح أخطائه، فيدعو ابنته إلى غداء ويقدم لها هدية، ويحاول أن يستعيد بناء الثقة معها، وهذا يحتاج إلى تطبيق برنامج تربوي، نسأل الله أن يوفقنا لتناوله لاحقًا ..

الرابط المختصر :