العنوان هجائية الحب (٢٦) "حرف الهاء" هذب أخلاقهم
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011
مشاهدات 70
نشر في العدد 1979
نشر في الصفحة 58
السبت 03-ديسمبر-2011
يقول رسولنا الكريم ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (صححه الألباني، وإنما» في لغة العرب تفيد الحصر والقصر، كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: لأعلم الأخلاق، بل قال: «لأتمم مكارم الأخلاق»، والفرق بين الأخلاق ومكارمها واضح ،وبين، ويقول عنه ربه سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
والخلق: هو السجية والطبع، وهو كما يقول أهل العلم: «صورة الإنسان الباطنة» لأن للإنسان صورتين:
صورة ظاهرة: وهي شكل خلقته التي صور الله الإنسان عليها في بدنه، وهذه الصورة منها جميل حسن، ومنها ما هو قبيح سيئ، ومنها ما بين ذلك.
وقد عرف الحسن البصري حسن الخلق بأنه: "كف الأذى، وبذل الندى وطلاقة الوجه".
ومعنى كف الأذى: أن يمنع الإنسان أذاه عن غيره، سواء أكان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا».
ومعنى بذل الندى الكرم والجود وليس الكرم بذل المال فقط، وإنما بذل النفس والجاه والعلم والمال، ومن الكرم كذلك العفو عن الناس.
ومعنى طلاقة الوجه: إشراقه حين يلقى الإنسان الناس وتجنب عبوس الوجه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن البر فقال: "وجه طلق، ولسان لين"، فطلاقة الوجه تدخل السرور على الناس، وتشرح الصدور، وتجلب المودة.
فبحسن الخلق ترتقي بنفسك وولدك الدرجات العلا، والمرتقى الكريم، وذلك بتهذيب أخلاقهم، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (رواه أحمد ).
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
كما يرتبط قرب المسلم من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق، يقول: «إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا» (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه).
ومن هديه- أيضا - صلوات ربي وسلامه عليه: «أكثر ما يُدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق» (رواه الترمذي والحاكم).
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء» (رواه الترمذي)، والبذيء هو الذي ينطق بالفحش ورديء الكلام.
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما - قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقا» (متفق عليه).
وفى التقوى وحسن الخلق حُب:
إن التقوى وحسن الخلق يصلحان العلاقة بينك وبين ربك، وبينك وبين الناس يقول ابن القيم - يرحمه الله -: "جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وربه، والخلق الحسن يصلح ما بينه وبين الخلق، فتقوى الله توجب محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته".
كيف نحسن أخلاق أولادنا؟
أولا: كن لهم قدوة:
يؤكد علماء التربية وعلم النفس أن الإنسان تتشكل شخصيته من الوراثة والبيئة لكنهم يغلبون تأثير البيئة على العوامل الوراثية. أيها الوالد الكريم، اعلم أن أعين أبنائك وبناتك معلقة بك وبوالدتهم، فإن رأت هذه الأعين البريئة منذ تفتحها خيراً سلكت سبل الخير والسلام، وإن رأت غير ذلك حاكته وقلدته منذ الصغر، لذا فقد نجح رسولنا الكريم ﷺ في تربية أصحابه رضوان الله عنهم أجمعين؛ لأنه كان قدوة لهم كما أثبت ذلك رب العزة سبحانه في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].
ثانيا: دربهم على أركان حسن الخلق:
يقول ابن القيم - يرحمه الله -: "حسن الخلق يقوم على أربعة أركان
١- الصبر: يحمل على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم والرفق وعدم الطيش والعجلة.
٢- العفة: تحمل على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والعمل، وتحمله على الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء، والبخل والكذب والغيبة والنميمة.
3- الشجاعة: تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق، والشيم، وعلى البذل والندى، فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها.
٤- العدل: يحمل على الاعتدال على الأخلاق، وتوسطه فيها طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة».
ثالثاً: جنبهم منشأ الأخلاق المذمومة:
يقول ابن القيم- يرحمه الله-: منشأ الأخلاق السافلة يقوم على أربعة أركان، هي:
1- الجهل: يريه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن.
2- الظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضا، ويبخل في موضع البذل، ويلين في موضع الشدة، ويتكبر في موضع التواضع.
٣- الشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة، والجشع، والدناءات كلها.
٤- الغضب يحمل على الكبر والحسد والحقد، والعدوان، والسفه.
فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضاً، كما أن الأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضا.
(انتهى كلام ابن القيم رحمه الله ).
رابعا: دربهم على احترام الناس:
فلقد نجح النبي صلى الله عليه وسلم في تربية غيره، لأنه كان يحترمهم ويقدرهم، كما كان يعلمهم احترام الناس ، فلقد كان يكرم من يدخل عليه، وكان يبسط له ثوبه، ويؤثره بما يملك من طعام وشراب.
وإذا أردنا أن نربي أولادنا على احترام الناس فيجب أن نحترمهم، حتى يتعودوا ذلك منذ طفولتهم، فإذا سلم على الكبار يجب أن يردوا التحية باحترام وتقدير، بل علينا نحن أن نبادر بإلقاء السلام عليه، كما يجب أن نصادق أولادنا، وأن نتحدث معهم بعبارات الود والحب والصداقة، وأن نشاركهم اهتماماتهم، فإن ذلك يعزز ثقتهم بأنفسهم، ويشعرون بقيمة الاحترام، ومن ثم يدفعهم ذلك إلى احترام الناس، وإدراك أصول المعاملة المهذبة.
خامساً: دربهم على ممارسة الأخلاق الكريمة:
ومن أهم هذه الأخلاق الصدق والأمانة والوفاء، وعفة اللسان، والحلم، والكرم، والإيثار والتواضع، وآداب الطعام، وآداب الزيارة، وآداب الطريق وآداب الاستئذان، وآداب التحية والمصافحة والنظافة، والصبر، وشكر الناس ومساعدة المحتاج، وإغاثة الملهوف.
سادساً: علمهم القرآن والسنة والآداب:
فلقد كان سلفنا الصالح يهتم بذلك، حتى الخلفاء والأمراء الذين انشغلوا عن أولادهم بإدارة البلاد، لم يتركوا أولادهم ليضيعوا، إنما كانوا يستقدمون المربين الأفاضل لتربية أولادهم على القرآن الكريم والسنة المطهرة كما كانوا يهذبون أذواقهم ومشاعرهم بدراسة الشعر والأدب والقصص الهادف المؤثر.
سابعا: حذرهم من التردي في سوء الخلق: وبين لهم عاقبة ذلك عليهم في الدنيا والآخرة.
ثامناً: إيجاد وسائل الترفية الهادفة:
بدلاً من الاستماع إلى الأغاني المتميعة، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات الهابطة، لأن ذلك يدمر الأخلاق تدميراً.
تاسعا: ائذن لأولادك بممارسة الرياضة البدنية أو بعض الألعاب الهادفة المسلية، لأن في ذلك تنفيسا عنهم، وإشغالا لهم عن ممارسة الأقوال والأعمال السلبية.
وفي سن التمييز: يرى المربون أن الصبي عندما يبلغ سن التمييز يؤمر بالطهارة والصلاة والصوم، ويتعلم أصول العقائد وحدود الشرع، ويكافأ على الفعل الجميل المحمود، ويمدح أمام الناس، وإن ظهر عليه فعل قبيح مرة واحدة ينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، خصوصا إذا اجتهد الصبي ذاته في ستر هذا العيب، وقد يعاقب عليه سرا دون إسراف في العتاب.
عاشرا: احفظ هيبتك مع ولدك:
ليكن الوالد حافظا لهيبته مع أولاده في الكلام والحركات وهذا لا يتعارض مع كونك صديقاً له، وأن تتلطف معه، ولتحذر الأم أن تخوف ولدها دائما بأبيه، حتى لا يصير مصدر ترويع لابنه، وربما يكرهه وينفر منه.
حادي عشر: أبرز له فضل المعلم والكبار:
فعلى الوالدين إبراز جهود المعلم من أجل ولدهما، والعناء الذي يكابده حتى يعلمه، ومن ثم يوجه الوالدان الابن إلى أن المعلم صاحب فضل، ومن ثم فيجب أن يغض الصوت في حضوره ولا يرفعه، وألا يتثاءب في حضرة معلمه، ولا يضع رجلا على رجل، ولا ينام أو يظهر كسلا وتراخيا في أثناء الدرس، وأن نعلم أولادنا كيف يجلسون في أثناء الدرس وكيف يتحركون، وأن يستأذنوا قبل أن يتكلموا أو يتحركوا ، وأن يقوم لمن هو أكبر منه، ويوسع له المكان.
ثاني عشر وجههم إلى آداب الحوار:
فمن المفيد لأخلاق الولد أن ندربه على مهارات الحوار، وآدابه، فذلك من أصول الأخلاق، حيث تعوده متى يتحدث؟ ومتى يستمع؟ وكيف؟ وأن يجيب على قدر السؤال وأن يحسن الاستماع.
ممارسات ينبغي أن تصحح
رأيت كثيراً من الأسر ترصد ما لها وأعصابها، ووقتها وجهدها، ليتفوق أولادها في التعليم تفوقاً دراسيا ، وأرى أن هذا التفوق ضئيل الأثر إذا لم يستهدف تقويم أخلاق أولادنا، وتهذيب أرواحهم، وربطهم بكتاب ربهم.
"إن القرآن الكريم يأتي أهله يوم القيامة أحوج ما كانوا إليه، فيقول للمسلم: أتعرفني؟ فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا الذي كنت تحب وتكره أن يفارقك، الذي كان يشجيك ويذيبك. فيقول: لعلك القرآن، فيتقدم به على ربه عز وجل، فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه السكينة، وينشر على أبويه حلتان لا تقوم لهما الدنيا - أي لا تساويهما - فيقولان: لأي شيء كسينا هذا، ولم تبلغه أعمالنا؟ فيقول: هذا بأخذ ولدكما القرآن". (جمع الجوامع).
ما أحوجنا - نحن الآباء - أن نستشعر هذه اللغة وذلك الجزاء، كي نُعْنَى بأولادنا وتربيتهم الخلقية أكثر مما نهتم بهم في الأمور الدراسية.
عظيم أن نهتم بتفوق أولادنا دراسياً، لكن اهتمامنا بالتفوق الدراسي دون تزويد أبنائنا بالأخلاق الكريمة نكون قد أهملنا الأصل وركزنا على الفرع.
لذا فقد رغب الشرع العظيم الآباء في إكساب الأولاد الأخلاق الفاضلة، ومن ذلك يقول ﷺ: «ما نحل والد ولداً من نحلة أفضل من أدب حسن». رواه الترمذي)
خطر الإهمال: فكثير من الآباء ينشغل تماماً عن الأولاد، ويهملهم، وما أحوج هؤلاء إلى أن يسمعوا هذا التوجيه النبوي: «أعينوا أولادكم على البر، ومن شاء استخرج العقوق من ولده».
إن مهمة الوالدين لا تقتصر على إلقاء التعليمات، بل ينبغي الاهتمام بتربية الأولاد تربية تشمل جميع جوانب الشخصية العقلية والبدنية والنفسية والاجتماعية والروحية.. فإهمال الوالدين للولد يعود عليهما بالشر والعقوق.
الاهتمام بالولد أكثر من البنت: ففي كثير من الأسر يظن الوالدين أن الابن أولى من البنت في كل شيء، في التربية والدراسة، والإنفاق.. وغير ذلك.. يفعلون ذلك وهم لا يدركون أن الإسلام اهتم بتربية البنت اهتماما خاصا، وشدد النكير على إهمالها، وضاعف الجزاء لمن أعطاها حقها، وأبرز مبررات ذلك، ومنها:
۱- أنها ضعيفة رقيقة المشاعر.
۲- ما تحققه تربيتها من ثمار مباركة تنسحب على الذرية التي تأتي امتداداً لها.
روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وضرائهن أدخله الله الجنة برحمته إياهن».. فقال رجل: وإن بنتان يا رسول الله؟ قال: «وإن بنتان»، قال رجل: وإن واحدة يا رسول الله ؟ قال: «وواحدة». فبناتنا هن أمهات المستقبل، وهي الحاضر الذي يحاربه أعداؤنا فهل أفقنا إلى أهمية ذلك وخطورته ؟! وهل أدركنا الآن لماذا يهتم أعداؤنا بتربية البنت أكثر من اهتمامنا نحن بتربيتها ؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل