العنوان هل أعادت مأساة البوسنة الحياة لحلف الناتو؟
الكاتب نادر عبدالغفور أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1183
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 09-يناير-1996
مأساة البوسنة كانت بوتقة التجارب الَّتي أثبتت أمريكا من خلالها أنها المؤثر الأساسي في الأحداث العالمية.. خاصةً بعد الفشل الذريع للسياسة الأوروبية هناك
تمر دول الاتحاد الأوروبي حاليًا بمفترق طرق خطير قد يهدد مستقبل التحالف على المدى البعيد بالانفكاك والتصدع، وقد بدأت بوادر التصدع في العلاقات الأوروبية بالظهور علنًا خلال مؤتمر القمة الأوروبي الَّذي عقد في مدينة مايوركا في سبتمبر من هذا العام، ويبدو أن هناك اختلافًا شديدًا في وجهات النظر خصوصًا بين ألمانيا وفرنسا بسبب المزاج المتقلب للرئيس الفرنسي المنتخب جاك شيراك الَّذي اتبع سياسة دفاع مختلفة، والَّتي تمثلت في إصرار فرنسا على إجراء التجارب النووية بالرغم من معارضة المجتمع الدولي.
إن انفكاك التحالف الألماني الفرنسي الَّذي يعتبر من أهم دعائم الوحدة الأوروبية يمكن أن يؤدي إلى انشقاق خطير في توجه دول الاتحاد، ويمنع اتحادها على المدى القريب، ولذلك فإن المزاج المتقلب للرئيس جاك شيراك مثل إحدى أهم نقاط الاختلاف بينما تمثلت المشكلة الأخرى في عدم الاتفاق على توحيد العملة الأوربية حسب اتفاقية: «ماستيريخت»، والَّتي نصت على توحيد العملة الأوروبية في نهاية عام ١٩٩٩م.
ويشير بعض المحللين السياسيين إلى أن تأخير الوحدة المالية الأوروبية الَّتي تعتبر من أهم مقومات الوحدة الأوروبية بعد الوحدة السياسية سيؤدي في نهاية المطاف بكل دولة أوروبية خصوصًا ألمانيا وفرنسا إلى سلوك سياسات خارجية وأوروبية مختلفة، مما يؤدي إلى بروز الصراع الأوروبي من جديد بعد غياب دام خمسين عامًا، أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عندها سيصعب إعادة مثل هذه الدول وإقناعها بضرورة الوحدة بعد فشل التجربة الحالية.
وتلقي بعض الدول الأوروبية ومنها؛ النمسا باللوم على الرئيس الفرنسي جاك شيراك، معتبرة إياه المسؤول الأساسي عن الانشقاق بسبب سياسته الدفاعية المتقلبة والبعيدة عن التوجه الأوروبي المتفق عليه، ويدعو التوجه الفرنسي إلى إنشاء اتحاد دفاعي أوروبي بعيد كل البعد عن حلف الناتو الَّذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، ويهدف التوجه الفرنسي إلى إنشاء قوات أوروبية مسلحة لا ترتبط بسياسة حلف الناتو.
أما بريطانيا، والبرتغال فتميلان إلى تحديد أهداف الحلف الدفاعي الأوروبي، ليشمل تعاون دفاعي مشترك بين دول الاتحاد الأوروبي، وترفض الدول المحايدة كالنمسا والسويد سياسة الاندماج العسكري الأوروبي، بينما لا تريد الدول الأوروبية الأخرى أي ارتباط مع السياسة النووية الفرنسية الَّتي ترفضها جميع الدول الأوروبية. ويبدو من هذا أن هناك توجهًا أوروبيًا تقوده وتدعمه حاليًا فرنسا للتخلص من قبضة حلف الناتو، وانتهاج سياسة أوروبية دفاعية جديدة بمعزل عن التأثير الأمريكي، ووجود مثل هذا التوجه كانت له مردودات أمريكية معاكسة؛ إذ إن الولايات المتحدة لا يمكنها بأية حال من الأحوال تقليص قبضتها على محور الأحداث العالمية، ومن جملتها تأثيرها في السياسة الأوروبية.
انتخابات الرئاسة الأمريكية
ومع اقتراب الحملة الانتخابية الرئاسية الجديدة في الولايات المتحدة كان لاَ بُدَّ على الرئيس كلينتون عمل شيء ما، ليثبت للشعب الأمريكي والعالم أن الولايات المتحدة كانت ولا زالت المحور الأساسي في السياسة العالمية، ولهذا فإن مأساة البوسنة كانت بوتقة التجارب الَّتي يمكن أن تثبت من خلالها الولايات المتحدة أنها المؤثر الأساسي في الأحداث، خصوصًا بعد الفشل الذريع للسياسة الأوروبية تجاه البوسنة والَّتي اقتصرت خلال الأعوام الثلاثة الماضية على استخدام قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام بدون وجود مثل ذلك السلام المزعوم.
وتركز السياسة الأمريكية الخارجية الآن على محاور رئيسية ثلاثة:
المحور الأول: استمرار المباحثات التجارية مع اليابان.
المحور الثاني: مباحثات السلام بين العرب و«إسرائيل».
المحور الثالث: التوصل إلى سلام دائم في إيرلندا الشمالية.
ودخل المحور الرابع – مؤخرًا - وهو التوصل إلى حل معين لمشكلة البوسنة تكون فيه الولايات المتحدة الطرف المؤثر على الأطراف المتنازعة، مما سيُمكن من استمرار النفوذ الأمريكي في أوروبا. وتندفع الحكومة الأمريكية الحالية في سباق مع الزمن لضمان نجاح كل أو بعض هذه المحاور الأساسية لزيادة شعبية الرئيس كلينتون وضمان نجاحه في الانتخابات المقبلة، وما توقيع معاهدة السلام الأخيرة بين «إسرائيل» وياسر عرفات في البيت الأبيض إلا مثال واضح على استغلال الأحداث العالمية لدعم شعبية كلينتون.
وقد برز المحور الرابع من محاور السياسة الأمريكية الخارجية من خلال التدخل العسكري الأمريكي المباشر باستخدام مظلة حلف الناتو لضرب بعض قواعد الصرب لإجبارهم على التخلي عن بعض مطالبهم، ومن ثم الضغط على حكومة البوسنة المسلمة للقبول بالمشروع الأمريكي، لكن التوجه سرعان ما اصطدم بالرفض الصربي المستمر والضغط الأوروبي لضمان عدم إنشاء دولة مسلمة ذات كيان مستقل في القارة الأوروبية، لهذا فإن إصرار الولايات المتحدة على الاستمرار بتطبيقها لمشروع السلام في البوسنة والتوجه بإرسال قوات أمريكية إلى المنطقة ما هو إلا حلقة في سلسلة التوجه الأمريكي للإبقاء على حلف الناتو كركيزة أمريكية في أوروبا.
مستقبل حلف الناتو
لعل من أهم توجهات السياسة الأمريكية الخارجية مناقشة موضوع مستقبل حلف الناتو الَّذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة التوسع الشيوعي في العالم، ويربط هذا الحلف دول أوروبا الغربية مع الولايات المتحدة عسكريًا واستراتيجيًا، وكان له أثر فعال إبان الحرب الباردة.
ولعل من أهم الأسباب وراء مناقشة مستقبل الحلف التخطيط لمستقبل أمن أوروبا الغربية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانضمام بعض دول المعسكر الاشتراكي إلى حلف الناتو، وتبعًا للتغيرات العالمية الجديدة يترتب على الإدارة الأمريكية تبرير دعمها المستمر بهذا الحلف بعد اختفاء أثر العدو المشترك وهو الاتحاد السوفييتي، وزيادة المعارضة الأوروبية لهذا الحلف، وهو الرفض الَّذي تقوده حاليًا فرنسا، وفي الواقع لا يوجد حتى الآن أي نوع من الإجماع في الإدارة الأمريكية حول كيفية المحافظة على مصالح الولايات المتحدة في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وبالأخص علاقتها مع حلف الناتو على المدى البعيد، ومما يزيد هذه الصعوبات الانقسام السياسي والهيكلي في بنية الحكومة الأمريكية بعد تسلم الرئيس الأمريكي كلينتون دفة الحكم. فكلينتون الَّذي يمثل الحزب الديمقراطي يسيطر على الإدارة الأمريكية، لكن الكونجرس الأمريكي ومجلس الشيوخ هما بيد الجمهوريين.
وانعكس هذا الاختلاف في وجهات النظر على السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة؛ حيث مرت الحكومة الأمريكية بضعف حيوي في ميدان السياسة الخارجية، وتعرضت لانتقادات حادة من جميع الدوائر السياسية الأمريكية بسبب أدائها الهزيل، وأن الاندفاع المحموم للحكومة الأمريكية في الآونة الأخيرة لإثبات قدرتها على التصرف بالأحداث العالمية يهدف أساسًا إلى تغيير وجهة نظر الرأي العام الأمريكي، وينقسم الكونجرس الأمريكي الَّذي تسيطر عليه أغلبية الحزب الجمهوري إلى مؤيد لديمومة التحالف الاستراتيجي مع حلف الناتو، والرافض لمثل ذلك الدعم المستمر، والانقسام هذا انعكس على ضعف الدعم الأمريكي وحلف الناتو لحكومة البوسنة إلى حد قريب، مما شجع الصرب على ارتكاب أعنف المذابح بحق الشعب البوسني الآمن والَّذي أيدت استقلاله الولايات المتحدة.
التحالف الثابت
وتميل الإدارة الأمريكية إلى الاستمرار في دعم أطروحة حلف الناتو إلى الحد الَّذي أطلق عليه البروفيسور لورنس كابلان -وهو من المؤرخين الأمريكان لتاريخ حلف الناتو- اسم «التحالف الثابت»، وهو تعريف دقيق؛ إذ إن دعم حلف الناتو استمر لفترة أطول مما كان متوقع عند تأسيسه أما أسباب الدعم الأمريكي لحلف الناتو عند تأسيسه فتمثلت في وجود الخطر السوفييتي، وضرورة مقاومة توسع النفوذ الشيوعي في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الناتو كان يعني للولايات المتحدة أمرًا أهم من الخطر السوفييتي، ألا وهو التشجيع على استقرار أنظمة الدول الغربية الأوروبية، وتكريس الهيمنة الأمريكية على القرار الأوروبي، وفي نفس الوقت فإن حلف الناتو كان الذراع الضاربة في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ إن وجود قواعد ثابتة للناتو على أراضي الدول الأوروبية كان يعني إمكانية إرسال هذه القوات الَّتي تقودها القوات الأمريكية إلى مناطق الصراع الساخنة في العالم في أسرع وقت ممكن، واقتنع القادة الأمريكان على مدى أربعين عامًا بفكرة أن الوجود الأمريكي في أوروبا لعب دورًا مهمًا في استقرار أنظمة دول أوروبا الغربية، وحدد علاقاتها مع دول أوروبا الشرقية، وبعد انتهاء الحرب الباردة شكل الناتو إطارًا لتحالف دول أوروبا الغربية مع نظيراتها من دول أوروبا الشرقية بشكل تعاون أو اتحاد تمثل بالوحدة الأوروبية، ويعني ظهور الوحدة الأوروبية انحسار النفوذ الأمريكي في أوروبا. ولكن ذلك لا يعني اختفاؤه تمامًا، وتعتبر الولايات المتحدة أن حلف الناتو هو سفينتها لقيادة العالم، خصوصًا وأن دول الاتحاد الأوروبي كانت تعتمد اعتمادًا حيويًا على القوى العسكرية الأمريكية وقوتها النووية لمواجهة الأخطار الدولية المتوقعة، مما هيأ للولايات المتحدة صوتًا قويًا مؤثرًا على أمن أوروبا ومستقبلها.
هذا السبب يعتبر من الأسباب الرئيسية الَّتي دفعت الرئيس الفرنسي جاك شيراك لانتهاك سياسة نووية مستقلة وهي رسالة موجهة للولايات المتحدة بأن أمن أوروبا النووي يمكن أن يدافع عنه الأوروبيون بمعزل عن الولايات المتحدة، وهذا هو أساس السياسة الديجولية الَّتي ينتهجها شيراك لیبرز دور فرنسا كقوة عالمية يمكنها التصرف والتأثير في الأحداث العالمية بدلًا من اتكالها على الولايات المتحدة، كما تفعل بريطانيا، وركزت المعارضة الأمريكية على فكرة دعم حلف الناتو ماديًا فقط واستبعاد الدعم العسكري، واستفادت الولايات المتحدة من دعمها لحلف الناتو من فرص الاستثمار الَّتي توفرت لها يسبب الدعم الأمريكي العسكري لأوروبا الغربية وشراء المعدات العسكرية الأمريكية، وشكل حلف الناتو أيضًا حلقة ارتباط استراتيجي مباشر بين القوة العسكرية الأمريكية والمبادئ الَّتي تشيعها الولايات المتحدة في قيادتها وسيطرتها على العالم، وتمثل ذلك بشكل تواجد عسكري أمريكي مباشر في السياسة العالمية أو في معالجة التأثيرات الَّتي تطرأ على عملية صنع القرار السياسي الخارجي، واعتمدت السياسة الأمريكية الخارجية على مبدأ دعم الطريقة الأمريكية في الحياة، وهي شعارات لم تطبق في الكثير من الدول الحليفة للولايات المتحدة، وبعد فشل الأطروحة الشيوعية في قيادة العالم وتفكك الاتحاد السوفييتي لم يعد هناك سبب مقنع لاستمرار الدعم الأمريكي لحلف الناتو، وترتيبات الأمن الأوروبي حسب اعتقاد الكثيرين من أفراد الشعب الأمريكي.
إحصائيات أمريكية لبقاء الناتو
وقد أشارت إحدى الإحصائيات الأمريكية الَّتي أجريت في يناير عام ١٩٩٤م إلى أن ٧٣% من الشعب الأمريكي يرغبون ببقاء الولايات المتحدة في الناتو، بينما عارض ذلك ١٥% من الناس، ومع أن تلك الإحصائية أشارت إلى استمرار التأييد الشعبي الأمريكي لدعم حلف الناتو إلا أنه لا يوجد ما يبرر استمرار مثل ذلك التأييد على المدى البعيد، خصوصًا مع وجود أصوات تدعو الحكومة الأمريكية إلى تقليل تدخلها في الشؤون الدولية، وارتفاع الأصوات الأوروبية بضرورة التخلص نهائيًا من قبضة حلف الناتو.
وأشارت نفس الإحصائية إلى أن نسبة ٦٧% من أفراد الشعب الأمريكي يحبذون خفض التدخل الرسمي الأمريكي المباشر في الشؤون الدولية، ويعني ذلك أن مستقبل السياسة الأمريكية نحو الأمن الأوروبي أصبح المحور الأساسي في قلب التوجه الأمريكي لقيادة العالم خصوصًا بعد اختفاء القوى العالمية المضادة، إذ يمكنها التدخل المباشر عبر مظلة الناتو، وهي المظلة الأوروبية، ولم يظهر على الحكومة الأمريكية الحالية حتى الآن الرغبة أو الاستعداد أو المقدرة على توفير قيادة عالمية بنفس المستوى الَّذي كانت عليه إبان الحرب الباردة، ويبدو أن الولايات المتحدة فقدت حماسها واستعدادها إلى بذل الأرواح والأموال في سبيل أهداف دولية، وبدأت تسلك الآن سلوكًا أطلق عليه بعض المحللين السياسيين اسم الردع الذاتي فيما يتعلق بالقضايا الدولية، أي أنها تردع نفسها عن استخدام القوة العسكرية المباشرة لحل الأزمات السياسية وهي سياسة بدأت منذ تسلم الرئيس كلينتون زمام الحكم، وتبلورت في السياسة الأمريكية الحالية تجاه الرئيس العراقي صدام حسين، وصرب البوسنة.
لكن هذه السياسة بدأت تتخذ جانبًا مغايرًا بعد أن أصبح مستقبل حلف الناتو والنفوذ الأمريكي في أوروبا في خطر، ويعتقد بعض المحللين الغربيين أن عدم تقييم الحكومة الأمريكية الحالية لأهمية التحديات الأمنية الأوروبية يعني تهديد مستقبل النظام الأمني العالمي، والمناقشات الأخيرة حول مستقبل حلف الناتو أشارت إلى عدة توجهات محتملة، ويقول بعض المتخصصين من وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن التحالف زمن السلم ضمن الناتو يعتبر توجه فعال على المدى القريب حتى في حالة عدم اعتباره حل جذري على المدى البعيد.
ويقول آخرون إن الروس لا يعلمون ماذا يريدون حتى الآن، ولذلك فإن أحسن حل هو عدم اتخاذ أي قرار في الوقت الحالي حتى يتضح الموقف الروسي من حلف الناتو، وأمن أوروبا.
ويقول رأي ثالث أنه لا يوجد أي خطر روسي محتمل على بولندا والدول الأوروبية الشرقية الموجودة في مركز أوروبا، وأن توسيع الناتو قد يعرض المصالح الغربية للخطر بسبب عدم وضوح الموقف الروسي حاليًا، وتصر بعض الدول الأوروبية على منح عضوية الناتو للدول الَّتي أصبحت جزءًا من الاتحاد الأوروبي.
هذه التوجهات المختلفة قد ترضي أولئك الذين يرغبون في تأخير توسيع الناتو لكنه يعارض من قبل أولئك الذين يرغبون في توسيع حلف الناتو بسبب فوائده الذاتية.
توجه بیل کلینتون
أما توجه الرئيس الأمريكي كلينتون فهو توسيع حلف الناتو، والاستجابة لرغبة روسيا بالانضمام للحلف مستقبلًا، وضمن هذا السياق يدرس الآن بعض المختصين اقتراح لتشكيل هيئة استشارية داخلية ضمن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، أو «إس. سي. أي»، وهي الاسم الجديد لمؤتمر الأمن والتحالف الأوروبي، وهدف الهيئة هو توجيه المنظمة، وزيادة دور روسيا في ترتيبات الأمن الأوروبي.
واقترح وزير الدفاع الأمريكي وليام بيري تشكيل وكالة استشارية بين الناتو وروسيا لتوفير هيكل رسمي لعلاقة الناتو بروسيا مستقبلًا واعترف وزير الدولة الأمريكي السابق هنري کسینجر بمشكلة التوازن بين الاقتراحين المتناقضين وهما الخوف من إبعاد روسيا عن المعادلة الأمنية الأوروبية، وخطر خلق فراغ سياسي في أوروبا الوسطى بين ألمانيا وروسيا. ويعتقد كسينجر أن الناتو يجب أن لا يراوغ في مسألة التوسع، ويجب أن لا يسعى نحو منح عضوية إلى دول جديدة مرشحة، واقترح كسينجر تشكيل معاهدة أمنية بين الناتو وروسيا يتبلور فيها موقف الناتو على تشجيع التعاون الأمني، وليس المواجهة مع روسيا أو دول أخرى في أوروبا، وفي هذه الحالة يجب على دول حلف الناتو قبول مسألة تحديد حركة القوة العسكرية للناتو على أراضي الدول الأعضاء الجدد، ويجب أيضًا تشكيل هيئات استشارية خاصة جديدة بين الناتو وروسيا..
أما بريجينسكي فيميل إلى الرأي القائل إن على الناتو إما التوسع أو الانتهاء إلى الأبد، ويميل بريجينسكي إلى توسعة الناتو بسبب العلاقة التاريخية الَّتي تربط الولايات المتحدة بهذا الحلف، وتأكيد دور الولايات المتحدة في مستقبل أوروبا. وقد صرح بذلك في مقال له نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في ۲۸ ديسمبر عام ١٩٩٤م. ويبدو من هذا التدخل الأمريكي العسكري من خلال حلف الناتو في البوسنة كان إشارة واضحة لتأييد الوجهة الأمريكية للإبقاء على حياة حلف الناتو بالرغم من معارضة بعض الدول الأوروبية، ويعني هذا أن البوسنة كانت أول امتحان حقيقي لأطروحة الإبقاء على حياة حلف الناتو أو الانتهاء منه إلى الأبد، ويوجد الآن توجهان رئيسيان في السياسة الأمريكية تجاه حلف الناتو:
التوجه الأول: يدعم استمرار التحالف الأمريكي الأوروبي ضمن الناتو.
التوجه الثاني: يميل إلى انعزال الولايات المتحدة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا بسبب الظروف العالمية الحالية.
ويطرح بعض الخبراء آراء حول الخيارات الَّتي يمكن أن تقع ضمن هذين الرأيين المتناقضين الخيار الأول يقول إنه إذا لم ترغب الولايات المتحدة في أن تلعب دور الشرطي في العالم لكنها تؤمن أن مصالحها ومبادئها تتطلب المحافظة على درجة من الانتظام في النظام العالمي الجديد، فيجب عليها في هذه الحالة أن تبتكر طرق للتعاون مع دول أخرى لحماية النظام الجديد أي مصالحها الاستراتيجية، لكن مبدأ التعاون المشترك قد يفشل عندما تتطلب الحاجة إلى استخدام الحل العسكري عند عدم التخطيط له مسبقًا، ونظريًا فإن ذلك يفتح الباب على مصراعيه للعديد من الخيارات السياسية، لكن الدول الَّتي تمتلك قابلية التعاون مع الولايات المتحدة هي دول حلف الناتو أساسًا، وهناك خياران أساسيان لحل مستقبل الناتو:
الخيار الأول: خيار الأمم المتحدة والعمل تحت غطائها، مما يضعف من أهمية حلف الناتو.
أما الخيار الثاني: فهو الخيار الأوروبي لتوسعة الناتو، لكن الحلف لم يثبت جدارته بعد انتهاء الحرب الباردة في حل الخلافات الأوروبية، وعلى رأسها مشكلة البوسنة.
وقد أشار ألان جوبيه -وزير الخارجية الفرنسي- إلى هذا الفشل عندما ذكر بأن مشكلة البوسنة برهنت على ضرورة بناء دفاع أوروبي يُعتمد عليه بعيدًا عن الناتو والضمانات الأمريكية لدعم مصالح السياسة الخارجية الأوروبية، ويعني ذلك عدم اعتماد أوروبا مستقبلًا على الولايات المتحدة للدفاع عن المصالح الأوروبية.
إن بروز هذا التوجه الجديد الَّذي تدعمه فرنسا نحو تشكيل أوروبا موحدة ذات حماية داخلية ربما سيجذب الكثير من الأوروبيين والأمريكان على حد سواء، ولكن أوروبا لا يمكنها تجاوز الخلافات المتعلقة بسياساتها الخارجية وتوجهاتها لتلعب دورًا مهمًا في تلك المعادلة. ويبدو أن الخيار الأمثل للمصالح الغربية هو استمرار التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وحليفاتها في الناتو، بالرغم من وجود الاختلافات في التوجهات السياسية الأمنية والخارجية بينهما، ويبدو أن التوجه يشتمل على اجتناب المواجهة بين الناتو والأمم المتحدة فيما يتعلق بالسيطرة الميدانية على العمليات العسكرية الَّتي تجري في أوروبا أو دول العالم، وهناك تركيز أيضًا على الجانب الاستشاري بين الناتو وروسيا فيما يتعلق بمسألة الأمن الأوروبي والتأكيد على الدور الروسي المستقبلي في حماية أمن أوروبا، بالإضافة إلى ذلك فإن هناك توجهًا جديدًا نحو تشكيل اتفاق للتعاون الأطلسي، وهو اقتراح طرحته بعض الدول الأوروبية ومن ضمنها بريطانيا لوضع أساس للتعاون الأمريكي الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، هذا التوجه لا يستبدل حلف الناتو، وإنما يطوقه بإطار أوسع للمرحلة الجديدة، ويوفر هذا التوجه واسطة للاستشارة والتعاون الأمريكي الأوروبي المشترك ويساعد للقضاء على بعض المشاكل الَّتي تخلق بسبب عدم وجود بعض دول الوحدة الأوروبية في الناتو، وقد يؤدي هذا الإطار حسب اعتقاد بعض الباحثين إلى نقل النظام العالمي الجديد بعيدًا عن عالم الحرب الباردة، ونحو حقبة جديدة من النمو الاقتصادي والديمقراطي لضمان الأمن والاستقرار في أوروبا لضمان مصالح الغرب على المدى البعيد.
والسؤال الآن هو: هل نجحت الولايات المتحدة من خلال تدخلها العسكري المباشر في البوسنة من إعادة الحياة لحلف الناتو؟ أم أن الحلف في طريقه للانتهاء والاستبدال بحلف جديد؟
الأيام القادمة ستجيب عن هذه الأسئلة..