العنوان المجتمع التربوي.. العدد 1882
الكاتب محمد حامد عليوة
تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009
مشاهدات 58
نشر في العدد 1882
نشر في الصفحة 50
السبت 26-ديسمبر-2009
التضحية على طريق الدعوة (١-٢)
الدعوة إلى الله من النعم الظاهرة على بعض عباده في زمن قل فيه العاملون وكثر فيه القاعدون عن نصرة الدين
التضحية بالنفس والمال والوقت في سبيل الله واجب لا فكاك منه إذا كان لا بد منها لدفع الضرر عن المسلمين
أكرمنا الله سبحانه وتعالى بنعمة الإيمان، ومن علينا بنعمة الإسلام وأرسل إلينا خير رسول أرسل وأنزل فينا خير كتاب أنزل، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس؛ نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، كما أنعم علينا سبحانه بنعمة الأخوة في الله في زمن طغت فيه الأثرة والأنانية وحب النفس وتغليب المصلحة الفردية، هذه النعمة العظيمة التي لو يعلم الملوك وأبناء الملوك مانحن فيه من خير بسببها لجالدونا عليها بالسيوف.
ومن نعم الله الظاهرة على بعض عباده نعمة الدعوة إلى الله والعمل لدين الله في زمن قل فيه العاملون وكثر فيه القاعدون عن نصرة الدين والدعوة إليه بإحسان ونعمة الدعوة فضل من الله واصطفاء منه سبحانه لبعض عباده، رغم أنها واجب على الجميع كل في ميدانه ومجاله امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨)، فكل من يتبع رسول الله وجب عليه أن يدعو إلى الله.
ولأن الدعوة إلى الله نعمة وفضل من الله وجب على العاملين المجاهدين شكر هذه النعمة، حتى تدوم عليهم ولا يحرمون منها ومن فضلها ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:٣٣)، والشكر كما ذكر العلماء له عدة أوجه، هي:
۱- شكر اللسان: بأن يداوم الدعاة والعاملون بتذكر هذه النعمة وشكر المنعم بها سبحانه وتعالى، والتي لولاها لحرموا من خير كثير، وبذلك يضمنوا مع هذا الشكر بقاء النعمة، بل وزيادتها بكثرة العمل والجهد في سبيل الله.
۲- شكر الجنان: بأن يستشعر الأخ المسلم بقلبه أثر هذه النعمة عليه، وأنها كانت سببا وراء خروجه من دائرة السكون والعجز في هذه الحياة إلى دائرة العمل والفعل والحركة والتأثير والنفع.
٣- شكر الجوارح والأركان: بأن يضاعف أهل الدعوة من جهودهم في سبيل نشرها ونجاحها، فلا يركنون فيعطونها فتات أوقاتهم، ومن شكر الجوارح مضاعفة البذل والجهد والتضحية في سبيل رفعتها، فتجد الأخ الشاكر على نعمة الدعوة لا يهدأ له بال ولا تلين له عزيمة إلا وهو يجد دعوته مزدهرة منتشرة يلتف حول لوائها الناس.
التضحية على طريق الدعوة
من هنا كانت التضحية في سبيل الدعوة ببذل النفس والوقت والمال وكل شيء في سبيل الغاية، وفي ظلال هذه المعاني عاش صحابة رسول الله ﷺ ومن سار على نهجهم من الدعاة والمخلصين، فقد كانوا يحيون لدعوتهم وبدعوتهم، تراها في قلوبهم وتملأ عليهم حياتهم، يحملون همها وينشغلون بها، ويضحون من أجلها، ومما يطمئن المؤمن ويدفعه للبذل والتضحية أن ما يفعله لا يضيع بل يقابل بالإحسان وأعظم الجزاء ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: ٣٩).
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (آل عمران: ١٥٧)، وإن أي شيء يبذله المسلم يؤجر عليه سواء كان صغيرا أو كبيرا، وقد ساق الإمام «البنا» في هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ۞ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ٢٠-٢١).
إن كل ما يقدمه المرء من تحمل للجوع والعطش والألم والتعب والخطوات التي يمشيها من أجل الدعوة، والتي تغيظ أهل الكفر والطغيان، وكل ما يسهم به من أجل نصرة الإسلام قليلا أو كثيرا صغيرا أو كبيرا يحفظه الله لعبده ولا يضيع ويقابل الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
مفهوم التضحية
كلمة التضحية في اللغة: مصدر للفعل ضحى، يقال: ضحى بالشاة ونحوها، أي ذبحها في الضحى يوم عيد الأضحى ويقال : ضحى بنفسه، أو بعمله، أو بماله: أي بذله دون مقابل (المعجم الوجيز من المفهوم يتضح أن الذي يضحي بوقته أو بماله أو بنفسه في سبيل غاية عظيمة ومقصد نبيل لا ينتظر مقابلا إلا رضا الله سبحانه وتعالى.
ورحم الله الإمام البنا وهو يتحدث في ركن التضحية فيقول: أريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل، ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُم بأن لَهُمُ الجَنَّة﴾ (التوبة: ۱۱۱)، ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٢٤)، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (التوبة: ١٢٠)، ﴿فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مَن قَبْلُ يُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٦)، وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم «والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».
شرعية وأهمية التضحية في سبيل الله: إن التضحية بالنفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الله قد تكون واجبا لا فكاك منه، إذا كان لا بد منها لدفع الضرر عن المسلمين أو رد عدو عن أرضهم وقد تكون التضحية مندوبا إليها ومستحبة عندما لا تكون واجبة، وقد طالب الإسلام المسلمين بالتضحية في سبيل الله ووعد بالجزاء عليها أحسن الجزاء.
قال تعالى: ﴿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١١١).
ولما كانت الدعوة لا تحيا إلا بالجهاد ولا جهاد إلا بتضحية، فقد وجبت التضحية وحرم القعود والبخل ولحق صاحبه الإثم فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قيل لكم انفرُوا في سبيل الله انا قلتُم إِلى الأَرْضِ أرضيتُم بالحياة الدنيا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدنيا في الآخرة إلا قليل۞ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبُكُمْ عذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدل قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٨-٣٩)، وقال تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سبيل الله فَمِنكُم مَن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلُ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨)، ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٦)، ولقد أدرك الإمام الشهيد هذه المعاني، وعلم العاقبة الوخيمة التي تنتظر القاعدين، ومن هنا أعلن بكل قوة وصراحة: أن من قعد عن التضحية معنا فهو آثم».. فكيف لا وقد توعدهم الله ووصفهم بالفسق، كما توعدهم بالعذاب الأليم والاستبدال أكثر من مرة.
بين التضحية والجهاد
يعلق الأستاذ سعيد حوى يرحمه الله حول هذا المعنى فيقول: «هناك فارق إلى حد ما بين الجهاد والتضحية، فأحيانا يتطابقان وأحيانا يتكاملان، ولذلك اعتبرهما الأستاذ الإمام البنا ركنين، فقد يجاهد المجاهد حتى إذا جاء دور بذل الروح تردد، وقد يجاهد المجاهد بالوقت ويضحي بالمال، ولكنه لا يضحي بالحياة، ومن ثم أدخل الأستاذ البنا التضحية بالنفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في هذا الركن، إنه حيث وجد جهاد وجد نوع من التضحية، غير أن الجهاد الكامل لا يكون إلا إذا وجدت تضحية كاملة وإن ميزان هذا الركن هو أن يبذل الإنسان نفسه وماله ووقته وحياته من أجل تحقيق الأهداف في سبيل الله».
ملامح الشخصية المجاهدة المضحية وقد حدد الإمام البنا ملامح الشخصية المضحية المجاهدة على طريق الدعوة حيث قال: أستطيع أن أتصور المجاهد شخصاً قد أعد عدته، وأخذ أهبته، وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام على قدر الاستعداد أبدا، إن دعي أجاب وإن نودي لبي، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته، يجاهد في سبيلها، تقرأ في قسمات وجهه وترى في بريق عينيه وتسمع في فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزيمة صادقة وهمة عالية وغاية بعيدة.
من هنا وجب على العاملين أن يشمروا عن سواعدهم، وأن يتخففوا من أثقال هذه الدنيا، وأن يعيشوا حياتهم عزيزة كريمة من أجل قضية كبيرة وغاية عظيمة، وأن يعلموا أن نجاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة مرهون بما قدموه لدينهم ودعوتهم. قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل.
معان تربوية
في أسماء السور القرآنية.. الجمعة والكهف والإسراء والحشر وسبأ وقريش
- «الجمعة» رمز لليوم الذي شرف الله به المسلمين وللفظ «آمين» الذي وهبنا الله إياه كمفتاح السر لإجابة الدعاء
- الحشر عبرة لإخراج الله لليهود من ديارهم كنموذج لطردهم ثم حشرهم يوم القيامة ثم طردهم من رحمته سبحانه وتعالى
- «الكهف» رسالة تطمئن النفس المؤمنة عندما تتعرض لما يبعث على الرعب والخوف وتؤكد أن الله يرسل البلاء ومعه الرحمة سور «المؤمنون، والمنافقون، والكافرون» توعية للمسلمين بانقسام البشرية إلى أهم ثلاث صفات: إيمان وكفر ونفاق
- سور غافر وفاطر والرحمن والأعلى تبعث في النفس الرجاء في الرحمة والمغفرة مع الخوف والرهبة من معصية من يملك هذه الصفات
- «سبأ وقريش» عبرة من دراسة التاريخ والجغرافيا حيث سكنت الأولى اليمن وذاقت وبال أمرها وعمرت الثانية مكة فأمنها الله من الخوف
بقلم: أ. د. محمد بديع ([1])
هذه خواطر ملكت علي نفسي في ظروف صعبة وساخنة قال عنها الأستاذ سيد قطب يرحمه الله: «إن هذا القرآن نزل في جو ساخن ولا يفهم إلا في مثل هذا الجو الساخن الذي نزل فيه».
قد تستغرب الربط الذي بين هذه الموضوعات، ولكن إذا رجعت إلى سورة الإسراء، وأنها أيضًا سورة «بني إسرائيل» فستجد نفس الدرس، إن الحديث في سورة الإسراء عن الإسراء هو في الآية الأولى من السورة فقط، ثم حديث طويل عن بني «إسرائيل»، بل إن درس المعراج هو قرين الإسراء في ليلة واحدة، ذكر في سورة أخرى هي سورة النجم، أما درس الإسراء وعلاقته بـ«بني إسرائيل» فدرس مستقل حتى لا يختلط الفهم على الأمة وتنتبه إلى مراد ربها منها وتستقبل تخويفه سبحانه للأمة بما يناسبه من الاهتمام، وما كانت كل المصائب التي حلت بالأمة الإسلامية إلا بسبب عصيانها لأوامر ربها عز وجل ورسوله ﷺ أو اقترافها لنواهيه وغفلتها عن مكر أعدائها.
سورة الجمعة: قد تكون يا أخي في قراءتك لكتاب الله قد توقفت عند عنوان اسم السورة، ثم وجدت أن الحديث فيها قد بدأ بتنزيه الله مصدر كل القوى والقدرة والعلوم والنعم، ثم حديث عن أمة الإسلام بأجيالها ثم حديث عن «بني إسرائيل»، وإظهار أهم نقاط ضعفهم وهو الخوف من الموت، ثم تنبيه على أهمية صلاة يوم الجمعة، ثم الحذر من أن تلهينا التجارة واللهو عن الصلاة، وقد تكرر بني إسرائيل في القرآن كثيرا من جميع زوايا قصصهم، وليس أدل من ذلك على الصراع بينهم وبين المسلمين واستمراره حتى يتم للمؤمنين النصر عليهم.
نعود إلى سورة الجمعة .. إلى اليوم الذي شرفنا الله به، وما حقد علينا «بنو إسرائيل» إلا بسبب منحنا يوم الجمعة اليوم المبارك في الأسبوع، وكذلك للفظ «آمين» الذي وهبنا الله إياه كمفتاح السر لإجابة الدعاء على لسان المصطفى ﷺ هبة من ربه لأمته: «ما نفست عليكم يهود أي ما حقدت كما نفست عليكم في يوم الجمعة وآمين».
والتحذير من الانشغال بالدنيا عن العبادة؛ لأن هذا ما أهلك «بني إسرائيل»، واستوجب لعنتهم، وهم الآن أساتذة في فنون جمع المال من حله وحرمته بكل صور التجارة المباحة والمحرمة، وكذلك كل صور اللهو التي أوصلت الأمة إلى التفسخ والانحلال والفجور، فكان ختام السورة بالتحذير العلاجي الناجع وستلاحظ أخي المسلم أن ختام سورة «المنافقين» قدم العلاج أيضًا من نفس الباب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تلهكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ (المنافقون)، هذا هو علاج النفاق، وهذا ما يجب أن تنتبه له يا أخي من مداخل الشيطان وجنود الشيطان وعلى رأسهم اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا.
سورة الحشر
تحدثت ليس عن حشر يوم القيامة كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن عن إخراج الله لليهود من ديارهم كنموذج لطردهم، ثم حشرهم يوم القيامة، ثم طردهم من رحمة الله، ولذلك ركزت الآية على اليقين في وعد الله ووعيده بينما الواقع وأغلب الظن لا يبشر بذلك لا عندنا ولا عندهم ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر:٢) لأن ما شاء الله كان حيث لم يحتسبوا وهم الذين يحسبون حسابا لكل شيء، ويضعون السيناريوهات لكل الاحتمالات.
سورة الكهف
اسم يبعث على الرعب والخوف فهو عبارة عن مغارة بتعبيرنا الدارج، ولكن لو بحثنا عن الإلهام الإلهي: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ (الكهف:١٦)، لوجدناه يطمئن النفس المؤمنة بأن الله لطيف لما يشاء يرسل البلاء ومعه التخفيف والرحمة.
وقد كنتُ بهذا الشعور وأنا في السجن وأحس أنها رسالة إلى كل من حبس في كهف الظلم يوما تخاطبه. كيف كان حالك مع ربك في أسرك وكهفك المظلم؟ ألم تشعر بأن هذه الخلوة الإجبارية بيد الظلمة كانت إنقاذا لك من دوامة الحياة التي كانت لا محالة ستبتلعك لولا لطف الله بك؟ فكنت كمن يريد أن يصلح عيوب سيارته ومركبته وموصلته إلى غايته، وهي نفسك التي بين جنبيك، ولكنك لا تستطيع لأن محركها دائما في سخونة من طول الاستعمال ودوام الدوران فلا تستطيع إصلاحها إلا عندما تتركها تبرد، ثم تفصل بين مكونات أجزائها لتصلح كل جزء على حدة، ثم تعيد تركيبها واستخدامها بصورة أفضل وأأمن، أو كمن يريد أن يراجع حساباته وما له وما عليه في تجارته الواسعة، فهيهات له ذلك، وأنى يقدر عليه وهو في بيع وشراء صباحا ومساءً، فإذا أراد ذلك وكان حريصا عليه وجب عليه وقف البيع والشراء وإغلاق المحلات وجلب الدفاتر وبدء مراجعة الحسابات وجرد الواردات والمصروفات.
انظر إلى ما فعل الله بك، إنه قد نبهك إلى لحظات الامتحان، وسحب أوراق الإجابة ذكرك بالقبر وضمته والحساب وشدته ودقته ثم أمهلك وقتا إضافيًا بعد أن ظننت أنه لا مرجع ومآب بعد إغلاق هذا الباب. بل تعال واكتب بخط يدك : ألم تشهد بنفسك على نفسك أن الله وأنت في كهفك قد نشر لك من رحمته ونور دعوته وأفاء عليك من أجره بمجرد النية، وقد حبسك العذر؟ ... ثم ألم تشهد بنفسك على نفسك : كيف كانت الملائكة أولياءك في الحياة الدنيا، وهيأ الله لك من أمرك رشدًا في أهلك ومالك؟ سأترك لك البقية لتكتب بخط يدك ما وجدته عند خروجك من محبسك مما أفاء الله عليك، ومما لم يكن لك فيه أدنى فضل أو يد، وأنت جنين في رحم السجن يرزقك ربك من غير حول منك ولا قوة.
صفات وأسماء الله في أسماء سور
القرآن الكريم
سورة غافر، وسورة فاطر، وسورة المعارج ﴿مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ (المعارج:٣)، وسورة الملك، وسورة النور، وسورة الرحمن وسورة الأعلى.
كلها تبعث في النفس الخوف والرهبة من سلطان الله عز وجل وأنه مالك الملك والملكوت، وفي نفس الوقت تبعث في النفس الرغبة والرجاء في الرحمة والمغفرة والهداية والنور، وبهذا تطير النفس في الدنيا بجناحي الخوف والرجاء حتى تلقى ربها ربًا كريمًا رحيمًا ودودًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلَ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم:٩٦)، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: ٩٠).
ويحتاج الأمر منك إلى التعرف على ربك حق المعرفة، وأن تقدره حق قدره، خذ كل يوم اسما من أسماء الله الحسنى التي هي طريقك إلى الجنة، وعش مع هذا الاسم واجعل بينك وبينه رابطةً خاصة وعلاقة حميمة تزيدك قربا من ربك، لتكون مقتديا بحبيبك الذي كان خلقه القرآن يوصله إلى ربه، وليكن لك من أسماء سور القرآن التي تحدثك عن أسماء الله الحسنى حظا وافرا ترى أثره في صلتك بالقرآن وصلتك برب القرآن.
سور: المؤمنون المنافقون – الكافرون المؤمن (غافر) – الإنسان– الناس
كلها سور تحمل أسماء تقسم البشرية إلى أهم ثلاث صفات إيمان وكفر ونفاق، وسورة عن المؤمن خاصة تكريما لهذا النموذج المذكور وشجاعته وتضحيته وإعلانه للحق لا يخشى في الله لومة لائم، ثم سورة الإنسان عن الإنسان عموما، وسورة الناس عن الإنسانية عموما وعلاقتها بالشيطان، ولكن لكل اسمٍ منها مدلولا تربويا، وداخل السور درس خاص نعرضه في حينه بإذن الله.
سورة الصافات – الذاريات – المرسلات - النازعات
أسماء سور تتحدث عن أعمال ومهام الملائكة المكلفة والموكلة بهذه الواجبات والأوامر الإلهية، وقد اختلف في الذاريات: هل هي الرياح أو الملائكة؟ على قولين، ولا يفوتني أن أذكر أن سورة الصافات تحدثت عن الملائكة داخلها أنها الصافات وأنهم الصافون لإبطال زعم الكفار ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف).
وتذكر دائما أن الملائكة أحباؤك الذين يعرفونك ولا تعرفهم، إنهم خلق نوراني يحبون الصالحين ويرافقونهم في كل حركة وسكنة، ويحفظونهم من أمر الله، وينزلون على القلب بالتثبيت وفي الأزمات بالفرج وفي المعارك الإيمانية بالنصر ومما يزيد حبنا لهم أنهم يداومون على الاستغفار لنا من ذنوبنا ويديمون الدعاء لنا بألفاظ علمهم إياها رب العزة، وأخبرنا بها في كتابه الكريم، ولولا مشيئته بقبول الدعاء من الملائكة لنا ما أذن لهم وما أخبرنا وما أعلمهم، وما أعلمنا بالآتي: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر:٧).
وهم الذين وكلهم الله بالأرزاق لكل الخلق، وفي النهاية هم الذين يتوفون أعداءك وظالميك، وينتقمون لك منهم بأمر الله، وهم الذين سيكونون في الترحيب بكم في الجنة ويحملون إليكم السلام من ربكم السلام سلام قولا من رب رحيم (2) (يس).
أسماء سور: فصلت والفرقان والقدر
أسماء لها ارتباط بالقرآن الكريم في حديث التسمية مثل سورة باسم الفرقان فهذا معنى جميل ومما يزيده جمالا نزوله في ليلة قدر، وهو تكريم له قدره في ليلة لها قدرها لكتاب كريم له قدره مخاطبا به رسول الله ﷺ صاحب الدرجة العالية الرفيعة في شهر رمضان الذي له قدره، فهذا هو القدر كل القدر.
أما فصلت فهو فعل مبني لغير الفاعل وفاعله هو الله عز وجل، يكفيها أنه سبحانه الذي فصل لنا آيات القرآن الكريم مع إحكامها حتى يسهل لنا وعلينا: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر:١٧).
أسماء سور: الحجر والأحقاف
ذكر أسماء جغرافية لأماكن معروفة شهدت أحداثا دعوية، وهذا لفت للأنظار إلى أن البحث الجغرافي للتعرف على حال من سبقونا في التاريخ يؤكد العبرة والدروس ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ۞ وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الصافات: ١٣٧-١٣٨)، (أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ۞ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ۞ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ۞ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ۞ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ۞ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ۞فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ۞ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ۞ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ) (الفجر:٦-١٤)، إنذار بالمرصاد لكل الطغاة والجبابرة والمستكبرين في الأرض إعلام للمؤمنين الصابرين الثابتين بسنن الله التي لا تختلف ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود:٨٣).
أسماء سورة سبأ وقريش
أسماء قبائل عاشت في أماكن محددة وفي تواريخ معلومة، فتكمل دراسة الجغرافيا بالتاريخ العبرة، فسباً قبيلة كانت تسكن اليمن عند سد مأرب المعروف حاليا، وهي التي كفرت بنعم الله وطلبت الشقاء والتعب ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (سبأ:١٩)، ولما ظلموا أنفسهم وما ظلمهم الله ولكن عاقبهم بحرمانهم من نعمه التي كانوا يتمتعون بها من لدن رب غفور يعفو ويصفح ولكنه لمن يتمرد عليه ويتبطر على نعمه شديد العقاب: ﴿نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۞وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ﴾ (الحجر:٤٩-٥٠)، ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ:١٧)، ولما جعلهم الله سلفًا ومثلاً للآخرين أصبح المثل الشائع عنهم وعن أمثالهم فرقتهم أيدي سبأ».
أما قريش فاسم القبيلة الأم في مكة ولو كانت قريش تدرك شرف ذكر اسمها في القرآن ما تخلف منها واحد عن الدخول في الإسلام الذي أكرمهم باسم سورة من سور قرآنه، وهم ما زالوا أحياء وسيبقى ذكرهم واسمهم ما بقي القرآن، وكذلك في سورة من الله عليهم بما تعودوه والفوه طيلة حياتهم من رحلتي التجارة في الشتاء والصيف لتأليف قلوبهم وتوطيد روابطهم ومن عليهم بعد ذلك بوجود البيت الحرام في حمايتهم شكلا، وهم في حمايته موضوعا وعلى الحقيقة ورب البيت هذا هو الذي أطعمهم ويطعمهم، وهو الذي يؤمنهم من خوف وإن كانوا هم الذين يؤمنون الزائرين ويجيرونهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل