العنوان السلوك الصهيوني ما بعد الهدنة.. بين الخروقات والاشتراطات التعجيزية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 30-أغسطس-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1566
نشر في الصفحة 22
السبت 30-أغسطس-2003
منذ اليوم الأول تواصلت خروقات شارون السماح لليهود بتدنيس ساحة الأقصى.. استمرار التصفية والاغتيالات.. المساومة على قضية الأسرى.. مواصلة بناء الجدار الفاصل
الخطة الصهيو- أمريكية الجديدة لتصفية المقاومة تقوم على: إقامة مشروعات وتقديم مساعدات ترفع شعيبية أبو مازن تجريد حرب شاملة على فصائل المقاومة بقيادة دحلان
تتفق جميع الآراء على أن حكومة السفاح شارون، لم تلتزم تنفيذ الشروط الواردة في مبادرة الهدنة، خصوصًا وقف الحصار والاغتيالات والإفراج عن جميع الأسرى.
وقد اختلفت الرؤى حول تزايد الخروقات الصهيونية للهدنة مثل: السماح لليهود والسياح بدخول الحرم القدسي والمساومة في قضية الأسرى واستمرار العمل في الجدار الفاصل وتواصل مسلسل الاغتيالات لقادة وكوادر المنظمات الفلسطينية وكان آخرها الجريمة البشعة باغتيال المهندس إسماعيل أبو شنب أحد أبرز قادة حماس فذهبت بعض الآراء إلى أن شارون يهدف من وراء ذلك إلى تفجير الهدنة، وإعاقة التقدم نحو المسار السياسي، فيما رأى آخرون أن خطورة الممارسات الصهيونية لا تتوقف عند هذا الحد بل تتجاوزه إلى أهداف صهيونية عبر عنها القادة الصهاينة صراحة، وتتمثل في الضغط على حكومة أبو مازن المشاركة الجيش الصهيوني في الحرب على المقاومة، وفرض الحل الصهيوني على هذه الحكومة والذي يقضي بأن الدولة الفلسطينية ستقام في غزة، أما الضفة الغربية فهي جزء من الكيان الصهيوني، حسبما طرح سلفان شالوم وزير الخارجية الصهيوني، وبذلك تكون مرحلة ابتلاع الضفة قد انتهت واكتملت لتبدأ بعدها مرحلة ابتلاع غزة والإجهاز عليها.
وقد بدأت الخروقات الصهيونية استباقًا لمبادرة الهدنة عندما أعلن «شارون» أمام الكنيست أن خريطة الطريق لا تمنع الكيان الصهيوني من الاستيطان، وأن بناء المستوطنات سوف يستمر في سرية وبهدوء.
والمعروف أن المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية تقرر التزامًا على الكيان الصهيوني وقف الاستيطان وإخلاء النقاط غير القانونية، والتي يبنيها المستوطنون دون إذن من الحكومة وليست التي تقام على أراضي محتلة، ولكن الأمريكيين والصهيونيين أعلنوا أن تنفيذ هذا الالتزام يتوقف على تنفيذ ابو مازن، لالتزاماته بوقف ما أسموه الإرهاب والتحريض بطريقة قابلة للبرهان والقياس، وقامت حكومة السفاح شارون» بإخلاء بعض النقاط الهامشية بعد قمة العقبة، تشجيعًا الحكومة أبو مازن على الوفاء بما التزم به، فيما تقول حركة السلام الآن الصهيونية إن نقاطًا كثيرة تم بناؤها في تلك الأثناء، وأن البناء مستمر في خدمة المستوطنات الضخمة في الضفة وغزة وحول مدينة القدس.
وفي الوقت الذي اشترطت فيه المقاومة الفلسطينية في قرارها بالهدنة أن يوقف الكيان الصهيوني، جميع أعمال القتل والاغتيال والتوقف عن اقتحام الأراضي الفلسطينية والإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين فقد واصلت قوات الصهاينة عملياتها العدوانية دون توقف.
وفي السياق نفسه سمح الكيان الصهيوني لليهود والسياح الأجانب بالدخول إلى الحرم القدسي وهوا الأمر الذي كان يتم بصورة فردية منذ وقوع المدينة المقدسة تحت الاحتلال ١٩٦٧، ولكن الزيارات الاستفزازية كانت دائمًا تؤدي إلى أعمال عنف وأهمها زيارة شارون للحرم القدسي والتي كانت سببًا رئيسًا في اشتعال الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر ۲۰۰۰م، وتعتبر المقاومة أن هذه الإجراءات استفزازية -خصوصًا قرار السماح الذي يشمل مجموعات كبيرة من اليهود والسياح- مثل العصب الحساس الذي يمكن أن ينفجر في أي وقت ويجدد أعمال الانتفاضة.
ومن الخروقات الصهيونية أيضا ما يتعلق بقضية ۱۰-۸آلاف أسير ومعتقل فلسطيني في سجون الاحتلال واشترطت مبادرة الهدنة إطلاق سراحهم وتشكلت بعد اجتماع شارون -أبو مازن- الذي انعقد عقب إعلان الهدنة برعاية مستشارة الأمن القومي الأمريكي «كونداليزا رايس» لجنة الأسرى للبحث في هذه القضية، ويرفض الصهاينة الإفراج عن جميع الأسرى، خاصة المنتسبين لحركتي حماس والجهاد والحركة الشعبية، وقد أفرجوا بالفعل عما يقرب من ٦٠ معتقلًا وأسيرا وأعلنت الحكومة الصهيونية أنها بصدد إعداد قوائم من ١٥٠٠ اسم تتضمن الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء يهود، ويستعدون لتوقيع تعهدات بعدم المشاركة في أعمال المقاومة.
ويواكب هذه الخروقات عملية اغتصاب يومي للمواقع البيئي بل وطبيعة البلاد ذاتها عبر بناء الجدار الفاصل، والذي بدء في تشييده ٢٣ يونيو ۲۰۰۲م، ويبلغ طوله ١٠٠٠ كم متر وتبلغ المرحلة الأولى سنة ١٤٨كم ويرتفع عن الأرض ٢٥ قدمًا، وسمكه 5 أقدام وهذا الجدار يحجز غربه ٩٦٥٠٠ دونم، يفصلها عن الضفة الغربية، كما تأكل التواءاته ٦٥٥٠٠ دونم أخرى، إضافة إلى ١١٤٠٠ دونم تضيع عبر عملية بناء الجدار ووضع العوائق التي تمنع الوصول إليه، وهذا الجدار لن يؤدي إلى اقتطاع المزيد من الأراضي المحتلة وابتلاع أجزاء أخرى فقط، وإنما سيحول أي كيان فلسطيني إلى بانتوستان يغلق الكيان الصهيوني بوابته متى شاء.
ولم تتوقف طبيعة الممارسات الصهيونية عند هذا الحد، بل إنها سعت منذ وقت مبكر، خصوصًا بعد احتلال العراق، وتنصيب الحكومة الفلسطينية الجديدة إلى وضع شروط يصفها الفلسطينيون بأنها «تعجيزية»، وقد ظهرت في البداية في التعديلات الصهيونية على خطة الطريق الأمريكية وأهمها: حل البنية التحتية لما يطلقون على «الإرهاب» وأن يعلن الفلسطينيون الجدد، أن الكيان الصهيوني دولة يهودية، وتفريغ خطة الطريق من أي مضمون يحقق منفعة للفلسطينيين.
وتكررت هذه الشروط في قمة العقبة مقابل وعود أمريكية وصهيونية بتقديم تسهيلات توقف إذلال الشعب الفلسطيني ثم وقت الإعلان عن الهدنة، حيث صرح شاؤول موفاز، وزير الدفاع الصهيوني أن الاختبار الحقيقي للسلطة الفلسطينية سيأتي عندما تنتقل من مرحلة صد الإرهاب إلى مرحلة اجتثاث بنيته التحتية، وأننا أوضحنا هذه النقطة لمستشارة الأمن القومي الأمريكي «كونداليزا رايس».
وهذا يعني أن الجانب الصهيوني يربط بين تحقيق تقدم في إعادة الانتشار وقضية الأسرى ووقف الحصار وبين إقدام حكومة أبو مازن على نزع أسلحة المقاومة، وهو ما تأكد أثناء اجتماع شارون» و «أبو مازن الذي تلا الإعلان عن الهدنة بوقت قصير، حيث رد شارون» على مطالب فلسطينية، خاصة بوقف العنف الصهيوني بالقول: لا تسوية مع الإرهاب، وسنواصل محاربته حتى الهزيمة المطلقة، يضاف إلى هذا أن شارون، أعطى نفسه الحق في تقدير ما إذا كان أبو مازن، والجانب الفلسطيني قد وفي بالالتزامات أم لم يعن بها.
بعبارة أخرى إن واشنطن والكيان الصهيوني يصران على أن تكون الأولوية لتفكيك حركات المقاومة وهو ما يعكس أن خطة الطريق الأمريكية تحولت إلى خطة «بوش» و«شارون» التي تعطي الأولية للأمن على السياسي وتنفيذ الأمني من جانب الفلسطينيين، وعدم التلازم في تنفيذ الالتزامات من الجانبين مع رفض الالتزام بمواعيد محددة من جهة، وتبين أن الدافع الحقيقي لها هو المحافظة على الاحتلال، وفرض الحل الصهيوني الذي يفرغ القضية من كافة الحقوق الفلسطينية المشروعة.
ونظرًا لحاجة الكيان الصهيوني للتعاون الأمني فإنه لا يسعى في الوقت الحالي لنسف أو ركن خطة بوش- شارون المعروفة باسم خريطة الطريق خصوصًا وأنها فشلت في القضاء على المقاومة والانتفاضة اللتين تسببت في إلحاق خسائر فادحة بأمن واقتصاد الصهاينة، ويعمل حاليًا بالتفاهم والتعاون مع الإدارة الأمريكية في رسم وتجريب خطة شاملة للقضاء على حركات المقاومة، وذلك بعد أن وضعت المقاومة الفلسطينية واشنطن والكيان الصهيوني في الزاوية بإعلان الهدنة مما حرمهما من حشد حكومة أبو مازن والعديد من الأجهزة الأمنية في المنطقة في حرب شرسة على حركات المقاومة، ثم وضعت حكومة شارون نفسها في مازق باغتيال المهندس الشهيد إسماعيل أبو شنب فقد اغتالت الهدنة وقضت عليها تمامًا.
وتقوم الخطة الأمريكية- الصهيونية الهادفة إلى تصفية المقاومة على مرحلتين:
الأولى: فترة إعداد يتم فيها بناء جهاز أمني فلسطيني قوي مع استئناف التعاون الأمني، وكذلك تقديم مساعدات اقتصادية لإقامة مشروعات بديلة في المناطق المحتلة تعمل على رفع درجة شعبية «أبو مازن» من ناحية وإبعاد الناس عن المؤسسات التي تديرها حركة حماس من جهة أخرى.
الثانية: تقضي حسب التخطيط الصهيوني بإعلان حرب شاملة بمعاونة العقيد محمد دحلان وزير الشؤون الأمنية الفلسطينية على فصائل المقاومة لنزع سلاحها، وتفكيك بنيتها العسكرية والاجتماعية وتحويلها إلى أحزاب سياسية لا تملك إلا الكلام والتصريحات.
ويستغل الصهيونيون القدرات التفاوضية المحدودة لدى القادة الفلسطينيين الجدد والعلاقات المتولدة معهم في تبرير هذه الخروقات والمساومة على بعضها. بالرغم من أنها تهدف إلى ضرب مقاومة الشعب الفلسطيني، ومن ثم فرض الحل الصهيوني في التسوية.
وفيما يعملون بهدوء على تكثيف الوجود اليهودي حول الحرم القدسي والسماح لليهود والسياح بالدخول إليه فإنهم يبررون استمرار الاغتيالات التي قلت وتيرتها، وكذلك استكمال البناء في الجدار الفاصل بأنه من مقتضيات الحفاظ على الأمن الصهيوني، وفي الوقت نفسه يساومون في قضية الأسرى على غرار تجربة أوسلو عندما رفض الصهاينة إطلاق أكثر من ١٥٠٠ أسير فلسطيني بحجة ضلوعهم بقتل يهود، حيث يكررون نفس التجربة من خلال رفض إطلاق 8 آلاف أسير ومعتقل فلسطيني وتحدثوا في لجنة الأسرى التي تشكلت بعد اجتماع شارون- أبو مازن عن استثناء أسرى حماس والجهاد والشعبية من الإفراج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل