العنوان ضوابط في العمل الدعوي (۲): حفظ العلم والإنصاف في التعبير
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 939
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
• ابن تيمية: لم يوجب النزاع العلمي تقاطعًا
أو تهاجرًا بين علماء الأمة.
في العدد الماضي
نشرنا الجزء الأول من الموضوع القيم «ضوابط في العمل الدعوي» لفضيلة الشيخ جاسم
مهلهل الياسين حيث تحدث فيه عن الضابط الأول «العلم درع من تحصن به حفظ ومن أخذ به
حاز قصب السبق وارتفع». وفي هذا العدد يتحدث فضيلته عن الضابطين الثاني والثالث
وذلك كما يلي:
الضابط الثاني:
2. يُحفظ العلم بتكريمه، ووضعه في مكانه:
يتحرك الداعية
إلى الله بين الخلق بما عنده من كتاب وسنة فما يقوم بتبليغه لا يتعدى ما قام به
الأنبياء عليهم السلام فهو أمر عظيم لا بد من إنزاله منزلَه.
قال ابن القاسم:
عليك بأعظم مدائن الأندلس فانزلها ولا تنزل منزلًا يضيع ما حملت من علم(1).
ولبقاء قيمة
العلم في النفوس اسمع هذه الحادثة. قال أحمد أخو ربيع: كنا إذا جلسنا مع والدي،
وخطر في باله شيء من العلم، قام من مكانه يبحث بين يدي ربيع ابنه فيقوم ربيع إليه
ويقول: لم فعلت هذا؟ فيقول: أردت أن أسألك عن شيء من العلم. فيقول: وهلَّا وأنت في
مكانك؟ فيقول: أردت أن أعطي العلم حقه(2). وهذا القاضي أبو بكر الطيب يذهب رسولًا
من قبل عضد الدولة إلى ملك الروم بالقسطنطينية فلما وصل مدينة الطاغية وعُرف به
وبمحله من العلم، فكر الطاغية في أمره وعلم أنه لا يركع له إذا دخل عليه- كما جرى
رسم الرعية أن يقبِّل الأرض بين يدي ملوكها- فرأى أن يضع سريره، وراء باب لطيف، لا
يمكن أن يدخل أحد منه إلا راكعًا، ليدخل القاضي من ذلك الباب.
فلما رآه القاضي، تفكر وأدار رأسه، حتى جعل رأسه
راكعًا، ودخل من الباب يمشي مستقبلًا الملك بِدُبره، حتى صار بين يديه، ثم رفع
رأسه، ونصب ظهره، ثم أدار وجهه إلى الملك حينئذ، فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة
في قلبه(3).
وإعطاء العلم
حقه يحفظ صاحبه من الانزلاق. ذكر أبو ميسرة أحمد بن نزار أنه بينما هو يتهجد ليلة
من الليالي، ويبكي، ويدعو إذا بنور عظيم خرج له من حائط المحراب ووجهه كالبدر،
فقال له: تأمل في وجهي، يا أبا ميسرة، بأني ربك الأعلى. فبصق في وجهه وقال له:
اذهب يا ملعون فعليك لعنة الله.
الضابط الثالث:
الإنصاف في التعبير يستلزم ذكر الأصول والفروع:
من المعروف أن
أهل السنة عندما يُطلقون تسمية أصول الدين على العقيدة يريدون بذلك تشريف العقيدة،
وبيان عظيم مكانتها، وسمو منزلتها في هذا الدين ولا يقصدون بذلك أن كل مسائل
العقيدة أصول بل إن فيها الفروع أيضًا. وكذلك عندما يطلقون على المسائل العملية
«الفروع» فإنهم لا يقصدون أن كل مسائلها فروع بل فيها الأصول وفيها الفروع.
فالأمور الجليلة الكبيرة من العقيدة والفقه: أصول. والأمور الخفيفة من العقيدة
والفقه: فروع. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن المسائل الخبرية قد تكون
بمنزلة المسائل العملية وإن سُميت تلك «مسائل أصول» وهذه «مسائل فروع» ... فإن هذه
تسمية مُحدثة، قسمها طائفة من الفقهاء، والمتكلمين، وهي عند المتكلمين والأصوليين
أغلب لا سيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة. ثم قال رحمه الله: فالعلم
بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم
بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وإن القرآن كلام الله،
ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة. ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع
عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر. ثم في بيان أن مسائل الشريعة ليست على وتيرة
واحدة من حيث القطعية والظنية وما يترتب على ذلك من جواز الاجتهاد فيها من عدمه،
يقول رحمه الله: وقولنا إنها- أي المسائل الخبرية قد تكون بمنزلتها- أي المسائل
العملية- يتضمن أشياء منها: إنها تنقسم إلى قطعي وظني. ومنها: إن المصيب وإن كان
مأجورًا، فالمخطئ قد يكون مذنبًا وقد يكون فاسقًا وقد يكون المخطئ في الأحكام
العملية سواء. لكن تلك لكثرة فروعها، والحاجة إلى تفريعها: اطمأنت القلوب بوقوع
التنازع فيها، والاختلاف بخلاف هذه، لأن الاختلاف هو مفسدة لا يُحتمل إلا لدرء ما
هو أشد منه. ثم يبين رحمه الله سبب إنكار الناس للخلاف في المسائل الخبرية وعدم
إنكارهم في المسائل العملية في قوله: ولما دعت الحاجة إلى تفريع الأعمال وكثرة
فروعها، وذلك مستلزم لوقوع النزاع اطمأنت القلوب فيها إلى النزاع، بخلاف الأمور
الخبرية، فإن الاتفاق قد وقع فيها على الجملة، فإذا فُصلت بلا نزاع فحسن، وإن وقع
التنازع في تفصيلها فهو مفسدة من غير حاجة داعية إلى ذلك. «الفتاوى 6/57».
مثال واضح:
ولتوضيح ما ذكرنا ننقل هذا النص: قال شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والذي أوجب هذا «رسالته إلى أهل البحرين وحديثه هم
عن مسألة رؤية الكفار ربهم» إن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم،
حتى ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في «رؤية
الكفار ربهم» وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد. فالأمر في هذا
خفيف، وإنما المهم الذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أن المؤمنين يرون ربهم في الدار
الآخرة في عرصة القيامة وبعدما يدخلون الجنة على ما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى
الله عليه وسلم عند العلماء بالحديث. ثم قال رحمه الله: فبالجملة فليس مقصودي بهذه
الرسالة الكلام المستوفى لهذه المسألة، فإن العلم كثير، وإنما الغرض بيان أن هذه
المسألة ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها، وإيقاع ذلك إلى العامة
والخاصة حتى يبقى شعارًا ويوجب تفريق القلوب وتشتت الأهواء. وبعد ذلك ذكر جملة مما
كان عليه السلف رضوان الله عليهم من اختلاف في هذا النوع من المسائل فقال: ليست
هذه المسألة فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة، فإن الذين تكلموا فيها قبلنا
عامتهم أهل سنة واتباع، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا. كما اختلف
الصحابة رضي الله عنهم والناس بعدهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في
الدنيا، وقالوا فيها كلمات غليظة، كقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «من زعم
أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفِرية»(4) ومع هذا فما أوجب هذا النزاع
تهاجرًا ولا تقاطعًا، وكذلك ناظر الإمام أحمد أقوامًا من أهل السُّنة في «مسألة
الشهادة للعشرة المبشرين بالجنة» حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات، وكان أحمد
وغيره يرون الشهادة، ولم يهجروا من امتنع من الشهادة إلى مسائل نظير هذه كثيرة(5).
(1) الفتاوى
(6/56)
(2) نفس المرجع
57.
(3) الفتاوى
6/485 ثم بدأت بعد ذلك تذكر الأدلة من شيخ الإسلام حول موضوع رؤية الله من قبل
المؤمنين.
(4) البخاري
3234، مسلم 177.
(5) الفتاوى
(6/502).