; الشهيد سيد قطب.. رجل فكر سليم وعقيدة صافية | مجلة المجتمع

العنوان الشهيد سيد قطب.. رجل فكر سليم وعقيدة صافية

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1977

مشاهدات 65

نشر في العدد 370

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 11-أكتوبر-1977

 

  • سيد رجل الفكر والحركة: 

إن هناك خطًا رئيسيًا اعتمده الشهيد في عامة كتبه، وإن سبق قولنا في تقديم أعمدة كتبه أنها لم تسر في خط واحد، فلا نعني الخط المتميز الذي سار عليه، وإنما التفاوت في دقة الأفكار، ودليل ذلك أن المعالم - بما أنه في النهاية- يمثل النضج الفكري لديه، أما الخط الفكري الذي نعنيه فهو أن هناك كفر وإسلام ، وأن الجماعة المسلمة تواجه لونًا واحدًا من المجتمعات، مهما اختلفت شاراته وعناوينه وأشكاله، فهو الكفر والجهل، ما دام بعيدًا عن شرع الله سبحانه، وتطبيق تعاليم الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-. 

وعليه فقد جاءت كتابات الشهيد توجيهًا للجماعة المسلمة في قيامها، وتكوينها ومواصفاتها، وموقفها من ركام الجاهلية، ومواجهتها للأحداث، وتتضح لنا حقيقة نهج المجاهد الشهيد بأن قدم موضوع العمل الإسلامي ووعي هذا العمل، قدمه بصياغته في قوالب قاعدية، فالأمر عنده لما له من أهمية جاء مبرهنا مفصلا، وامتد هذا الخط عن الشهيد متوزعا في كافة كتاباته، إلا أنه جاء متناسقًا في كتابه الأخير- المعالم- وإن كان كتاب -هذا الدين- قد رسم ميزات هذا الدين ولزوم العمل به، غير أنه لم يكن ك- المعالم- قوة في رسم خطة العمل، والقيام بإشادة صرح الدعوة إلى الله سبحانه، ويعد سيد بحق رجل التجديد في الفكر الإسلامي لصياغته في مفاهيم عملية مقنعة، وذلك من خلال توكيده على ضرورة قيام الجماعة المسلمة، فجاء عرضه لأفكار الدعوة وازعًا قويًا، يحمل القوة والصدق والإيمان لدى الشباب المسلم في قيامه بالدعوة إلى الله سبحانه، فكان أن بيّن -رحمه الله- ورضي الله عنه: 

  • الصورة الكاملة للجهاد بتبيان مراحله، واصلًا به إلى النهاية، من كونه قضية تحرير مفروضة على الأمة المسلمة لنشر دين الله سبحانه، فهو ليس حمية ولا عصبية ولا دفاعًا، وإنما هو إقدام على من شذوا عن طريق الحق، واغتصبوا حقا لله سبحانه، بتحكيم شرائعهم دون شرعه سبحانه، وإقامة للعدل ونشرًا للحرية، فلا بد من قصم كل متطاول؛ لأن الأرض لله سبحانه، ولا بد أن يسود عليها شرعه العادل الحكيم.
  • إن هذا الدين لا يتحقق إلا بجهد البشر، لا بكونهم مسلمين وحسب، ومن الأدلة القاطعة في ذلك ما حدث في غزوة أحد، وقد أجلى هذه الحقيقة في الفصل الأول من كتاب- هذا الدين- 
  • القرآن هو الكتاب الأول والأخير، زائدًا عليه هدي الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- كشرح وإيضاح، وإن هذا الكتاب هو المنهج وهو الدستور، لذلك فقد رتب الكاتب الشهيد -رحمه الله- تفسيره -الظلال- قائمًا على هذا الأساس.
  • اعتمد جملة من المفاهيم بربطها بالتصوير الإسلامي، مؤكدًا ذلك بعيشه وانغماسه لمدركات وأبعاد كتاب الله سبحانه ولحياة المجتمع الإسلامي الأول، فكان من ذلك ربطه لمفهوم جنسية المسلم بالعقيدة، دونما تقيد بالأرض أو القوم أو المصالح أو ما شابه مما يصطلح عليه البشر، وربطه لمفهوم الحضارة بالإسلام، فلا حضارة بدون الإسلام، كذلك ربطه لمفهوم الثقافة بالتصور الإسلامي، وتمتد نظرة أسلمة الحقائق والمفاهيم في عامة التعامل البشرى الإنساني. 
  • قدم الدعاة زادًا طيبًا كفيلًا بأن يحقق آمال المسلمين بإقامة المجتمع الإسلامي في ظل شرع الله سبحانه، ويخضد شوكة الأعداء- كل الأعداء- أيًا كانوا، فكان أن بين لهم أخيرًا -رحمه الله- مفهوم الاستعلاء، مذكرا بالشواهد الحية بمواقف الإيمان بموقف مؤمني نجران من أصحاب الأخدود. 
  • إن ما قدمناه لا يعتبر الإتيان على كافة المفاهيم التي طرحها الشهيد، وإن كان- سالف الذكر- الطائفة الكبيرة التي تمثل خطه الفكري المتميز إذ لم يكن عليه من ضير مهما خالف بالرأي الآخرين غير حافل بتضارب ما ذهب إليه مع أي من المفكرين، ما دام قد قدم البرهان والدليل، لا قولا مجردًا، وإنما عملًا حيًا فهو يكتب معاينًا كل ما تنزف به المحنة من إيذاء وألم وتعذيب.  
  • إن الخطوط الأساسية لنهج الشهيد -رحمه الله- قد أبان عنها في الفصل الأول من المعالم، باعتبار أن كلماته جاءت موجهة للجماعة المسلمة، تلك التي تكون نقطة البعث الإسلامي، منطلقة لتحقيق شرع الله سبحانه، لذلك يؤكد الشهيد أهمية عملية البعث الإسلامي بقوله- أنه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق- ولا بد لهذه الطليعة التي تعزم هذه العزيمة من- معالم في الطريق- معالم تعرف منها طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعا، أين تلتقي مع الناس وأين تفترق؟ ما خصائصها هي وما خصائص الجاهلية من حولها؟ كيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها؟ ثم تعرف من أين تلتقي- في هذا كله- وكيف تلتقي؟ ص ٩ وينطلق بنا الشهيد بعد هذه السطور ليؤكد مصدر هذه الطليعة، فتؤخذ العقيدة والتوجيهات والسلوك من القرآن الكريم، ويناقش قضية تؤكد هذا المصدر، في الفصل الثاني- جيل قرآني فريد من كونه المنبع الذي ربى الجماعة المسلمة الأولى فيقول- كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن، القرآن وحده، فما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهديه إلا أثرًا من أثار ذلك النبع- كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون ويتكيفون به، ويتخرجون عليه، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة، ولا ثقافة ولا علم، ولا مؤلفات، ولا دراسات، كلا فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها، ومثلها حضارة الفرس والهند والصين، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة، فلم يكن إذن عن نقص في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده، وإنما كان ذلك عن تصميم مرسوم، يدل على هذا القصد غضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد رأى في يد عمر -رضي الله عنه- صحيفة من التوراة، وقوله: « إنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم، ما حل له إلا أن يتبعني» كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤشر آخر غير المنهج الإلهي، الذي يتضمنه القرآن الكريم- ١٣-١٤، يطرح الشهيد قضية منهجية القرآن حتى تحقق في كيان الفرد مراد مطالب القرآن ساحلًا على عتبة إسلامه كل ماضيه في الجاهلية، محاولًا أن تنغرس في ذات الفرد العزلة الشعورية؛ كي تمده بقوة احتفاظه بالحق وقوة اتصاله بالناس، داعيًا إياهم لأن يسيروا في صفه لرفعة دين الله سبحانه، وكي يتم الانخلاع الكلي من واقع الجاهلي يوضح الشهيد طبيعة هذا الواقع، فيقول:" نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية، تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما تحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية..  ص ۱۸ ويوضح أن استقامة قيم الإسلام في نفوسنا تكون بالتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية، وهكذا تتساوق العبارات مترابطة الحلقات: بما يريده منا القرآن، بالتخلص من الضغوط الجاهلية، وإن مهمتنا الأولى تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه الذي يصطدم اصطداما أساسيا بالمنهج الإسلامي، وإن أول الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، إن الشرارة التي يطلقها الشهيد في نفس الداعي إلى الله لإدراك محيطه المعاش- تصل إلى قمة التحميس بعدم اللقاء مع منهج المجتمع في منتصف الطريق، مع إدراك ما سيلاقيه الداعي من متاعب وتضحيات، وتكون هذه الكلمات السالفة بداية التوجيه لطليعة البحث الإسلامي، حيث ينتقل بعدها تفصيل مصدر الجماعة المسلمة، مبينًا طبيعة المنهج القرآني في تكوينه الجانب الفكري والجانب الحركي، مؤكدا أنه كتاب الدعوة، فعلى أساسه قام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشيرا ونذيرا، وعلى حياضه كانت التربية لم تكن على جمع الكلمة على مبدأ العرق والنسب باعتبار أنهم عرب، ولم تكن الوحدة على أساس غلبة الطبقة الضعيفة وهي الأكثر على الطبقة الغنية من السادة، بل حتى لم تكن بإهدار المفاسد الخلقية مع أنها كذلك، وإنما كانت الدعوة بهذا- الكتاب وبه وحده؛ لأن الله أراد ذلك سبحانه وتعالى، وكان بيان الشهيد في هذا الفصل بعد كلمات جيدة حاسمة في تركيز العقيدة، كما أنه أوضح المفهوم الحركي للإسلام، بأنه دين يتعامل مع الواقع لا مع الفروض، وهو ما ذهب إليه بأنه ليس مجرد نظرية- كما يطرح ما يدس به للدعاة كعائق أمامهم في تحقيق دين الله من المناداة بتطوير الفقه الإسلامي، وكل ذلك من جملة المفاهيم التي يسير تباعا في تقديمها في كتابه المعالم- وكي تتبدى الصورة المثلى التي طرحها في الفصل الثاني، وناقش وجودها في الفصل الثالث - طبيعة المنهج القرآني- لذلك جاء ذلك الفصل الرابع- نشأة المجتمع المسلم وخصائصه، تطبيقا لما ذكره سابقا، وذلك أنه صور كيف أن المصطفى عليه الصلاة والسلام ربى العصبة الأولى على تركيز عقيدة الإيمان بالله وحده وربط كل متعلقات الحياة والسلوك بهذه العقيدة، وهو في ذلك - الشهيد- يدفع بالجيل المسلم لأن ينهج ذات نهج نبيه -صلى الله عليه وسلم- وكي يتحقق هذا المجتمع المنشود جاء الفصل الخامس؛ حافزا لتثبيت القاعدة الصلبة، فكان موضوع الجهاد قضية كبيرة أثارها الشهيد بأسلوب جديد، معطيا للدعاة الصورة الحية في نشر دين الله سبحانه، وأن الدفاع عنه لا يكون بحصر قوة الإسلام للحفاظ على الأرض وحسب، وإنما الجهاد إقدام لتحرير النفوس والأملاك للرب، وما أدق كلمات الشهيد في الموضوع، فهي استلهام لآيات وأحاديث الجهاد، وأنه ماض إلى يوم القيامة، وعليه فقد عد القول بدفاعية الجهاد في الإسلام قول المهزومين روحيا وفكريا، أو المخدوعين من حيث لا يدركون حقيقة ما يذهبون إليه، وتأتي الفصول التالية في الكتاب لتقرر مفاهيم فكرية وحركية، إما أن تكون توكيدا لما سبق، أو طرح قضية تعزز مفاهيم الدعاة من طليعة البعث الإسلامي، وتصحيح المسير الطويل، وعليه فقد جاء الفصلان السادس والسابع لا إله إلا الله منهج حياة- وشريعة كونية يؤكدان المنهج العقيدي الجازم أما الفصل الثامن -الإسلام هو الحضارة- فهو مفهوم جدد للحضارة بأنها الإسلام، ولا حضارة بدونه، والذي يستوقف النظر هنا أن تعبيرات الشهيد لم يبنها على المصطلح التاريخي أو العلمي، وإنما بناها- مع وعي مدلولها اللغوي- على التصور الإسلامي، فالجاهلية كما تعرف في الاصطلاح التاريخي بأنها الفترة التي سبقت الإسلام، وإن الحضارة حسب الاصطلاح المعروف تعني التقدم، وتختلف تلك النظرة عند كاتبنا الجليل لا جهلا بها - فحاشا له، وإنما تجاهلا ، فتكون عنده الجاهلية تحكيم أي شرع دون شرع الله، والحضارة هي الإسلام، والإسلام فحسب، كذلك الفصلان التاسع والعاشر يطرح بهما مفاهيم جديدة من ربط الثقافة بالتصور الإسلامي، وأن جنسية المسلم عقيدته، والجميل في هذا الفصل كثرة الأدلة التي تغرس في نفس المسلم أنه لا نسب إلا في العقيدة، أما الفصول الثلاثة الأخيرة- نقلة بعيدة- استعلاء الإيمان- هذا هو الطريق- فإنها  تجتمع في غرس مفهوم المفاصلة والثبات.

 تلك لفتات سريعة خاطفة مررنا خلالها على فكر المجاهد الكبير الشهيد سيد قطب -رحمه الله- وأنها بحق تمثل التجديد في الفكر الإسلامي، كما تمد الدعاة بزاد العمل الصحيح الرتيب الذي سار عليه سيدنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تكوينه لطليعة الإيمان، وقد خط الشهيد كلماته بأقوى ما تكون من ممارسة الداعي المسلم مما لا يجعلها جديرة بأهمية الاطلاع على كتابه وحسب، وإنما يكون من اللازم على الدعاة لدين الله سبحانه أن يتبينوا تلك الخطوط التي رسمها الشهيد بخلاصة فكره الناضج الذي عاش تجربة معاناة الواقع الأليم، وتجربة المحنة القاتلة، فكانت تلك الكلمات التي تعتبر تصحيحا لأفكار الدعاة إلى الله، ويمكننا أن نختصر القول في اتجاه الشهيد الفكري الحركي بأنه:

  • بنى فكره على العقيدة مركزًا على المصدر الأول القرآن الكريم.
  • أشاح قناع الأضاليل عن زيف الجاهلية بكل ما لها من بريق.
  • وضع مفاهيم حركية جديدة منها مثلا: القاعدة الصلبة، العزلة الشعورية، الحاكمية، الاستعلاء، جنسية المسلم، الإسلام هو الحضارة، الثقافة معتمدة على التصور الإسلامي.
  • إضافة إلى كونه قد ضرب المثل القاطع على صدق اتجاهه، فكان قدوة خير وأسوة حق وعالم من أعلام الإسلام المجاهدين 

وبعد.. 

فهذا ما أمكن أن يصاغ في فكره وحركته، أما كونه رجل عقيدة صافية وما له وما عليه، كي نتبين كيف أنه جيل شامخ وقمة سامقة، لا يطاولها إلا من وقف ذات الموقف الذي وقفه العلامة الشهيد، فنسأل الله سبحانه أن نفيد من هذا الفكر القيم السليم، وأن يكون لنا زادا في الطريق الطويل، أما كونه رجل عقيدة وما له وما عليه- كما سبق القول- فهذا ما سيكون من نصيب القسم الثالث في الكتابة عن الشهيد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

132

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

قرأت لك..

نشر في 101

82

الثلاثاء 23-مايو-1972

وحوار بنَّاء بين أخوين