; حرية الإنترنت في قبضة زوار الفجر! | مجلة المجتمع

العنوان حرية الإنترنت في قبضة زوار الفجر!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003

مشاهدات 58

نشر في العدد 1535

نشر في الصفحة 26

السبت 18-يناير-2003

 

  • بوليس للإنترنت.. والضحايا من شتى ألوان الطيف.. جواسيس.. طلاب.. وسياسيون.
  • بريدك الإلكتروني دليل إدانة.. وإدارات أمنية للتعامل مع الجرائم الإلكترونية.
  • البرلمان المصري أقر قانونًا يسمح بالتنصت على الاتصالات ويمنع التشفير.

احترس وأنت على الإنترنت، فقد تجد نفسك في نهاية المطاف خلف أسوار السجون بعدما بدأت أجهزة الأمن في العديد من الدول تراقب الاتصالات وتعدل القوانين بما يسمح بمعاقبة من يستخدم الشبكة العنكبوتية فيما يضر الأمن العام أو حرية الآخرين!.

فلم يعد الإنترنت واحة الحرية البعيدة عن رقابة الحكومات كما هو متصور، ولم يعد الساحة التي يمكن من خلالها للمحرومين من التعبير أن يعبروا عن آرائهم بعدما أصبحت هناك أجهزة أمنية إلكترونية حكومية ودولية تتابع ما ينشر فيه وتسعى لإغلاق مواقع ومنتديات حوار حرة.

ولم يعد الإنترنت أيضاً ساحة للعربدة وإرسال الرسائل البذيئة أو السب والقذف أو المعاكسات بعدما قضت محاكم دولية بتتبع من يقومون بذلك حتى لو سعى البعض للاختباء وراء الشبكة العنكبوتية باسم مستعار وهوية مجهولة فإن ذلك صار أمراً يسهل كشفه عبر تتبع مصادر الرسائل الإلكترونية والتنصت عليها ومعرفة صاحبها.. والأمثلة على ذلك كثيرة!

فقد قررت محكمة أمن الدولة العليا في مدينة أسيوط (جنوب مصر) عقد جلسة قضائية يوم ١٥ يناير ۲۰۰۳ لمحاكمة مدرس لغة إنجليزية قبطي يدعى عصام حنا وهبة بتهمة نشر أخبار كاذبة، وشائعات مغرضة في الخارج من شأنها الإضرار بالمصالح القومية للبلاد، كما ورد في قرار الإحالة إلى المحاكمة الذي أعدته نيابة أمن الدولة بعدما نسب لوهبة بثه شائعات عن تعرض حياة السفير الأمريكي في مصر للخطر!

والقصة باختصار- حسبما نشرت الصحف- أن (وهبة) بعث برسالة إلكترونية لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) تتضمن الادعاء أن حياة السفير الأمريكي في مصر ديفيد وولش معرضة للخطر إذا قام بزيارة مدينة أسيوط يومي ١١ و ١٢ من ديسمبر ۲۰۰۲ حسبما كان مقرراً سلفاً.

ولأن الرسالة تعد من قبيل الشائعات التي تضر الأمن وسبقها تعرض ركب السفير لحادث عارض أثار الجدل حول ما إذا كان السفير مستهدفاً أم لا، فقد كان الاهتمام بالرسالة الإلكترونية من قبل الأجهزة الأمنية المصرية جاداً.

وترتب على هذا قيام جهاز مباحث أمن الدولة المصري بالقبض على وهبة، بعد أن رصد الرسالة التي بعث بها عبر البريد الإلكتروني للمباحث الأمريكية وضبط جهاز الكومبيوتر الخاص به والعثور على نسخة من الرسالة في بريده الإلكتروني، وهو ما اعتبر دليلاً مادياً قدمته النيابة للمحكمة.

دوافع وهبة لإرسال هذه الرسالة غير معروفة حتى الآن، كما أن كيفية رصد رسالته أيضاً غير معروف، ولم تهتم وسائل الإعلام كثيراً بتفاصيل الحادث رغم مغزاها. 

وما ينبغي التركيز عليه هنا أن هناك إدارة جرى إنشاؤها في وزارة الداخلية المصرية- على غرار إدارات أمنية أخرى في دول عديدة- لأمن الاتصالات والإنترنت تتابع ما ينشر عبر الإنترنت ويمكنها كشف جرائم معينة مثل فتح مواقع إباحية أو شاذة أو إرسال صور ورسائل تتضمن سباً وقذفاً، بحيث يمكن مثلاً- كما يقول خبراء إنترنت- تتبع رسائل معينة أو مواقع من مصدرها عبر شركة الإنترنت المشترك عبرها المشتبه فيه، خصوصاً أن موصل خدمة الإنترنت في مصر هو مركز المعلومات بمجلس الوزراء المصري عبر كابل من الولايات المتحدة غير كابل آخر من فرنسا.

جاسوس صهيوني.. أسقطه البريد الإلكتروني

وقد تم عبر هذا التتبع ضبط العديد من الحالات وتقديمها للعدالة، منها (في مصر) حالة آخر جواسيس الصهاينة في مصر وهو من الإسكندرية وقد وجهت إليه تهمة التخابر عبر إجراء اتصالات بالإنترنت مع القنصلية الإسرائيلية بالإسكندرية عارضاً عليها رغبته في التخابر معها، وزاعماً أن لديه معلومات مهمة.

فالمتهم (مجدي أنور محمد توفيق) (٥٢ عامًا) اعتقل في أوائل العام الماضي ۲۰۰۲ بعد رصد رسائل واتصالات بالفاكس مع القنصلية الإسرائيلية في الإسكندرية، وأحيل إلى القضاء في أبريل ۲۰۰۲ بتهمة التجسس لصالح بلد أجنبي.

وجاء في محضر النيابة أن المتهم عاطل عن العمل، وأنه قدم نفسه للقنصلية الإسرائيلية منتحلاً صفة (سفير فوق العادة) برتبة وزير في وزارة الخارجية المصرية وأكد استعداده للتعاون مع جهاز الاستخبارات الموساد.

كما أكد في بعض رسائل الفاكس والإنترنت التي أرسلها إلى القنصلية الصهيونية في الإسكندرية أنه «يملك وثائق تتضمن معلومات مهمة حول النشاطات السياسية والدبلوماسية لمصر»!

وهناك قضية أخرى تعرض بموجبها مستقبل معيد بإحدى الكليات للضياع بعدما أرسل رسائل إلى رئيسه بإحدى كليات جامعة حلوان عبر بريده الإلكتروني يتهمه فيه بالتربح من وظيفته وتقاضي أموال نظير تسريب الامتحانات للطلبة وذلك مما شوه صورة الأستاذ الجامعي فقدم شكوى لأجهزة الأمن التي تتبعت مصدر الرسالة الإلكترونية واكتشفت أنها للمعيد فقبضت عليه!

أيضاً.. كان الإنترنت مدخلاً للعديد من القضايا منها ما هو جنائي (مثل قضية الابتزاز التي حاول فيها أحد هواة الكمبيوتر ابتزاز رجل أعمال مصري فيها)، أو التشهير (مثل قيام شاب إيراني بالتشهير بفتاة رفضت الزواج منه حيث وضع صوراً مخلة لها بعد تركيب وجهها على مناظر مخلة).

قانون للتنصت

وقد تطلب الأمر مناقشة البرلمان المصري لتشريع حول جرائم الاتصالات تضمن إعطاء الحكومة نوعاً من الحرية للتنصت على الاتصالات مما أثار منظمات حقوق الإنسان والمعارضة وانتهى الأمر بتخفيف قيود التنصت حيث صدق البرلمان المصري في ديسمبر الماضي ۲۰۰۲ على قانون ينظم مسألة جرائم شبكة المعلومات، ويعطي أجهزة الأمن والأجهزة الرقابية الحق في تتبعها، وكذا اعتبارها وسيلة إثبات يعتد بها قانونياً.

وتضمن مشروع (القانون الموحد للاتصالات) الذي ناقشه مجلس الشورى المصري ۱۹ بنداً تشريعياً تم إقرارها لأول مرة لمعاقبة الجهات التي ترتكب مخالفات أو تتلاعب في مجال الاتصالات وتتسبب في إحداث ضرر بالبنية الأساسية أو بانتقاص حقوق المواطنين من متلقي ومستخدمي خدمات الاتصالات المختلفة تليفونية ثابتة أو لاسلكية أو محمولة أو إنترنت أو التي تسبب أيضاً ضرراً بالأمن القومي للبلاد.

كما تضمن مشروع القانون أيضاً معاقبة أي جهة أو شخص يتسبب عمداً في إزعاج أو مضايقة الغير من الأشخاص باستعمال أجهزة الاتصالات (مثل السب والقذف والتشهير عبر الإنترنت) وذلك بالحبس أو الغرامة التي تصل إلى ٢٠ ألف جنيه مصري (حوالي 4 آلاف دولار).

وقد تركز اعتراض المنظمات الحقوقية- التي سلمت رسائل اعتراض لنواب معارضين وآخرين من الحزب الوطني (الحاكم)- على رفض المادة رقم ٦٥ لحماية الحقوق الشخصية من المراقبة والتنصت.

وقد قدمت الحكومة المصرية تنازلاً يتعلق بتحديد حرية الدخول على شبكات الاتصالات من دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وأقرت الحكومة التعديل الجديد والتزمت تنفيذه أمام مجلس الشعب (البرلمان) ولكن التفاصيل الأخيرة لا تزال غامضة.

احترس من مقاهي الإنترنت

ولا يقتصر نشاط بوليس الإنترنت بالطبع على مصر، حيث انتشرت أجهزة أمن الإنترنت في غالبية بلدان العالم ولم تعد الشبكة الدولية حرة كما كانت قبل بضع سنوات، كما أن الجناة تم ضبطهم ولو كانوا على مقاهي الإنترنت (سيبر كافيه)!

فعلى سبيل المثال كشفت السلطات الإماراتية في ديسمبر الماضي متهماً آسيوياً قام باختلاس حسابات مصرفية من البنوك باستخدام أجهزة مقاهي الإنترنت، حيث قام المختلس بتنفيذ ١٤ عملية سحب من حسابات شخصية مصرفية لضحاياه وصلت قيمتها إلى ٣٠٠ ألف درهم إماراتي (تعادل ۸۲,۰۰۰ دولار) بعدما تمكن من الحصول على أرقام حساباتهم المصرفية.

ونسبت الصحف الإماراتية إلى العقيد خبير عبد القادر الخياط مدير إدارة الأدلة الجنائية في شرطة دبي قوله إن المتهم يعمل مهندس كمبيوتر وعمره ٣١ عاماً واستخدم مقاهي الإنترنت لإتمام جرائمه التي امتدت إلى عشرة بنوك إماراتية وفي دول آسيوية وأوروبية.

وأشار إلى أن بنوكاً عدة إماراتية اشتكت من تعرض بعض العملاء إلى اختلاسات مالية من حساباتهم الشخصية وتحويل مبالغ مالية ودفعات لمشتريات خارجية من حساباتهم دون علمهم، وعندما انتقل خبراء جرائم الكمبيوتر إلى البنوك المعنية وفحصوا الحسابات الآلية الخاصة بها تبين أن شخصاً ما استطاع الدخول على شبكات البنوك الإلكترونية بطريقة اعتيادية وتمكن من تحويل بعض المبالغ المالية عن طريق الإنترنت!.

وتوصل الخبراء إلى أن الجاني قام باستغلال أحد المقاهي للقيام بعمليات الاختلاس الإلكترونية من هذه الحسابات وتحويلها إلى حسابات وهمية كان قد أعدها مسبقاً عن طريق أنظمة فتح الحسابات الإلكترونية، وبعد محاولات تهرب قام بها الجاني تم ضبطه ومصادرة الحسابات الآلية والبرامج التي بحوزته.

احترس من غرف الدردشة عبر الإنترنت

كذلك أدانت محكمة كندية مواطناً بريطانياً بالتحرش بسيدة كندية عبر شركة الإنترنت وفرضت عليه في الشهر الماضي حكماً بالسجن سنتين، حيث أدين المواطن البريطاني ويدعى كريستوفر كال ٣٧ عاماً في عملية تحرش متواصلة ضد شاعرة كندية لم يسمح بالكشف عن هويتها. وتمثلت عملية التحرش التي قام بها البريطاني بإرسال آلاف البلاغات إلى بريدها الإلكتروني ورسائل تهديد عبر الفاكس واتضح خلال المحاكمة أن كال بعث إلى عائلة الشاعرة وإلى فروع بنوك محلية وشركات قانونية ومحال تجارية وحتى لكنيستين محليتين صورها العارية.

وتبين أنه حصل على صور ضحيته قبل أربع سنوات عبر غرفة دردشات عبر الإنترنت بالمواضيع الأدبية ثم التقيا بعد ذلك وجهاً لوجه في باريس وتطورت بينهما علاقة غرامية وحملت منه إلا أنها أجهضت إثر خلاف نشأ بينهما فنشر صورها العارية.

وكتب القاضي في قرار الحكم أن السيدة اضطرت للمعاناة سنوات طويلة في أعقاب تصرفات كال ووصف تحرشاته بأنها نوبات جنونية واستحواذية.

سابقة دولية مهمة

وقد أصدرت المحكمة العليا في أستراليا أوائل يناير الجاري حكماً مهماً يمثل سابقة في قضية تشهير على الإنترنت، جاء فيه أن المحاكم الأسترالية تمتلك صلاحية البت في قضايا تشهير خارج الحدود الأسترالية أيضًا، مما أثار التساؤل عما إذا كانت لهذه السابقة القضائية أبعاد عالمية على ما ينشر على الإنترنت في حال حذت محاكم في دول أخرى حذو المحكمة الأسترالية.

كان المليونير اليهودي يوسف غوتنيك (صديق رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق نتنياهو) والذي يحمل جنسية أسترالية وقد رفع دعوى تشهير أمام المحكمة الأسترالية ضد شركة «داو جونز» الأمريكية، التي تصدر صحيفتي «وول ستريت جورنال» و«بارونس»، بعد أن قامت الشركة المدعى عليها بنشر مقالة نالت من سمعته كما قال.

وقررت المحكمة أن المحاكم الأسترالية لديها صلاحية للنظر في قضايا تشهير خارج الحدود الأسترالية والبت فيها مما اعتبر سابقة قضائية. 

قيود على الحريات

ورغم أهمية هذا التنصت في كشف العديد من جرائم الإنترنت مثل التشهير والقذف والتجسس وغيرها، فلا يجب إغفال خطره على حرية الإنترنت خصوصاً في العالم النامي والدول التي تعاني فيها مجموعات سياسية أو دينية من الكبت والاضطهاد ولا تجد سوى الإنترنت ملجاً للتعبير عن آرائها.

فلم يعد الإنترنت هو ذلك العالم السري الذي يمكن من خلاله التحرك بحرية ودون رقابة (رغم استمرار هذه الميزة بأشكال متنوعة وبالتحايل على قيود المنع والتنصت)، وأصبح في إمكان دول وحكومات وحتى أفراد منع أو وقف مواقع على الإنترنت خصوصاً أن التحكم في الإنترنت مركزي عبر الدول الكبيرة (أمريكا وفرنسا) وعبر الحكومات (غالبية وصلات الإنترنت في العالم العربي تأتي عبر شركات حكومية أو أجهزة رسمية).

وقد وقعت عدة سوابق أخيرة تكشف هذه الأخطار مثل سعي مواقع دولية تقدم خدمات المجموعات البريدية بالسماح لأجهزة المخابرات الأمريكية بالتنصت على بريدها الإلكتروني أبرزها مواقع (ياهو) و(هوت ميل).

بل إن بعض هذه المواقع الشهيرة التي تتيح لروادها مجاناً خدمة إنشاء مجموعات بريدية للتداول حولها- مثل ياهو- قامت بحل بعض هذه المجموعات مثل مجموعة (الهداية ۲۰۰۰) التي نشأت عام ٢٠٠٠ لمتابعة الانتخابات المصرية وتبادل الرسائل حول التجاوزات التي تقع بها.

ولا يعني ما سبق أن حرية الإنترنت كلها أصبحت مقيدة، ولكن هذه مجرد نماذج على أن ساحة الإنترنت لم تعد كما كانت عند بدء هذه الخدمة بلا حسيب أو رقيب، حيث اقتضت الضرورات والتوسع في هذه الخدمة المزيد من القيود أو الضوابط.

فليس سراً أن العديد من مواقع القوى السياسية والدينية وغيرها تعمل بحرية عبر الشبكة، ويصعب التحكم فيها كلها أو الرقابة عليها ومنعها، كما أن خدمة الإنترنت لا تزال هي المجال المفضل للمحرومين سياسياً، وبواسطتها يتواصل هؤلاء المعارضون مع جمهورهم العريض بعيداً عن رقابة المطبوعات ووسائل الإعلام الرسمية، وما حدث من قيود ليس سوى مجرد جرس إنذار بأن هذه الحرية باتت مهددة.

الرابط المختصر :