العنوان المجتمع التربوي (العدد 1330)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1998
مشاهدات 70
نشر في العدد 1330
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 15-ديسمبر-1998
وقفة تربوية
كيف نطفئ غضب الرب؟
ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».
كلنا يخطئ، ومن الخطأ ما يغضب الرب سبحانه وتعالى، وبخاصة إذا لم يتبع الخطأ توبة، وندم، واستغفار، والأخطاء إنما تصدر على هيئة كلماتنا، وأفعالنا.. فكم من الكلمات نقول كل يوم؟ وكم من الأعمال: نفعل؟ ولا ندري أي كلماتنا أو أفعالنا الخاطئة تغضب الرب سبحانه وتعالى؟
ولهذا السبب وجدنا من العباد من تزداد حساسيته الإيمانية، وخوفه من الجليل حدًّا يجعله على حذر عظيم من تلكم الأخطاء، ولا هم له سوى العمل على إطفاء غضب الرب والحصول على رضائه بكل ما يستطيع من الأعمال التي يحبها سبحانه وتعالى، فلا يهمه منزلته بين الناس ولا علمه، ولا شهرته، إذ هو أعلم الناس بنفسه.
والإمام زين العابدين يعطينا نموذجًا عمليًّا لأولئك الحريصين على إرضاء الرب، وإطفاء غضبه، بل كان ذلك شغله الشاغل، فقد كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل، ويطوف به على الفقراء والأرامل، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى.
إننا بحاجة إلى مثل هذه الأعمال لإطفاء غضب الرب حقًّا على ما نرتكب من أخطاء.
(سلوة الأحزان: ۳۷)
أبو خلاد
أقفال القلوب
منها: عدم ذكر الله.. الاستكبار عن عبادته..
الوقوع في معاصيه والغفلة عن مراقبته
ومفاتيحها: تدبر القرآن.. فهم معانيه.. حفظ آياته.. العمل بما فيه
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:22-23-24).
أتسمح لي يا أخي بالدخول؟
نعم تفضل.
لقد سمعتك تتمتم بكلمات لها جرس في الأذن، ووقع في النفس، غير أني لم أدرك فحواها، ولم أدر معناها أقفال.. قلوب.. صمم.. وعمى وشيء من ذلك، فما الأمر يا صاحبي؟
مرحبًا بك يا أخي لقد دخلت اليوم عليّ مشدوها، ويبدو أنك قد نسيت أن تلقي على التحية، ثم ما لبثت أن بدأت تسائلني، فهلا بدأت السلام؟
عذراً إليك، فقد شدني حديثك عن هذه الأقفال العجيبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إن الحديث الذي استمعت إليه قبل قليل هو من كلام الله تعالى، فهل أنت متهيئ لفهمه، وإدراك إليك المقصود منه؟
وإن لم يكن ذاك، فلِمَ جئت ساعيًا إذن؟
إن كان الأمر كذلك، فاسمح لي أن أوجه إليك سؤالاً؟
تفضل.
أما ترى أن هناك صلة وثيقة بين هذه الألفاظ التي تبادرت إلى سمعك من تلاوتي؟
أتقصد الأقفال، والصمم، والعمى؟
نعم هي بعينها.
أتصور أن المعنى الذي يجمعها هو تعطيل منفعة عظيمة لسبب ما، لكن القفل غالبًا ما يكون باختيار الإنسان، أما الصمم والعمى فلا.
هذه خطوة رائعة منك في فهم المراد، ولكن ماذا عساك فهمت من لفظ القفل، والعمى والصمم في الآيات الكريمة، هل تصورتها أشياء ترى بالعين، وتلحظ بالجوارح؟
لا أخفيك: لا.
ولِمَ رعاك الله؟
لأنها اقترنت بأمر لا يرى في العادة وهو القلب، ومع ذلك فهي لم تزل مبهمة في ذهني، هل أعمى الله أبصارهم فعلاً حتى انعدمت عندهم الرؤية؟ وهل أصيبوا بالصمم الذي نعرفه؟ ثم إني لم أسمع يومًا أن الأطباء اكتشفوا أن للقلب أقفالًا تمنعهم من فتحه وتشريحه!!
نعم حقًّا ما تقول، إن الأطباء من غير المسلمين لم يكتشفوا هذه الأقفال بعد، مع أن قلوبهم مغلقة بها، لكن القرآن أشار إليها منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمن، أرأيت يا أخي ماذا يصيب المرء في صدره إذا نابته مصيبة أو حلت بداره كارثة؟
إنه يصاب بضيق الصدر، و...
يكفي هذا فهو ما أريد، وهل يضيق صدره حقيقة؟
الآن فهمت
فهمت ماذا يا أخي؟
أنت تقصد أنها أمور تعتري الإنسان من غير أن يشعر بكنهها، وقد يشعر بأسبابها، ويعرف عللها، أليس هكذا؟
نعم هو كما قلت، ولتعلم أن سبب العمى الحقيقي الذي يمنع الإنسان من بلوغ مراده ليس هو الظلمة التي تمنع فاقدي البصر من رؤية ما حولهم من المخلوقات، وإنما العمى الحقيقي تلك الظلمات التي تتراكم على شغاف القلوب بسبب البعد عن نور الهداية.
الهداية إلى ماذا؟
الهداية إلى طريق الله المستقيم الذي هو سبب الفلاح في الدنيا والآخرة.
وما شأن القرآن في الدلالة على هذا الطريق؟
القرآن يا أخي هو سبيل النور الإلهي الذي يضيء للإنسان ذلك الطريق حتى لا يتركه يتخبط في مهاوي الرذيلة، ظلمات الغواية، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء:9)
لقد اتضحت معالم جزء من المقصود في فكري، أتعلم لماذا؟
لماذا؟
لأني تذكرت أية أخرى من كتاب الله تعالى تعين على إدراك ما أردت فهمه.
وما هذه الآية حفظك الله؟
إنها قوله سبحانه وتعالى:
﴿أَفَلَم يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوب يَعقِلُونَ بِهَآ أَو ءَاذَان يَسمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعمَى ٱلأَبصَٰرُ وَلَٰكِن تَعمَى ٱلقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ (الحج: 46).
لقد رأينا من الناس من لم يهبهم الله نعمة البصر، يسيرون على الأرض وكأنهم يبصرون وليس هذا فحسب، بل إن نفاذ بصيرتهم، وقوة ملاحظتهم أصبحت تلفت أنظار الناس، وتثير إعجابهم.
وكيف الوصول إلى نقاء البصيرة ونفاذ النظر؟
إن هذا لا يكون أبدًا إلا بعد فتح تلك الأقفال.
وما هذه الأقفال، وما مفاتيحها؟
إن أقفال القلب كثيرة منها: الإعراض عن دين الله عز وجل، والاستكبار عن عبادته، والانغماس في معاصيه، والغفلة عن مراقبته، والتهاون بأليم عقابه وتعاطي كل ما يغضبه ويسخطه.
لقد صورت لي هذه الأقفال القلب وكأنه بيت خرب قد أغلقه أهله ثم هجروه سنين طويلة، فسكنته الهوام، والدواب واتخذ مكانًا لرمي النفايات، والقاذورات.
لقد سبقك إلى هذا التشبيه نبي الأمة ورسولها حينما قال: إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب.
كأنك تريد أن تشير إلى مفتاح هذه الأقفال بعد أن ذكرت جزءًا منها؟
وهل تستطيع أن تذكر نوع هذا المفتاح العجيب؟
نعم، إنه بلا ريب تدبر القرآن الكريم وفهم معانيه، وحفظ آياته أو شيء منها والعمل بما فيه من أحكام وشرائع.
أحسنت يا أخي، أما ترى أن البيت المقفل بحيث لا يفتح يزداد خرابه، ويقل نفعه، وليس هذا فقط، بل لا يمكن أن يخرج خرابه، وليس للنفع إليه سبيل.
مثل ذلك كمثل الكأس المقلوب لو صببت بحار الدنيا لتدخل فيه ما ولجت منها قطرة واحدة، وهو مع ذلك مليء بالفراغ والهواء.
والنفس - كما تعلم - إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
أتدري يا أخي ما زلت في نفسي حيرة!!
وفيم الحيرة يا صاحبي؟
لقد عرفت الأقفال وعلمت مفاتيحها، لكن كيف أتيقن أن مغاليق قلبي قد فتحت للخير، وانشرحت للهداية؟
إن هناك علامات كثيرة تدل على ذلك، منها: استغلال مواسم المغفرة في الطاعات والمواصلة على الخير بعد انقضائها، وازدياد الإيمان عند ذكر الله تعالى، وتلاوة كتابه الكريم، والخوف من الله سبحانه وتعالى عند العزم على فعل المعصية ورجاؤه بعد فعل الطاعة، يتقدم ذلك كله الإخلاص في العمل، واتباع خير البشر ﷺ فيما تفعل وتذر، وإلا فبماذا تفسر تأثير القرآن الكريم على القلوب المشفقة في مثل قوله تعالى:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر:23).
سبحان الله! أين تلك القلوب الغلف التي أغلقتها الشهوات من هذه القلوب المخبتة التي أنار دياجير ظلماتها القرآن؟
إذا عرفت الآن كم للقرآن الكريم من أثر على قلب الإنسان وحياته، تدرك ثمن وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته حينما قال في كلمات أخيرة من حياته: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله».
إذن هو نداء نبوي عظيم إلى هذا المفتاح العجيب الذي به تتلاشى الظلمة وتنكشف الغمة اللتان تخيمان على بصيرة الإنسان، وعقله بسبب إعراضه عن تدبر كتاب الله العزيز.
نعم إنه نداء عظيم غير أن أكثر الناس عنه غافلون أو معرضون:
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
الله أكبر إلى هذا الحد يصبح حال المعرض عن تدبر كتاب الله أن يكون حاله كحال الموتى، اللهم اشرح صدورنا لتدبر كتابك وافتح قلوبنا! لفقه سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
أمين، لعلي ألقاك يا عزيزي في وقت آخر، لكن أرجوك ألا تنسى أن تلقي تحية الإسلام التي كنت قد نسيتها اليوم.
لن أنساها يا أخي بعد ذلك - إن شاء الله - السلام عليكم ورحمة الله. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فيصل بن سعود الحليبي
شكر النعم.. نعمة لا تغفل عنها
إنها نعمة لو كانت عند أي شخص منا فإنه من المستحيل أن يفرط فيها، لكن كثيرًا من العباد يغفل عنها، سواء لكثرة انشغالاته أو ارتباطاته، مع أنه يمكن أن يستغلها في أي وقت وحين، ألا وهي نعمة «شكر النعم»، إنها نعمة وهبها الله سبحانه وتعالى لفئة من عباده الذين عرفوا قيمتها، وحافظوا عليها فزادت بذلك النعم عليهم من الله الوهاب المنعم.
وكلما تواصلت النعم على العبد، فإنه يتحير في شكرها، مع العلم بأن نعمة الشكر من النعم نفسها، بل ويعجز الواحد منا كيف يشكر هذه النعم، لأنها كثيرة لا تحصىولا تعد.
لكن لا بد من أن نعترف بأننا مقصرون، ومع ذلك تزيد النعم من الله وبخاصة عند شكرنا إياه، قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
فعلينا أن نحافظ على هذه النعم بالشكر الدائم واللسان اللاهج في كل وقت وكل حين، وبالنظر في مخلوقات الله، فنبتعد عن كل ما نهينا عنه لكي لا نحرم من النعم وتتطهر النفس بالإقبال على المنعم الوهاب.
عبد العزيز الجلاهمة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل