; حكم دعوة المرأة إلى الله «4» | مجلة المجتمع

العنوان حكم دعوة المرأة إلى الله «4»

الكاتب خالد الحمادي

تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-1987

مشاهدات 70

نشر في العدد 829

نشر في الصفحة 40

السبت 01-أغسطس-1987

  • القول الثالث: إنه نافلة وهو مذهب الحسن وابن شبرمة.
  • القول الرابع: وفيه تفصيل:

1- يكون واجبًا في الأمر بالواجب والنهي عن المحرم ومندوبًا في الأمر بالمندوب والنهي عن المكروه حكاه ابن حجر الهيثمي.

2- إن الأمر بالواجب واجب وبالنافلة نافلة، وإن المنكر فكله من باب واحد في أنه يجب النهي عن جميعه وهو قول أبو علي الجبائي.

3- إن مقصود النهي عن المنكر أن يزول ويخلفه ضده، أو يقل وإن لم يزل بجملته أو يخلفه ما هو مثله ما هو شرفه- والأولان مشروعان والثالث موضع اجتهاد والرابعة محرمة، وهو قول ابن تيمية وابن القيم والعز بن عبد السلام.

  • الراجح هو قول الجمهور وذلك من وجوه:

1) إن «مجموع أمته تقوم مقامه في الدعوة إلى الله ... وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره سقط عنه، وما عجز لم يطالب به، وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك»([1]).

2) «وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب، وهذا عمل ظاهر واجب وهذا إلى عمل باطن واجب فتنوع الدعوة في الوجوب تارة وفي الوقوع أخرى، وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم لكنها فرض على الكفاية، وإنما يجب على الرجل المعين من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، وهذا شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول r والجهاد في سبيل الله وتعليم الإيمان والقرآن»([2]).

  • ثانيًا: قيام المرأة المسلمة بالدعوة من خلال جمعية خيرية نسائية كعمل جماعي بها:

حكمه:

هناك رأيان في هذه المسألة: إذ المسألة اجتهادية لم تطرق من قبل:

الرأي الأول: إنه لم يكن على عهد الرسول ولا عهد الصحابة والتابعين قيام المرأة بالدعوة من خلال تكتل نسائي لهن، فلذا تقدر بقدرها ويستحب عملها في جمعية إذا اقتضى الأمر، ولا يلزم به بقية نساء المسلمين وذلك لأن الجهاد ساقط عنهن.

الرأي الثاني: وجوب عملها في جمعية قياسًا على الرجل في مشروعية عمله في جمعية خيرية وذلك لحاجة العصر واقتضاء الضرورة.

والمسألة في الواقع لم تذكر في كتب أهل العلم، وهي مسألة اجتهادية تحتاج إلى مزيد من البحث والسبر وتأصيل قاعدة لها.

والذي يصل إليه اجتهادي في هذه المسألة أن دعوة المرأة المسلمة من خلال جمعية خيرية واجب وجوبًا كفائيًا قياسًا على الرجل على ما تقدم، وهو أمر مشروع للعمل الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعنى الوجوب الكفائي أنه متى قامت به بعض الأخوات الواعيات سقطن عن سائرهن، وقد قال ابن عابدين في حاشيته: إن فرض الكفاية: «ما يكفي فيه إقامة البعض عن الكل لأن المقصود حصوله في نفسه من مجموع المكلفين»([3]).

الأدلة على عمل المرأة في جمعية خيرية:

يمكن أن يستأنس ببعض الأدلة لهذه المسألة بما يلي:

أولًا: من القرآن:

1- قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104). 

ففي هذه الآية توجيه إلى قيام جماعة من الأمة وظيفتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمة لفظ عام يشمل الرجال والنساء ... يقول الدكتور عبد الكريم زيدان في هذه الآية «دليل على مشروعية التجمع للدعوة»([4]) وأدل منه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).

«فهو دليل على مشروعية التجمع والدعوة الجماعية بل ووجوبها إذا كان البر لا يمكن تحصيله بدون ذلك، وقد أشار الإمام أبو حنيفة على ما رواه الجصاص عنه إلى ضرورة التجمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوجيه الجهود الجماعية لتحقيق هذا المقصود»([5])، والتعاون على البر والتقوى يشمل جميع أعمال الخير والمرأة فيه كالرجل تتعاون على كل ما يحبه الله ورسوله.

2- قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110) جاء في تفسير الرازي في تفسير «منكم» قولان أذكر الأول منهما:

إن (من) هاهنا ليست للتبعيض لدليلين:

1- إن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (آل عمران: 110).

2- إنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إما بيده أو بلسانه أو بقلبه ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس([6]).

3- قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).

تقول الأخت أمل: إن العمل المطلوب من المرأة المسلمة هو العمل الذي يرضي الله ... وأن تعمل مع العاملين في صفوف الدعوة لانبثاق الحياة الإسلامية من جديد.

4- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 12).

هذه أية بيعة النساء، وقد بايعهن الرسول r على الإسلام وفي الآية دليل على أن المرأة مكلفة بما كلف به الرجال من أمور الدين ومنها الدعوة إلى الله.

ثانيًا- من السنة:

1- يقول الرسول r: «عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد»([7]) يقول الدكتور صادق أمين: «ولقد حدد الحديث أن المراد بالجماعة هم الملتقون في الملة المؤتلفون على دينه مهما كان عدد الجماعة ضئيلًا، وأشد ما تكون حاجة الناس إلى الجماعة عندما يعم الفساد ويطغى الباطل»([8]).

2- وعن ابن عباس مرفوعًا «يد الله مع الجماعة»([9]).

3- حديث «عليك بالجماعة فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية»([10]).

4- حديث «عليك بجماعة المسلمين وإمامهم»([11]).

ثالثًا: من السيرة:

1- ذكرت كتب السير جهاد نساء الرسول والصحابة، يفهم منها حبهن لهذا الدين وتبليغ الدعوة للناس، «قالت عائشة تحدث بعد خروج الرسول r وصاحبه أبي بكر: وجهزناهما أحسن الجهاز ووضعنا لهما سفرة في الجراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب، وقطعت الأخرى فصيرتها عصامًا لفم القربة فلذلك لقبت ذات النطاقين»([12]).

فهذا نص في مشاركتها مع أختها والرسول وأبي بكر مشاركة في جهد جماعي كانت مهمتها القيام بالاتصال بالرسول وأبوها في الغار وإيصال الزاد لهما ولما دخل أبو جهل دارها وأمرها أن تخبره عن مكانهما تجاهلت الأمر ولم تفصح بشيء «وهذا من السرية في الدعوة وكتمان الأسرار الهامة» فتحملت ضربات أعداء الله وهي صابرة محتسبة.

2- حضور اثنتين من النساء في اجتماع «العقبة الثانية» وهو اجتماع سري خطير كان في أول مرحلة من مراحل الدعوة وكانت مهمتهن أن بايعن الرسول كما بايع الرجال خفية والمرأتان هما أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو وأسماء بنت عمرو بن عدي([13]).

رابعًا: من الواقع:

1- الإسلام يأمرنا بالاتحاد والتعاون على البر والتقوى، وهذا من أخص أعمال البر والتقوى.

2- إن العمل الفردي للمرأة لا يمكن أن يأتي ثماره كالعمل الجماعي النسائي، فإن في عملهن متحدات القوة وجلب الأنصار، يقول فتحي يكن: «وذلك أن التنظيم الحركي من شأنه أن يستوعب الطاقات الفردية ويوجهها ويختزن القوى المتفرقة وينميها على الزمن تيارًا قويًا هادرًا له أثره ومفعوله»([14]) فلذلك فإن عمل النساء وحدهن لا يمكن أن يجابه بعمل التنظيمات النسائية العادية حيث لا يمكنها بحال مواجهة تحديات العصر بمفردها.

3- إننا في عصر تخطيط وتنظيم لجميع الجهود، فلا يعقل أن يعد أعداء الإسلام العنصر النسائي إعدادًا تنظيمًا ويجابه من المسلمين بغير ذلك يقول الراشد: «إن الأحزاب الأخرى سبقتنا في ذلك سبقًا يساعدها على ذلك إباحة الاختلاط عندهم والسفور وإن منعنا الحدود الشرعية من استثمار الكثير من جهد النساء الذي تستخدمه الأحزاب ولكن لا يعني انغلاق كل المجالات أمامنا بل فيما ذكرنا من أبواب الإعانة بركة وطاقة مضافة لجهود الدعاة، ولا يجوز أن تحجبنا الأعراف الزائدة عن مقدار الواجب الشرعي عن مباحات من مجالات المساهمة النسائية في الخطط العامة أو إظهار أسمائهن الصريحة في المجتمع أديبات وصحفيات ومؤرخات ومحللات للتطورات السياسية طالما أنهن يتحجبن ويتعففن ويؤدين مساهمتهن من خلال عملهن الخاص البعيد عن الاختلاط بالرجال، وعن طريق جمعياتهن ونواديهن»([15]).

الراجح: والذي يترجح عندي في هذه المسألة من خلال سبر الأدلة أن المرأة:

1- يجب عليها أن تدعو من خلال جمعية وهو فرض كفاية قياسًا على الرجل في ذلك للأدلة المتقدمة في هذا الشأن.

والفرض الكفائي الذي ذكرت للمرأة المسلمة متى لم يقم بها غيرها صار فرض عين عليها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

2- إن الاجتماع شرع للمصلحة والتفرقة حرمت للمفسدة فالمشروعية والتحريم دائمان بدوام المصلحة والمفسدة، فكل ما يعرض أو يستجد من أمر للمسلمين في كل زمان ومكان من اجتماع لصالح عام فهو مشروع ينادي به الإسلام ولا يعارضه.

3- ولرئيس الجمعية الخيرية أن يشكل ناديًا لهن لاقتضاء المصلحة اليوم كما لا يخفى إذ نحن «بحاجة إلى المرأة في مستوى القيادة التي تخطط للنساء والمرأة التي تفكر وتكتب وتباشر وتربي وتدبر، ونحتاج إلى المرأة الصحفية وصاحبة المال وذات الجاه والطالبة والمعينة على المعركة الانتخابية والعاملة والفلاحة والناشئة الصغيرة»([16]) فنحن إذًا نحتاج إلى كل هذه الطاقات ولا يمكن توجيه هذه الطاقات إلا من خلال جماعة.

4- إن المرأة اليوم لا يزال تأثيرها قاصرًا ولا يزال دورها الفكري والسياسي والاجتماعي في عالمنا الإسلامي قاصرًا ويكاد أن يكون ضعيفًا.

5- إن عمل النساء اليوم إنما يرجع إلى انتماء حزبي وحكومي فلا بد من عمل إسلامي مكافئ يوازي قوة الهدم، والله أعلم.

يتبع في العدد القادم إن شاء الله

  • الهوامش

([1]) مجموع فتاوى ابن تيمية 15/166.

([2]) المرجع السابق.

([3]) حاشية ابن عابدين (6/123).

([4]) أصول الدعوة، ص301.

([5]) أصول الدعوة، ص301.

([6]) انظر تفسير الرازي 7/177-178 وكذلك أحكام القرآن للجصاص 2/29 والقرطبي 4/165.

([7]) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، ورواه ابن المبارك عن محمد بن سوقه وروي عن عمر من غير وجه عارضه الأحوذي 9/10.

([8]) الدعوة الإسلامية ص36.

([9]) الترمذي 2166 والحاكم 1/116 والبيهقي في الأسماء والصفات ص322 ورواته ثقات وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير 1921.

([10]) أبو داود 547 والنسائي 2/82/83 وأحمد 5/96، 6/446، والبغوي في شرح السنة 793 وصححه ابن حبان موارد 425، وابن خزيمة 1486 والحاكم 1/246، ووافقه الذهبي وإسناده حسن رواته كلهم ثقات غير السائب ابن حبيش وهو صدوق كما قال الذهبي «الكاشف» ووثقه العجلي «الخلاصة» والحديث ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغيرة 5577 وقال حسن.

([11]) هو قطعة من حديث أخرجه البخاري في فتح الباري 16/145 ومسلم 1847 وابن ماجه 3979 عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». 

([12]) زاد المعاد لابن القيم 2/53.

([13]) المرجع السابق 2/52.

([14]) الإسلام، فتحي يكن ص41.

([15]) المسار ص221، 222 محمد أحمد الراشد.

([16]) المسار ص98 محمد أحمد الراشد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 721

77

الثلاثاء 11-يونيو-1985

فضل شهر رمضان