العنوان الشعوب والأنظمة
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1982
مشاهدات 54
نشر في العدد 558
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-يناير-1982
يقول بعض الفلاسفة: إن الشعوب الحية أجدى للأمة من الحكومات العادلة؛ لأن الشعوب الحية هي حارسة للعدل، فلا تجرؤ الحكومات على تجاوز العدل إلى الجور، بينما الشعوب الميتة قد تيسر على الحكومات العادلة، وتشجعها على أن تتحول من العدل إلى الجور، ومن الديمقراطية إلى الديكتاتورية، ومن العفة إلى الجشع.
لذلك ركز الأفغاني على الشعوب المسلمة؛ ليبعث فيها الحياة، وقد أيقن ألا سبيل إلى إصلاح الحكومات إلا سبيل الشعوب، وفي ترحيله من الهند بأمر الإنجليز، قال وهو يودع البلاد موجهًا كلامه إلى الهنود:
«يا معشر الهنود، لو أن الله مسخ ملايينكم ذبابًا، لاستطاع أن يخرج الإنجليز بطنينه، ولو أن الله مسخ ملايينكم سلاحف فغاصت في البحر، لاستطاعت أن تقتلع الجزر البريطانية من جذورها» كان -رحمه الله- يدرك تمامًا أن العقبة في الطريق إنها من الشعوب ليس الاستعمار وحده؛ بل هناك عقبة أخرى هي الأنظمة العميلة للاستعمار؛ لذا وجب على الشعوب أن تقاوم الاستعمار وعملاءه في وقت واحد، لا أن تحصر مقاومتها على العملاء وحدهم؛ لأنه إذا قدر للشعوب التخلص من العملاء، لكان ميسرًا على الاستعمار أن يأتي بغيرهم في ساعات معدودة.
وبعد ثلاثين عامًا قام الشهيد حسن البنا بدعوته، ولا شك أنه أفاد كثيرًا من حركة الأفغاني، ولا شك أنه ألتزم بجوهرها، ولكنه لم يلتزم بأسلوبها، والتزم بغايتها، ولكنه لم يلتزم بوسيلتها، فمثلًا لم يهتم الأفغاني بالقاعدة الشعبية لحركته، كان أشبه ما يكون بالفيلسوف الذي يصدر حكمه وفلسفته، فلا يهضمها ولا يستوعبها إلا الخاصة، بل خاصة الخاصة، كان يعتمد كثيرًا على عقله وفكره، ويعول كثيرًا على أهل القمة في المجتمعات، ومن خلالهم كان يريد الوصول إلى القاعدة.
لكن الشهيد حسن البنا بدأ خطة العمل مع القاعدة، لم يسع إلى المنتديات التي تضم علية القوم، وإنما سعى إلى المساجد والمقاهي اللتين تؤمهما غالبية الناس، كان جل همه أولًا أن ينقل الناس بالتدريج من المقهى إلى المسجد، ثم يتعهد رواد المسجد حتى يجذبهم إلى الإسلام الصحيح، بعد أن يقنعهم ويقتنعوا بأنهم على هامش الإسلام، وليسوا في صميمه، وبأن مفهوم الإسلام ليس محصورًا في الأركان الخمسة؛ لأنها فحسب هي المنطلق إلى قيام الإسلام الصحيح، الذي هو دين ودولة معًا، ومصحف وسيف معًا، ولسنا مبالغين إذا قلنا: إن الشهيد حسن البنا قد استطاع بعد فترة سحيقة من الزمن أن يوجه المسلمين إلى الإسلام بمفهومه الصحيح: عقيدة سليمة «الله غايتنا، والرسول زعيمنا» وشريعة عاملة «القرآن دستورنا» ووسيلة فعالة لتحقيق الهدف الأسمى: «الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».
إذن، فدعوة الشهيد حسن البنا، لم تكن فحسب – تصحيحًا لمفهوم الإسلام الحق الذي رضيه الله لعباده دينًا– وإنما كانت أيضًا خطرًا محدقًا بالمعوقات التي تعوق مسار الدعوة، والتي تتمثل في الاستعمار وعملائه، والمبادئ المستوردة المضللة التي تسللت مع الاستعمار إلى ديار المسلمين في غفلة من الزمن؛ ولذا كان من الطبيعي أن يتأمر على الدعوة الاستعمار وأعوان الاستعمار.. لأنها تؤرق مضاجعهما، وتقف سدًّا منيًعا في طريق مطامعهما.
ولنعد من حيث بدأنا: أن الحياة لا تستقيم في الدولة إلا بشعوب حية وحكومات صالحة، ليست هي حكومات الدراويش التي تتغنى بالإسلام وهي ليست على شيء منه، وإنما هي التي تصلح لحمل أمانة الحكم، مقيدة بالإسلام، وليست مسيرة ولا تابعة للقوى الأجنبية المعادية للإسلام، كما أن الشعوب الحية ليست هي ترفع شعار الإسلام في المواسم والمناسبات، وإنما هي التي تبذل ما تسطيعه من التضحية؛ ليرد إلى الإسلام ودولته اعتبارهما.. هي التي تدرك أن «حماية الإسلام» فريضة واجبة عليها سيسألها الله سبحانه عنها.
بل لا يكفي أن تتوافر الشعوب المسلمة الحية والحكومات المسلمة الصالحة؛ بل لا بد من الانسجام بينهما، لكن واقعنا المرير يؤكد لنا اليوم أن الشعوب المسلمة ليست مستعدة لأن تكون شعوبًا حية، وأن الحكومات التي تحكمها ليست مستعدة أيضًا لأن تكون حكومات صالحة؛ لأنها ترى الحكم تشريفًا لا تكليفًا، وبذلك كانت الهوة سحيقة بين الإسلام والحكومات من ناحية وبين الحكومات والشعوب من ناحية أخرى، الحكومات مصرة على أن تظل الشعوب وقودًا لأهوائها، والشعوب راضية بذلك، وهذه آفة الآفات.
وللحديث بقية..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل