; الأسد في تركيا.. وتجاوز العقبة الصعبة | مجلة المجتمع

العنوان الأسد في تركيا.. وتجاوز العقبة الصعبة

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004

مشاهدات 54

نشر في العدد 1585

نشر في الصفحة 25

السبت 17-يناير-2004

نجح الرئيس السوري بشار الأسد من خلال زيارته إلى أنقرة في رفع مستوى العلاقات التركية. السورية التي شهدت تحسنًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة إلى أعلى المستويات.

وكان للرئيس التركي نجدت سيزار الدور الأكبر في هذا التطور حين ذهب السورية لحضور جنازة الرئيس حافظ الأسد عام ۲۰۰۰، وقد أشار الرئيس السوري لذلك بشكل غير مباشر معبرًا عن مدى تأثره بموقف سيزار.

يمكن القول إن تحسن العلاقات التركية - السورية بهذه السرعة بعد أن كاد البلدان الجاران يتواجهان في حرب عام ۱۹۹۸، والتحول النوعي في العلاقات إلى الأفضل تطور مهم جدير بالتوقف عنده لأن آثاره ليست مقصورة على المنافع التركية - السورية فحسب بل على المنطقة عمومًا.

ويسعى الرئيس السوري لتوثيق العلاقات والتقارب مع تركيا ولا يقف عند حدود سياسة قديمة بالية في مواجهة متطلبات العصر الحديث ومتغيراته وفيما يبدو أن هذه المتغيرات الجديدة فرضت نفسها على العلاقات التركية - السورية ودفعتها إلى التقدم على صعيد التعاون الاقتصادي والسياسي.

شهدت العلاقات التركية - السورية تحولًا نوعيًا بعد طرد عبد الله أوجلان من سورية التي كانت تحتضن منظمته حزب العمال الكردستاني، فها هو بشار الأسد يزور تركيا كأول رئيس سوري بعد ٥٧ عامًا من الاستقلال مقابل ذلك نرى إسرائيل، تسارع إلى التوقيع على اتفاقية مياه مناوغات علمًا بأن هذا المشروع الذي انتهى منذ عام ١٩٩٩ كان معلقًا على الرفوف الإسرائيلية.

هذان الأمران لهما من الناحية الاستراتيجية أكثر من معنى إذ إن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هذه الصدفة الغريبة التي دفعت بسورية وإسرائيل للتقارب أكثر مع تركيا وفي أي وقت حصل ذلك!

- حصل ذلك بينما يبقى الموقف الأمريكي غامضًا من مسألة تشكيل دولة كردية مستقلة في شمال العراق.

ووسط التصريحات الإسرائيلية بعدم دعمها الإنشاء دولة كردية مستقلة.

وبينما تقوم سورية بجهود كبيرة بالتعاون مع تركيا بشأن تسليم عناصر المنظمة الكردستانية وتنظيم القاعدة.

وبينما اتهم الرئيس السوري قبل مجيئه إلى تركيا «أمريكا» بتبنيها سياسة غير متفهمة..

وبينما تتردد أصداء تصريحات الأسد الذي يحافظ على المسافة المتباعدة مع أمريكا بينما يرحب بالعضوية التركية في الاتحاد الأوروبي.

وبينما لم تتوصل تركيا بعد إلى اتفاقية نهائية تخصص فيها حجم المياه الذي ستمنحه السورية من منابع نهر دجلة والفرات.

لواء الإسكندرونة: لطالما رفضت سورية على مدى العقود الماضية تقبل فكرة أن تبقى ولاية هاتاي لواء الإسكندرونة ضمن الحدود التركية. وحتى عدة أعوام ماضية كانت الحكومة السورية توزع على السياح الخرائط والكتب التاريخية التي تضع فيها الإسكندرونة ضمن الحدود السورية، لكنها مع ذلك لم تخرج يومًا تطالب بانتزاع هذه الأرض أو تناقشها بشكل رسمي مع تركيا.

ولم يكن متوقعًا من رئيس وصل قبل فترة وجيزة إلى السلطة أن يقول سأترك الإسكندرونة لتركيا. والسبب الرئيس في ذلك هو أن سورية لا تتحمل أن تقع في موقف ضعيف لأنها تدرك أنها في حال وافقت على تسليم الإسكندرونة لتركيا فإنها ستعطي حجة للكيان الصهيوني للتخلي أيضًا عن مرتفعات الجولان المحتلة. ولكن دمشق تحدث التوقعات - رغبة في التقارب مع تركيا - وفاجأ بشار الأسد أنقرة بتليين موقفه إزاء ولاية «هاتاي»، التي كانت من أهم أسباب الخلافات بين البلدين منذ عام ۱۹۳۹م، عبر تأييده أن تكون هذه الولاية ضمن الحدود التركية على أن يتم تحويلها مركزًا تجاريًا مشتركًا بين البلدين. وبذلك، فإن ملف هاتاي يكون قد أقفل إلى أجل غير مسمى وبالتالي تم تذليل أهم الأحجار التي كانت تعرقل مسير العلاقات التركية السورية.

المياه أيضًا على نفس الوتيرة... قضية المياه كانت على مدى السنوات الماضية نقطة خلاف كبيرة بين البلدين، ويبدو أنها فقدت أولويتها في نظر دمشق. فالسوريون سعداء باتفاقية عام ۱۹۸۷م. ويقول الرئيس الأسد في مقابلة صحفية تركية إن سورية تحصل على القدر الكافي من المياه، في إشارة واضحة إلى أنهم تخلوا عن اعتراضاتهم السابقة لكن هذا لا يعني أن سورية تخلت عن موقفها بالكامل، لأنها ما زالت تطالب تركيا بتحويل الوعد الذي تعهدت به في اتفاقية عام ۱۹۸۷ إلى اتفاقية تلتزم بها أمام القانون الدولي كما ترغب أيضًا في رفع معدل مخزونها الحالي من المياه من ٥٠٠ متر مكعب في الثانية إلى ۷۰۰، إلا أن هذه الطلبات لا تبدو من أولويات سورية العاجلة.

مقابل ذلك نلاحظ تغيرًا ملحوظًا في موقف تركيا نحو سورية أيضًا، ففي الماضي تعود البيروقراطيون في أنقرة على القول بأنه لا يوجد هناك ماء احتياطي نقدمه السورية، رافضين بدورهم أي اتفاقيات دولية إضافية. أما الآن فإن أنقرة تبدو كما لو أنها تساهلت في هذا الموضوع نوعًا ما، ولعل ذلك بسبب تزايد احترامها للقانون الدولي وتعاطفها مع الوضع السوري باختصار لم تعد المياه مشكلة كبيرة بالنسبة للبلدين.

القضية الكردية: بينما كانت القضية الكردية محور الخلاف بين أنقرة ودمشق حتى الأعوام الخمسة الماضية، فإنها اتخذت منحى جديدًا لتصبح اليوم القضية التي تجمع البلدين وتقربهما إلى بعضهما.

لقد اعتادت سورية استخدام الورقة الكردية ضد تركيا التي كانت كلما اشتكت من ذلك، يقول السوريون: «عليك بحل قضيتك الكردية أولًا»، لكن منذ ذلك الوقت حدثت تطورات دولية كثيرة أججت المخاوف التركية السورية من تشكيل دولة كردية مستقلة ومن أجل منع هذا الوضع فإنهما فضلا صياغة سياسة مشتركة المواجهة هذا الخوف.

وفيما يبدو أن تركيا وجدت للمرة الأولى حليفًا حقيقيًا لها في هذه القضية. 

حاجة البلدين إلى بعضهما البعض:

لا داعي لإجراء دراسات مفصلة للتحقيق في مسألة احتياج البلدين لبعضهما. فسورية بالنسبة لتركيا هي البوابة إلى الشرق الأوسط والعالم العربي فأكثر من ٢٥ ألف شاحنة تحمل المنتجات التركية سنويًا إلى الشرق الأوسط عبر سورية، وتركيا بالنسبة السورية باب مفتوح على الغرب والقوقاز والبلقان.

ومن مكاسب دمشق من زيارة الأسد لتركيا اعتبار الزيارة نجاحًا سوريًا في كسر طوق العزلة الذي تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل فرضه عليها خصوصًا أن الزيارة جاءت رغم التحفظات الأمريكية ورغم الجو الملبد في المنطقة، والذي كان من نتائجه ارتفاع درجة التنسيق بين دمشق وأنقره وبالمحصلة طهران.

باختصار فإن زيارة الأسد تحمل في مضمونها أهمية كبيرة بالنسبة للبلدين بما أن سورية تخضع حاليًا للتهديدات الأمريكية الإسرائيلية مقابل محاولات استبعاد تركيا من المعادلة الأمريكية في العراق.

الرابط المختصر :