; المجتمع الثقافي (1901) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1901)

الكاتب محمود حسين عيسى

تاريخ النشر السبت 08-مايو-2010

مشاهدات 78

نشر في العدد 1901

نشر في الصفحة 46

السبت 08-مايو-2010

قصة قصيرة

الاختيار الصعب

الكاتب: محمود حسين عيسى

رشحني صديقي أحمد لشغل وظيفة أمين مخزن بديلًا عنه، حيث انتقل لعمل آخر، كان اعتقادي - وهو يخبرني بهذه البشارة السعيدة - أنه يبالغ حين حذرني من التواطؤ بين مدير الإنتاج ومندوبي المبيعات مرورًا بأمين المخزن - السابق له والذي ينتهي عادة بالسرقة.

 لم يمهل سعادتي أن تتجاوز حدود أذني لتغمر قلبي، وتعيد إليه الأمل، بعد أن أعياه طول البحث عن وظيفة..

- بادرته متسائلًا في تعجب: ألا يوجد نظام في الشركة يحول دون ذلك؟!  قال: نظام ضعيف غير محكم.

آه.. حرصه على نصحي، أقوى من شفقته بي..!

أصمت متسائلًا: ماذا أفعل؟

هل أعاود البحث المسني عن وظيفة أخرى، أم أخوض التجربة؟

هل تستطيع مبادئي مجابهة هذا التواطؤ أم سيجرفني في طريقه؟

يصرخ عقلي... خض التجربة.

- رددت في حسم ساعد نظامًا جديدًا أكثر رقابة، وسأعرضه على رئيس الشركة في اجتماعنا غدًا.

تستقبلني بابتسامة رقيقة، ألمح لوحة صغيرة على مكتبها منقوش عليها سكرتيرة رئيس الشركة، تدعوني للانتظار قليلًا، تأذن لي بالدخول، مكتب وثير، ما كل هذه الصور المتناثرة في أركان المكتب، وعلى الجدران، وكأنه معمل خاص بالصور الفوتوغرافية هؤلاء الأشخاص أعرفهم، هذا هو (...) يسلم عليه وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة تكاد تشق جلد وجهه، وهذا هو (...). و(...)، أكيد رئيس الشركة مكانته رفيعة...

 رئيس الشركة قائلًا: أنت الموظف الجديد

-         نعم.

-         علمت أن سبب المقابلة هو تقديمك اقتراحات لزيادة الرقابة على المخازن، هات ما عندك..

يمرر نظره على الاقتراحات مرور البرق، ما شاء الله من المؤكد أن خبرته الواسعة تمكنه من استيعاب هذه الاقتراحات بهذه السرعة المذهلة ها هو ذا قد انتهى من النظر فيها، أرى وجهه يزداد عبوسًا..!

- يقول بصوت ساخر: أنا لا تهمني الاقتراحات، ولا يهمني النظام كله، المهم عندي أن العمل يمشي المهم أن يحقق المندوب أكبر نسبة مبيعات المهم الفلوس.

- قلت - بعد أن أصابتني الدهشة من رده الساخر السريع الذي ينم عن قناعة راسخة كرسوخ الجبال الشامخات بعدم أهمية النظام:

 لكن.. لابد من نظام يحدد المهام بشكل واضح، وكذلك آليات العمل، و(...).

يقاطعني منهيًا اللقاء: هذا كلام لا أفهمه..!

خرجت ويلح على تساؤل يكاد يفقدني رؤية الطريق..!

ألهذه الدرجة البون شاسع بين الواقع العملي وما درسناه في الكتب؟!
نسمات الصباح الرقيقة تداعب وجهي، ميلاد يوم جديد أدعو الله أن يكون شاهدًا لي، أشعة الشمس الذهبية تخترق السحاب تمد الأرض بنورها ودفئها، أتنفس الهواء العليل، يملأ صدري أملًا.

انقضى يومان، كل شيء يسير كما أريد... كانت لطيفة عندما استقبلتني أراها من زجاج نافذة مكتبي، شابة جميلة، أنيقة، في كامل زينتها تمشي في دلال قادمة نحو مكتبي، تستأذن بالدخول لم تنتظر إذني لها، ينطلق لسانها – بصوت ناعم رقيق:

يا أستاذ عبد الله، رئيس الشركة يريدك حالًا، أراه منفعلًا، ماذا فعلت؟ تركتني، لم تنتظر إجابة لسؤالها..!

-         رئيس الشركة يصيح بصوت مرتفع: مندوبو المبيعات يشكونك لي! يقولون: إنك غير متعاون بالشكل الذي يؤدي إلى انسيابية العمل.

- رددت متعجبًا: كيف هذا؟!

أنا ...

- يصرخ قائلًا: أريد العمل أن يمشي، أريد أعلى نسبة مبيعات أجلس على مكتبي مهمومًا متسائلًا: لماذا لم يسمعني؟

أنا لم أعطل العمل، كل مندوب استلم بضاعته في وقته..! لماذا..؟

يدخل مكتبي كبير مندوبي المبيعات – رجل في العقد الخامس من عمره تقريبًا - قائلًا: - يا أستاذ عبد الله، أنت شاب في مقتبل العمر، تريد أن تتزوج، ومتطلبات الزواج – كما تعلم - يستحيل أن تحققها عفوًا براتبك تعلم الزهيد - وأنا أعمل موظفًا في التربية والتعليم، وحصلت على إجازة بدون راتب لأعمل في هذه المهنة، والآن أملك سيارة لنقل البضائع، وأخرى خاصة.

أحدق النظر فيه، متسائلًا في صمت: ماذا تريد؟

يستطرد ناصحًا: يا أستاذ عبد الله، «فتح عقلك»، و«مش حالك»، الحياة صعبة، الأسعار أصبحت لا تطاق.. ثم أردف قائلًا:

- الأمر لن يحتاج منك إلا إلى تسجيل متطابق لكميات البضاعة الواردة إليك مع قسم الإنتاج.

- قلت: هذا يتم بالفعل.

- قال: ستأتيك كميات تزيد على الكميات المسجلة، وسنتولى بيعها لحسابنا ويوزع عائدها علينا.

وفجأة يخرج ظرفًا منتفخًا من حقيبته، يفتحه ببطء يخرج كل ما يحتويه من مال، مال كثير.. يضعه أمامي.. يحدق في وجهي.. قائلًا:

- هو لك، عربون محبة لك ضعفه كل أسبوع..!

أشعر بدوار في رأسي من هول ما أسمع وأرى، هذه جرأة في الباطل لم أكن أتوقع عرضها بهذه البساطة.. يعود إلي رشدي..

 صحت فيه ثائرًا واثقًا هذه سرقة هذا حرام..

يهرول مسرعًا..

یزداد همي.. کلامه صحيح..! وعرضه لا يرفضه إلا عاشقو الفقر.. واهمو المبادئ... لكن.. لا.. لا.. هذا حرام.
حرام.. هه هه..! انظر حولك، أمعن النظر من أعلى الأسفل، ومن أسفل لأعلى، ستعصرك الأيام، وتدوسك الأقدام، القرش اليوم هو السيد..! عش أيامك تمتع بحياتك..

آه.. لا..

وليكن ما يكون الموت أقرب إلي، لن أتحمل عذاب جهنم..

وما هي إلا لحظات حتى زارني مندوب ثان، وكأنها أدوار يؤدونها في مسرحية هزلية، كئيبة..! لا أجد لنفسي دورًا فيها.

أرى وجهك البشوش عابسا!

- أجبته - بصوت حزين، وكلمات أنتزعها من حلقي انتزاعًا حدث كذا... وكذا... و...

يصمت أحمد، كصمت القبور، فلا يحرك ساكنًا سوى عينين زائغتين، وفجأة! يخرج زفيرً ملتهبًا.. قالها مدوية سيقتلونك؟

 - ضحكت مذهولًا - متسائلًا في سخرية يملؤها رعب داخلي، أشعر به يهز كياني من هول ما سمعت:

من هم؟!

- عصابة الشر الذين حذرتك منهم لقد أعمى الحرام أبصارهم! فإما أن تنجرف معهم وإما أن تترك العمل فورًا، وإلا...

لم أكن أتوقع هذا الاختيار الصعب..!

 يخترقني شعور باليأس، يكاد يسيطر على يكاد يسيطر على كل حواسي، أسبح ضد أمواج هائجة جارفة، لا أرى شاطئًا، أرى النجوم يتلألأ نورها ساطعًا.. في الأفق البعيد، هل سيطول بحثي؟ هل سأحقق ذاتي؟ هل سأسد رمقي؟ هل سأحمى من ذل الفقر؟ هل ...؟ وهل ...؟

شبح البطالة يخيم على كل مكان..!

أغمض عيني..! أعيش مع نفسي لحظات.. يحلق بي خيالي إلى حيث الزمن الجميل، البعيد القريب..! أنظر إلى الطير وهي تروح خماصًا، وتعود بطانًا.

(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

حدثت نفسي

شعر: شريف قاسم

 قد كنت أعمى، لا أعي، لا أبصرُ                   ولصفو عيشي. ويحني. أتنكر

 واليت قاتل فطرتي متغطرسًا                               لأنال لذاتي التي أتخيرُ

 أسرَتْ فُتُوةَ نشأتي، إذ أنني                       عنها، وعن متع الهوى لا أصبر

وعشقت سوق اللهو ليلًا أو ضحى         لأبيع طيب مشاعري لمن اشتروا

لم أنه نفسي عن مقارفةِ الذي                        بسمومه بعدا التلذذ أنحَرُ

 كم مرة قالت أمامك، فاجنه               فشبابُكَ الغضُ الجميلُ سَيُقفر !!

 أشبع هواك ولا تعش مترددًا                   ودع الذين عن الربيع تأخروا !!

 قد أثمر المغني، وحيثُ تمايلت                     أفنانه، وزكا هناك البيدر!!

نل ما تشاء فإن عمرك هاهنا                  يزهو، وساعده القوي مشمر !!

من قال، أو سيقول عن مُتَع لنا                    هذا عليك محرم أو منكر !!

لا تسمعن، واغرق ببحر تحرر                  إن الحياة مع الذين تحرروا !!

 فأطعتُها، ووهبتُ أكرم ما لدي ...                ... ولم أقل كلا إذا هي تأمرُ

حتى صعقت، وقد ذُهلتُ لِما رأت               عيناي ذات صبيحة لا تُنكَرُ

الله أكبر ذا رفيقي، ماله !!                  ماذا جرى ؟ أين الشباب المقمر !!

 بالأمس أمس وقد تزين وانبرى                 مرحًا، وحول رحالنا يتبختر!!

 بالأمس كُنَّا، لا تسل عما                  جرى فالأمس ولى، والمصيبة أكبرُ

ناديته، فإذا به لا يسمعُ الأصوات                       آه، ولا يعي، أو يبصر!!

 قد مات وانفساه مات فأحرقي              ثوب المجون فأهله قد أدبروا!!

يا نفس توبي قبل معمعة الردى               هيهات ينسى الموت أو يتأخَرُ

 ما كنتُ أدري ما الفناءُ؟ ولا علمت                   بأن زهو شبابنا يتبخر!!

 حتى أتاني الواعظ الأقوى فما                      من حيلة في دفعه قد تثمر

ولجأت بعد الخوض في لحج الهوى             جهلًا، إلى ربي، وربـي يـغـفـرُ

أخشى لهيب جهنم الأخرى                         فقد عاينتها، وكأنها تتسعرُ

حدثتُ نفسي؟ كم أعيش؟ إلى متى؟         والموتُ آت لا محالة يَحْطُرُ

 لا ينثني عن موعد أبدًا ولا                    في الخلق يستثني، ولا يتأخر!!

والقبر أطبق مظلما، وبلحده                     ضُمَّ المُرَقْهُ مرغمًا والمعسِرُ

ولت صباباتي، وغابت نزوتي               وشكا الأذى قلبي وغام المحجر

آمنتُ أن المرء أعمى لا يرى                 كنه الحقيقة، والمفكر يعثر!!

إلا إذا وافى الهدى من ربه                      وأصاخَ إذ نادى الحنين المؤثر

 ارجع إلى مولاكَ إذْ عاهدته                          يومًا براك به ألا تتذكر!!

 قل لابن آدم لن تفر من الردى                هيهات، إنك يا فتى لا تقدر

في قبضة الديان أنت، ولم تجد               أجدى من الإيمان لو تتفكر

أحسن ما كتبت: كتاب قديم جديد

الحرب العالمية الأولى.. ودورها في تفكك العرب

أ.د. حلمي محمد القاعود

إذا كان موت السياسي الكبير سعد زغلول قد حظي باهتمام كبير، فقد كان قيام الحرب العالمية الأولى وانتهاؤها حدثًا كبيرًا يستحق الوقوف عنده، ولو مرت عليه بضع سنوات، فقد كان تأثيرها على مصر والعرب ملحوظًا بصورة ما، يكفي أنها قد انتهت ومعظم الدول العربية قد وقع أسيرًا في قبضة الاحتلال الأوروبي؛ الذي بسط هيمنته من المحيط إلى الخليج، بعد أن سقطت الخلافة عمليًا ورسميًا، وتقاسم الغرماء بلاد العرب فيما بينهم.

الشعر والحرب: كان الشعر أقدر على التعبير عن الحرب وويلاتها، وتأثيرها على العرب والشعوب الضعيفة وكشف الأكاذيب والأضاليل التي يشيعها الأقوياء الذين يشعلون نار الحرب، ويستبيحون الضعفاء، ويحرمونهم حريتهم وأمانهم وثروتهم، ولعل قصيدة «أحمد محرم» التي سماها «الحرب العظمى من خير ما عالج هذا الأمر؛ حيث تساءل باستنكار عن السلام المفقود والوعود الزائفة، والأمان الضائع:

 حماة الوغى أين السلام الموطد؟

                          وأين الوصايا، والذمام المؤكد؟

عهود كتضليل الأماني وراءها

                             وعود كما طار الهباء المبدد

أطالت عناء السيف والسيف مغمد

                     وطاحت به في الروع، وهو مجرد

كأن الوغى ملهى كأن الردى هوى

                     كأن الدم الجاري شراب مبرد

 كأن أنين الهالكين مرددًا

                       أهازيج في أسماعكم تتردد

... إلخ

وإذا كانت القصيدة تبدو غاضبة من الدول التي أشعلت الحرب، ومتشائمة من إحلال السلام وتحرير الشعوب المحتلة؛ فإن صوتًا آخر، كان أقرب إلى التفاؤل، واستعادة السلام، وعودة الحياة الطبيعية الجميلة إلى المدن الأوروبية وخاصة «باريس»، فقد كتب «سليم عبد الأحد» موضوعًا بعنوان: «اطو خريطتها! أوروبا وباريس يوم نشوب الحرب العظمى!»، ويتحدث فيه عن تعلقه منذ الصبا بأوروبا ومعرفته بمدشنها وجغرافيتها عن طريق الدرس والقراءة، وتصوره لها دائمًا بوصفها رمزًا للجمال فحدائقها تمتلئ بالبنفسج، ولكنها تحولت بالحرب إلى بركان هائل يتفجر بالحمم والقذائف.

ويستمر «سليم» في رصد مشاعره تجاه الناس والمعالم التي خربتها الحرب، ودمرتها يد الجحيم، ويتوقف عند «باريز» أو «باريس» التي لا نظير لها في الجمال، وقد أنت عليها الحرب ومحت جمالها وتراثها وحولتها إلى وجه عابس مظلم. ولكنه مع ذلك يتمنى لها العودة إلى سيرتها الأولى، رمزًا للجمال ومحلا للسلام: «غدا يراك العالم أكمل بهاء وأتم إشراقًا».


 

 

ولعل هذه الحرب وما خلفته من آثار مدمرة كانت حافزًا، على دفع كتاب هذا الزمان للبحث في أسباب بقاء الأمة، وتحقيق السلام والرخاء لأبنائها وشعوبها، ومعرفة سر التقدم الذي ترقى به الأمم والأوطان، فرأينا المؤرخ المرموق «عبد الرحمن الرافعي» في الفصل الذي نشره في هذا الكتاب تحت

عنوان «القوة والعلم هما دعامتا الحياة»، ويؤكد أن طبائع العلاقات بين الناس أفرادًا وجماعات هي هي، واحدة لا تغيير فيها ولا تبديل، والناس منذ خلق الله العالم لم يحافظوا على حقوقهم إلا بمقدار ما لديهم من شدة وبأس وقوة.

القوة والحقوق

ويرى الرافعي أن مبدأ القوة يسود النزاعات بين الأمم منذ القدم، فكم ديست للأمم حقوق لأن القوة تنقصها؟ وكم انتهكت لها حرمات لضعفها وقلة حولها؟ ويشير إلى أن الأمم القوية لا ترعى في معاملتها عهدًا، ولا تنجز وعدًا، ولا تحترم حقًا، ولا تسمع قولًا، وتطأ حرية الأمم الضعيفة وحقوقها تحت الأقدام!

 ويؤكد الرافعي أن القوة والعلم هما الدعامتان اللتان تضمنان للأمم حياتها وحقوقها.

وواضح أن الرافعي، كان متأثرًا بما يراه في بلاده من جانب الغزاة الإنجليز الأقوياء، فكم داسوا حقوق مصر والعرب، ولم يفوا بعهودهم، ولم ينجزوا تعهداتهم، بل استغلوا الضعف القائم عندنا، ونفذوا سياساتهم الظالمة الغشوم دون مبالاة بحق أو قانون، وهو ما يوجب علينا أن نأخذ بأسباب القوة والعلم، لتنجو من قبضة الطغاة الظالمين، ونعيش في أمان وسلام.

وكلام الرافعي، صالح في كل زمان ومكان، ونحن في أيامنا أحوج ما نكون إليه، بعد أن خذلنا الأقوياء في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والمنظمات الدولية التي يحركها الأقوياء وفقًا لمصالحهم وأهوائهم.

قضية الوحدة

ومن القضايا التي شغلت كتاب ذلك الزمان قضية الوحدة العربية والانتماءات الشعوبية، فقد كان تقويض الخلافة الإسلامية العثمانية عام ١٩٢٤م حدثًا جللًا أربك الأمة الإسلامية وفي قلبها العرب وفتح عليها أبواب الجحيم الاستعماري، فقد كانت الخلافة على ضعفها وطمع الغرب الاستعماري في ممتلكاتها تمثل حائط صد يعوق طموح الغزاة المستعمرين إلى حد ما، ويربط العالم الإسلامي برباط ما، ولو كان واهيًا، مما كان يقف شوكة في حلق الغرب وحلفائه، ولكن انفصام عروة الوحدة الإسلامية، وسقوط العرب فريسة للمستعمرين الغزاة، مزّق البلاد والعباد وأتاح للنعرات القومية على الطريقة الأوروبية والنزعات الانفصالية الشعوبية، فرصة الظهور والتمدد، وصار العرب الذين كانوا جزءًا من دولة الخلافة؛ دولًا شتى متنافرة، بل متناحرة، يتحكم فيها الأجنبي والموالين له.

سبب هذا الوضع مأساة عامة لدى الكتاب العرب وشعرائهم، حيث كانوا يمثلون من خلال الثقافة الواحدة عنصر التماسك البارز بين أبناء الأمة، ومن ثم رأينا أصواتًا تجهر بأهمية الوحدة العربية، أو تحارب النزعات الشعوبية، وحظي هذا الكتاب ببعض المقالات التي تصب في هذا الاتجاه، منها مقالة «عبد الرحمن عزام - أول أمين للجامعة العربية عقب إعلانها - فقد كتب في وقت مبكر يعبر عن الوحدة العربية من خلال مفهوم إسلامي متقدم، وليس من خلال مفهوم عرقي أوروبي، ويبرهن على ضرورة الوحدة وأهميتها..

الإمبراطورية العربية

تحدث «عبد الرحمن عزام» عما سماه «الإمبراطورية العربية» وهل آن أن تتحقق؟ كان يعني بالإمبراطورية إقامة دولة عربية واحدة، ووجد في التاريخ تذكيرًا للعرب المعاصرين بالإمبراطورية العربية أو الإسلامية في عهد الأمويين والعباسيين والـفـاطـمـيـين والموحدين والمرابطين والحفصيين.. ومؤمنًا أن العرب ما ماتوا، وإنما غشيهم النعاس، وقد تضاعف عددهم واتسعت أوطانهم.

ويذكر المرتابين أن دولة الخلفاء الراشدين بسطت سلطانها في عشر سنين على ملك كسرى وقيصر؛ ولذا فإنه حين يدعو إلى قيام الإمبراطورية العربية فإنما يستند إلى حقائق تاريخية وواقعية، وإلى قوى طبيعية ظاهرة، وكامنة في سبعين مليونًا من البشر هم سكان العالم العربي في الربع الأول من القرن العشرين.

ويركز عزام على ضرورة إيمان العرب بأنفسهم ووجودهم، بدلًا من الافتتان بعظمة غيرهم إلى درجة نسيان هذا الوجود، ويرى أنه ليس بين العرب وبين الإمبراطورية التي تمثل عظمتهم، إلا أن يكونوا كاليابانيين والصينيين والروس والترك والأفغان والفرس، مؤمنين بأنهم أمة لها حق تقرير مصيرها الذي صار بأيدي غيرنا!

ونحن على كل حال لسنا أقل نضجًا ولا حضارة من الأمم التي ذكرها عزام، وقارن بينها وبين أبناء الأمة العربية في شتى الأماكن من الخليج إلى المحيط، وتوصل إلى أن العزة القومية والمثل الأعلى والقدوة الحسنة هي التي جعلت من اليابان وروسيا، على سبيل المثال، إمبراطوريتين من أكبر إمبراطوريات العالم.

إن الرجل يرى أن الأمة العربية ذات مزاج مشترك، لها عقيدتها ولسانها وعرفها، تجمعها الكليات؛ وإن اختلفت الجزئيات، ولو ذكر العرب دول آبائهم في الإمبراطورية الأموية والعباسية، وذكروا مواصلات ذلك العهد؛ لعلموا كيف سمت الثقة بآبائهم، وقصر اليأس بهم.

ويشير «عزام» إلى ضرورة التكامل ويشير «عزام» إلى ضرورة التكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين العرب، فنحن في عصر التكتلات الكبرى و «الكارتلات» وليس عصر الدكاكين الصغيرة.

ويؤكد في ختام موضوعه أنه لا يقصد بكلمة «الإمبراطورية العربية»، غير الوحدة العربية على أي مظهر تحققت وليس القصد تغلب طرف على آخر، وإنما القصد في أوله وغايته التعاون بين الشعوب العربية لتكون جبهة واحدة.

عبد الرحمن عزام: ضرورة التركيز على إيمان العرب بأنفسهم ووجودهم بدلًا من الافتتان بعظمة غيرهم لدرجة نسيان هذا الوجود.

عبد الرحمن الرافعي: الناس منذ خلق الله العالم لم يحافظوا على حقوقهم إلا بمقدار ما لديهم من بأس وقوة.

(*) أستاذ الأدب والنقد- مصر

 

الرابط المختصر :