العنوان قصة الأسبوع: العهد الجديد
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1978
مشاهدات 76
نشر في العدد 417
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 24-أكتوبر-1978
من نافذة حجرة المدرسين المطلة على حديقة المدرسة الخلفية، رمى الأستاذ مراد عبد الرحمن مدرس اللغة العربية بصره على تلك الحديقة، فوقع بين الزهور التي كانت مبتسمة لشمس الضحى الضحوك، كأنها تأخذ من الشمس ضحكتها، وتوشك أن تضحك. أحس الأستاذ مراد بنشوة الضحك تسري في سراديب نفسه وتنظفها. تبادل مع الزهور حديثا، بث فيه شوقه وحنينه إلى الضحك. كم يحب الطبيعة وحديثها؟ تمنى أن ينزل من الطابق الثاني ويذهب إلى الحديقة ليتأمل زهورها عن قرب ولكن الوقت لا يسمح له بالذهاب، فقد حان وقت دق الجرس.
تنهد بعمق، ونفخ الهواء في الفضاء، وهو يرفع عينيه عن الزهور ثم ألقاها على ساعته، وجدها تؤكد له أن الوقت لا يسمح بخطوات يمشيها حول الحديقة. تحرك من مكانه الذي تحول فيه إلى تمثال لا يتحرك، وإن كانت أعماقه تحركت بالإعجاب وحب الحياة، وبنظرات حامت حول ابتسامة الزهر، وعصرت من قلبها رحيقا.
اتجه الأستاذ مراد إلى منضدة مستطيلة مهمومة بعبء العمل، ثقيلة ثابتة في الأرض، فوقها جبال الكراسات، بينها ممرات تغتال الرؤية. وقف أمام المنضدة مترددا، أيجلس أم يذهب بعيدا. لا يكره الجلوس إلى منضدة ينجز عليها عملا عظيما، يصحح تلك الكراسات ذات الصفحات المتناحرة المتنافسة بالصواب والخطأ. لا يمكن أن يكره عمله، ولكنه لا ينكر أنه لا يحبه، بمعنى أدق هو واقف في منطقة الحياد، لا يقبل على عمل بهوی الحب، ولا ينفر منه بشيء من الكراهية.
هو كمدرس للغة العربية، يعلم أن مهنة التدريس عبارة عن رسالة من الرسالات الإنسانية السامية، وهو في نفس الوقت لا ينسى أنه مظلوم، مهضوم حقه، مضغوط عليه، فوق كتفيه أكثر من تسعين تلميذا في ثلاث حجرات، يدير عينيه بينهم، ويتحدث معهم، ويتكلم حتى يصاب بالصداع. على دقات الجرس أفاق من شروده الثقيل، وحمل كراسته وخرج يطوي ممرّا موصلا إلى حجرة الدرس، وقبل أن يدخل وضع على عينيه منظاره الطبي، ولم ينسَ مسحه كما تعود بمنديل من الورق، تركه من يده لحظة دخوله الحجرة.
هب التلاميذ ووقفوا تحية له.
وصدر صوت من تحت حوافر المناضد وأزيز حطم جزءا من ذهنه. نظر إليهم كمن يسأل لماذا تصرخ المناضد داخل عقلي؟ لوح لهم بيده أن يجلسوا. وتساءل: أليست زهور الحديقة أفضل من تلك الألواح الخشبية؟
استدار يكتب التاريخ الهجري على السبورة. وكان خطه جميلا، فأخذ يزيده حسنا، وما أن بدأ يكتب التاريخ الميلادي حتى تذكر أنه التاريخ الذي لا ينبغي أن ينساه. راح يحدق في التاريخ ويهز رأسه عجبا من النسيان. كيف ينسى اليوم الذي تزوج في مثله منذ ربع قرن. لولا السبورة السوداء ما تذكر شيئا.
أهكذا ينسى المدرسون حياتهم؟
علا صوته، زأر بصوت أسد.
أكد لذاته أنه لا يزال في مرحلة الشباب، برغم السنين التي تجاوزت الخمسين، وبرغم الأولاد الذين كبروا وتخرج بعضهم من الجامعة. بلغ هذا العمر، وهو كما هو مدرس مسكين مغلوب على أمره. تغلب على شقائه بطريقة الذوبان في الدرس إلى أن جاء وقت الانصراف من المدرسة.
حمل هدايا عيد الزواج وقدمها لشريكة حياته. وفي الليل دار بينهما حديث عن الأولاد وعن الدنيا، ومن حيث لا يدري وجد نفسه يتحدث مع زوجته عن الموت. قالت الزوجة وهي تطرد ذبابة عن وجهها:
- لا يكون الكلام مقبضا يا مراد.
قال وقد أطرق مفكرا:
- كلنا سنموت.
- ألا تتحدث فيما يدخل على النفس المسرة؟
- بلى.. ولكن.. هذه حقيقة.. كثيرا ما ننساها.. حياتي تكاد تنتهي بين صفحات قاتمة.. حتى حق الله.. أقصر فيه.. مع أني مدرس.. من المفروض أني أقوم بتربية النشء.. وبالتهذيب.
- مهنة محترمة.
- حقيقة هي مهنة محترمة.. ولكنها صعبة.. بالضبط.. ثلاثة وثلاثون تلميذا في كل فصل.. وعندي في جدولي ثلاثة فصول.. يعني بعملية ضرب بسيطة.. تلاميذي عددهم كاد يصل إلى المائة.
- لا تحمل هما.
- قد حملت الهم وانتهى الأمر.
- لماذا لا تطلب جدولا مخفضا؟
سكت لأن الإجابة كان قد قالها من قبل في حديث سابق، أو في شكوى سابقة. وسكت أيضا لأن قلبه كان ينبض بضعف، وخشي أن يكون كلامه المؤلم يضاعف ضعفه. وهز رأسه صامتا، مستسلما لدوران الأرض، وعجائب الكون. فقالت الزوجة مبتسمة:
- يا مراد. دع الأمور لخالقها.
- كنت أتمنى أن أعمل في غير التدريس.
- أظن ستقول لي.. ليتني أعمل بستانيا.
ابتسم قائلا:
- كنت سأقول ذلك.. أعيش بين الزهور.. تحت الشمس.. أفضل من مائة تلميذ ومن حوافر المناضد ومن الصداع..
قطبت وجهها قائلة:
- بدلا من الاحتفال بعيد الزواج. نكرر كلاما قلناه من قبل.. وأوجعنا به القلب.
قال من باب المجاملة:
- كل سنة وأنت طيبة.
قالت بسرعة غضبها:
- وهذه التهنئة قلتها الليلة مائة مرة.. حتى فقدت معناها.. مالك يا مراد؟
قال بلهجة جادة:
- يؤلمني تقصيري الواضح في حق الله.. وبصراحة لا عذر عندي.. الأولى بالمدرس المربي أن يعرف ربه.. خاصة بعد هذا العمر الطويل.. لعل الخاتمة تكون حسنة..
وانصرف الأستاذ مراد إلى العبادة قام الليل يصلي، ويستغفر الله، ويقرأ القرآن. أحس براحة الوجدان، اطمأن قلبه، وأخذ عهدا على نفسه أن يكون العيد هو عودته إلى الله.
وفي هذه العودة إلى النور، عودة إلى بيته كما تحب الزوجة، فقد كان غائبا عنها بعقله كما غاب عن الوجود كله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل