العنوان الصراع الرهيب (قصة الأسبوع)
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1978
مشاهدات 56
نشر في العدد 404
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 18-يوليو-1978
ذو خطوة قريبة من الجري، لا تشبه المشي في شيء. وإن كان هو في حقيقة أمره يمشي ولا يجري، غير أنه لا يمشي كخلق الله، وإنما يتحرك ويسرع في مشيته بشكل يوحي لغيره أنه يعدو، كأنه دائمًا في سباق مع الزمن. لو أبطأ قليلًا لفاته أمر لا يمكن أن يدركه فيما بعد، ولخسر كثيرًا كما يعتقد. وهو يكره الخسارة كرهه للمشي البطىء. ثم إنه يعجب أشد العجب من هؤلاء الذين ينتقدون مشيته، ويدهشون ويقولون إنه لمجنون، لماذا يتهمونه؟ مع أنه لا يأتي بأي حركة غريبة. كل ما هناك أنه يمشي بخطوات أسرع من المعدل المعقول. من المقبول قولهم أنه مندفع مثلًا، أو مسرع في سيره، أو أي قول آخر، أما إنه مجنون فهو قول يثير أعصابه.
قد تعود على طريقته في المشي حتى صارت بالنسبة إليه محببة، ولا يمكن أن يلجأ إلى غيرها. المشي على مهل مؤلم. بل يسبب له صداعًا في الرأس، واضطرابًا في المعدة وانحرافًا في الرؤية، كأنه ينظر إلى الأشياء من خلال مرآة مشروخة. ويبدو كأنه أحول يخيل إليه ذلك إذا مشى بكسل، أو يخيل إليه أنه أعرج، يحدث كل ذلك إذا اضطر إلى أن يساير إنسانًا في سير السلحفاة.
قامته طويلة نحيلة شبيهة بنخلة امتد فرعها في الفضاء. ساعدته قامته في سيره المسرع، وساهمت طبيعة عمله بالنصيب الأوفر، فهو مكلف بعمل يحتاج إلى كثرة الحركة وسرعتها. ينقل أوراقًا من حجرة إلى حجرة، ومن طابق إلى طابق. يتصل بأكثر من قسم داخل مبنى الوزارة. يعمل كساعٍ تابع للسيد المدير نفسه، يعرض عليه ورقة ذات أهمية ومستعجلة، ويردها إلى السكرتير في نفس الوقت. ويقدم له القهوة، ويبلغ الموظفين بموعد اجتماع حان وقته. هذا هو عمله في فترة الصباح. لا يكاد ينتهي منه حتى يسرع إلى داره ليتناول طعامه ويطير إلى عيادة طبيب. ينظفها ويجهزها لاستقبال المرضى، ثم يسلمها للممرضة التي تتولى إدارة العمل عندما تفتح العيادة بابها. يخرج منها مسرعًا كسهم منطلق، ويذهب إلى محل لبيع الطعام. يظل يتحرك داخله يخدم هذا الزبون أو ذاك، من وقت المساء إلى وقت متأخر من الليل.
ويعود إلى داره ليرمي جسمه على الفراش، فتهدأ حركته ساعات قليلة ما إن يدق جرس الساعة الذي ضبطه على موعد قبيل الفجر حتى ينهض، ويرش وجهه بالماء، ويحمل طعامًا أعدته له زوجته، ويقذف قدميه أمامه نحو سيارته التي تنقله إلى مكتب توزيع الصحف، وهو عمل يسبق ذهابه إلى مبنى الوزارة، آلة تتحرك باستمرار، حركتها السريعة لا ينبغي أن تبطئ حتى تنجز المطلوب منها في ساعات النهار وفي جزء من الليل. لا ينكر أنه يحس بالتعب، ولكنه يكسب من المال ما يعوض ذلك الإحساس. ينفق ببذخ كأنه هو نفسه المدير الذي يعمل في حجرة مكتبه. وعلى الرغم من بذخه الذي وصل إلى حد الإسراف، يفيض ماله فيدخره في أحد البنوك كنوع من الادخار يمسح عرقه ويخفف إرهاقه، وينسيه عذابه.
اصطدم مرة بأخيه وهو موظف كبير يعمل في شركة. كان الاصطدام عنيفًا ولم يكن الأول من نوعه، فقد اصطدم به من قبل، وفي هذه المرة قال أخوه:
- حقًّا مجنون.
-هذه الكلمة تثير أعصابي.
- محمود.. افهمني.. ليست الحياة عملًا فقط.
- أريد أن أعيش في مستوى الكبار.. في مستواك مثلًا.. أتكره ذلك؟
-لا.. ولكن .. أنت تحولت إلى آلة.
-فلأكن آلة من ذهب ولا أكون إنسانًا من صفيح.. ثم إن الله فتح أبواب الرزق أمامي.. من الغباء الشديد أن أغلقها بيدي وأرفضها.
-أنت سعيت إليها.. وطلبت مني أنا نفسي أن أخدمك في بعضها بواسطة وبغيرها.
-من حقي أن أسعى.. ومن واجبك أن تخدمني.
-أنا لا أعترض.. أنا خائف عليك.
-لا تخف.. حذرتني من قبل من المرض.. ومرت خمس سنوات وأنا على تلك الحال.. وكما ترى.. صحتي في تحسن مطرد.
-تعمل وتأكل وتجري.. هذه هي الحياة؟
-أنا لا أجري.. خطواتي واسعة.. أنا نشيط.
-لا أقصد الجري.. بمعنى آخر.. حياتك يا محمود عبارة عن عمل تؤديه. وطعام تلتهمه.. وخطوات تمشيها.. وثمرة هذا كله ثروة تجنيها.
-اسمع يا أخي.. حياتي تعجبني هكذا.. هل شكوت لك؟ أو شكا لك أحد من أسرتي؟
-نعم.. أولادك يشكون.. بصراحة يبحثون عن أب لهم فلا يجدون.
ضحك محمود بملء فمه، قهقه كالرعد. ترنح جسمه الطويل، مع أنه جالس على مقعد أمام أخيه. دمعت عيناه، عصر الضحك فيهما دموع المرح. مسحهما قائلًا:
-لم أضحك منذ زمن.. لا يجدونني هؤلاء الأشقياء؟ أین ذهبت حتى يبحثوا عني؟
-أنت موجود من ناحية الشكل.. أما من ناحية... قاطعه بقوله:
-من ناحية الشكل؟ أنا لا أفهم هذا الأسلوب.. أرجوك دعني من هذه الفلسفة.. أنت تعرف أني لم أتعلم مثلك.. أنا موجود أمامهم وهذا يكفي.. وأوفر لهم حياة رغدة.. أشتری صندوق التفاح كل أربعة أيام مرة.
وحكى له محمود كيف ينفق ويغدق.
ولم يفهم أن أخاه يقصد شيئًا آخر غير ذلك. وأن معنى وجود الأب في الدار يختلف عن وجود صورة له معلقة على الجدار. وربما فهم محمود ما يقصده أخوه، بيد أنه لم يحاول أن يقنع نفسه بما يريد، لا يستطيع أن يغلق بابًا واحدًا من أبواب الرزق التي فتحت له. ما يخشاه هو المرض. ولا يحس إلا بصحة كالحديد ولا ينقصه إلا مزيد من الحركة السريعة حتى لا يفقد ثقة المدير، والطبيب وصاحب محل الطعام، والمسئول عن مكتب توزيع الصحف. وهذا ما حدث بعد اللقاء الأخير مع أخيه. ضاعف من سرعته وخفته خوفًا من ضياع الثقة. إنها أهم رصيد له في الوجود وأضاف إلى وجهه ابتسامة ليقابل بها الجميع وينال رضاهم وعطفهم.
وسمع أحد الموظفين يقول:
السيد المدير باع سيارته بثمن بخس.. ليشترى أخرى على أحدث طراز.
ومن هنا قفزت إلى ذهنه فكرة بيع سيارته ليتمكن من شراء سيارة حديثة. لا يقل عن المدير بأي حال من الأحوال. وقال بعد بضعة أيام في حجرة الموظفين:
-اشتريت سيارة جديدة بأكثر من ثلاثة آلاف.
وغطت الدهشة وجوه هؤلاء المساكين الذين لا يملكون أن يفعلوا مثله. وكان قد بدأ يفتح بابًا جديدًا يتدفق منه سيل الدنانير. استغل وقت وجوده في مبنى الوزارة، وتحول إلى بائع بجوار عمله الأصلي دون أن يقصر فيه. فقد تضاعفت حركته وتضاعف دخله. يبيع ملابس كالقمصان، وأدوات الزينــة كالأمشاط، وأدوات المطبخ كالمعالق.. كلف أحد أصدقائه أن يورد له هذه البضائع ويأخذ نصيبه من الربح.
وعلم أخوه بالخبر. وكاد ينطح الحجر، ويضرب رأسه في الحائط. هل أصبح محمود تاجرًا أيضًا؟ وتساءل أخوه بخوف حقيقي: هل الطمـع والجشع لا يقفان عند حد؟ وصاح محمود غاضبًا عندما التقيا:
-هل التجارة حرام؟ أنا أفكر في فتح دكان يشرف عليه شخص أختاره بنفسي. وأعطيه أجرته.. وللعلم يا أخي.. حدثت السيد المدير في فكرتي فرحب بها.. ومن المتوقع أن يكون شريكًا لي.
كان محمود يصيح بغضب وبوجه مقطب. تقلص وجهه إلى درجة واضحة. وأطل من عينيه بريق غريب كأن سكينًا تمزق أحشاءه، فسكت وأطرق وأحدق في الأرض.
البقية في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل