العنوان مرحلة الحسابات الخطرة قبيل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-2000
مشاهدات 50
نشر في العدد 1398
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 02-مايو-2000
الإشارات الصادرة من الكيان الصهيوني تنذر بانسحاب غير كامل وهناك خلاف بين السياسيين والعسكريين
أشهر قليلة تفصل لبنان عن أهم حدث في تاريخه المعاصر، وهو انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها في جنوبه.. وهذا لو صدق باراك في وعده الانتخابي، لكن الاستحقاق الخطير في اثاره لن يمر مرور الكرام، فإسرائيل امتنعت عن تجرع كاس السم لأكثر من ٢٢ عامًا لأسباب وجيهة، ولا تريد الآن أن تفرط في كل شيء من أجل السلامة فقط وإن نجاح المقاومة الإسلامية في مقارعة الجيش الإسرائيلي منذ عام ۱۹۸۲م وبصورة خاصة ابتداء من نهاية الثمانينيات، هو الذي أجبر إسرائيل على تداول سيناريوهات الانسحاب ولو من دون تحقيق الشروط الأمنية الملائمة للمستعمرات الصهيونية، فيما يمكن اعتباره اعترافًا ضمنيًا بالفشل الذريع في لبنان.
لكن إسرائيل تكابر على الهزيمة أو هي لا تعترف بها، وإن كانت تقر باستحالة هزيمة المقاومة في حرب العصابات، وتحاول من جهة أخرى قلب المعادلة لمصلحتها من خلال تحويل ورقة الجنوب اللبناني من وسيلة ضغط سورية ولبنانية مشتركة إلى أداة معاكسة بيد إسرائيل، لإجبار دمشق وبيروت على دخول عملية التسوية وفق شروطها لقد نجحت المقاومة اللبنانية في خوض معركة التحرير وفق قواعد تتلاءم وموازين القوى العسكرية، وعبر نضال متواصل وتضحيات كبيرة في صفوف المقاومين والمدنيين على حد سواء وعلى مدى زمني متطاول حتى وجدت إسرائيل نفسها محشورة وسط اتفاقات وتفاهمات تقيد حركة الجيش الإسرائيلي إلى حد كبير، وتذهب بالتفوق العسكري النوعي الذي تتميز به وللمرة الأولى منذ انفجار الصراع في المنطقة تهدد إسرائيل بالانسحاب من مناطق كانت قد احتلتها بالقوة الغاشمة، ودفعت أثمانًا غالية من أرواح جنودها من أجل الاحتفاظ بها، وارتكبت مجازر شنيعة الإرهاب السكان العزل فيها!
انقلاب الأدوار : وانقلبت الأدوار بين لبنان وإسرائيل فقد ظلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة تدعو إسرائيل لتطبيق القرار الدولي رقم ٤٢٥ والذي ينص على انسحاب كامل وغير مشروط من الأراضي التي احتلتها عام ۱۹۷۸م، فإذا بإسرائيل تجد نفسها بعد عشرين عامًا في الطرف المعاكس أي صارت تعترف بوجود القرار أولًا، ثم أصبحت تطالب لبنان بقبول انسحابها مقابل ضمانات أمنية معينة تحمي المستوطنات الإسرائيلية في شمالي فلسطين المحتلة، وفاز إيهود باراك برئاسة الحكومة الإسرائيلية على وقع إعلانه المثير من أنه لو فاز فسوف يخرج الجيش الإسرائيلي من المستنقع اللبناني قبل يوليو المقبل، وأكد باراك التزامه بهذا الوعد بعد انتخابه مرارًا وتكرارًا، ويكاد يكون محط إجماع إسرائيلي بين يمين ويسار ووسط لقد انكب الاستراتيجيون الإسرائيليون على دراسة الوسائل الكفيلة بوقف النزيف في جنوبي لبنان فما وجدوا سوى الانسحاب الكامل وسيلة وحيدة لتغيير قواعد اللعبة جذريًا، وكان بعضهم قد حاول جاهدًا إيجاد حل ناجع لحرب العصابات فاقترح الحرب الجوية المضادة، واستخدمت حكومة باراك الاستراتيجية الجديدة منذ يونيو الماضي. وأعطت بعض الثمار الميدانية، لكن انكشفت محدوديتها في أحداث فبراير المنصرم عندما تمكنت المقاومة من تجاوزها بوسائل مبتكرة.
ففي دراسة حديثة صادرة عن مركز بيجن. السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار. إيلان للعقيد الإسرائيلي المتقاعد صمويل جوردون أن المسؤولين الإسرائيليين في الحكومة وعدد من ضباط الجيش كانوا يعتبرون إلى وقت قريب أن حزب الله ليس سوى منظمة إرهابية، لذلك فشلت كل الإجراءات السابقة في القضاء على المقاومة ومع الوقت بدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن حزب الله كمنظمة عسكرية تخوض حرب عصابات كذلك مالت تقارير الجيش إلى الاتجاه عينه، وكان ذلك تطورًا مهمًا في حد ذاته لأنه يؤشر على مدى الأذى الذي بات مقاتلو حزب الله يلحقونه بالجيش الإسرائيلي.
إن طوبوجرافيا الجبهة تشكل ميدانًا مقبولًا الحرب العصابات، فالجنوب اللبناني يشتمل على منطقة جبلية في الجانب الشرقي، وتلالًا منخفضة في الجانب الغربي بمحاذاة الساحل، وتفصل بين هذه المناطق وسلسلة الجبال أودية تمتد من الشرق إلى الغرب، إضافة إلى أودية ضيقة وعميقة ويشكل نهر الليطاني حدًا طبيعيًا يعيق الحركة السريعة للقوات البرية أما طريق الجنوب باتجاه العاصمة فمغطى بأشجار منخفضة وكثيفة توفر أماكن للاختباء والكمون لضرب الدوريات، لكن منطقة الصدامات صغيرة جدًا ولا يتجاوز عرضها كلم وطولها ٧٠ كلم. مما يعني من وجهة النظر الإسرائيلية أنه بالإمكان استخدام الوسائل الفعالة المضادة لحرب العصابات، بما في ذلك المراقبة الجوية وتوجيه الضربات من الجو بالغارات أو بواسطة القوات المنقولة جوًا.
وقد اعتمدت القوات الإسرائيلية فعلًا الاستراتيجية الجوية ضد المقاومة في جنوبي لبنان بشكل مركز وفاعل ابتداء من يونيو الماضي. وكانت النتائج الأولية مشجعة، فقد انخفضت العمليات الناجحة ضد المواقع الإسرائيلية، وسقط شهداء بمعدلات متزايدة، ثم إن المعادلة التي ارساها عدوان ليل ٢٥ يونيو على المنشآت الكهربائية وبعض الجسور الواقعة على الطريق العام بين بيروت وصيدا حد كثيرًا من فاعلية صواريخ الكاتيوشا في ظل معادلة جديدة مفادها أمن المستوطنات مقابل البنى التحتية اللبنانية.
لكن الاستراتيجية الجوية لا تخلو من ثغرات خطيرة بدليل تمكن المقاومة من اكتشاف المعالجة الميدانية، وفي شهر فبراير المنصرم، استخدمت المقاومة أسلحة مضادة للمدرعات والتحصينات بكفاءة عالية فتجاوزت عقدة الكاتيوشا إذ بات بإمكانها الرد على الاعتداءات ميدانيًا مع إيقاع خسائر يومية بالجنود الإسرائيليين وهو ما دعا حكومة باراك إلى انتهاك تفاهم أبريل بشكل فاضح متجاوزًا بذلك معادلة يونيو ذاتها، فقصفت الطائرات منشآت كهربائية لبنانية مع أن المقاومة لم تقصف شمالي فلسطين المحتلة بالصواريخ.
وتقول دراسة جوردون إن حسنات الحرب الجوية المضادة لحرب العصابات تتلخص في الأمور التالية:
القدرة على الرد المباشر والقدرة على ضرب أهداف طويلة المدى في عمق أرض العدو، والقدرة على تركيز القوات وقوة النيران بشكل سريع وقدرة القتال العالية للقوات الصغيرة والقدرة على القيام بعمليات مستقلة وتجاوز القيود التي تفرضها طويوجرافيا الأرض.
ولكي تتحقق القدرات الكامنة في استراتيجية الحرب الجوية ينبغي الاستغلال الكامل للتكنولوجيا والاستفادة من السلاح المتطور التي لم يتم بعد الموافقة عليها للوحدات النظامية، مثل أجهزة الفضاء، وتوفر تلك الأجهزة القدرة على جمع المعلومات من بداية تنفيذ المهمة وحتى تقييم أضرار المعركة، ومن الممكن استخدام تصوير القمر الصناعي والاستخبارات الإلكترونية لكشف أي تهديد وتجنبه ورسم خرائط للعقبات وكشفها من أجل سلامة الطيران على علو منخفض.
وللعصابات ميزة تتفوق بها على القوات الأرضية، إذ لا ينتاب أفرادها ارتياب أو خوف مفاجئ حول التنازل عن الأرض بشكل مؤقت أو التراجع أو التفرق من أجل الهجوم مجددًا وفي ظروف ميدانية أفضل، إلا أنه ليس للعصابات ميزة على القوات الجوية لأن للأخيرة موقفًا مماثلًا تجاه الأراضي، لذلك تستطيع القوة الجوية بمزاياها أن تنهك جيش العصابات وتزعجه دون تحمل العبء غير الضروري الذي يشمل احتلال الأرض. وبحسب الدراسة المشار إليها، فإن للحرب الجوية المضادة نقاط ضعف أبرزها:
في البيئة المأهولة تنخفض القدرة الفاعلة للقوة الجوية، لأن بمقدور رجال العصابات الاختلاط بالسكان وبسهولة.
قرب القوات الصديقة من مسرح العمليات يشكل عائقًا آخر، إذ من الممكن أن تصيب الغارات هذه القوات أيضًا، لذلك ينبغي أن تكون الحرب الجوية المتكاملة بعيدة بضعة أميال عن خط الحدود للقوات الصديقة.
الرؤية الضعيفة وأحوال الطقس غير المواتية يخفضان أيضًا، وبشكل كبير فاعلية القوة الجوية في كل من المعارك التقليدية والمعارك المضادة لحرب العصابات.
الافتقار إلى المعلومات الاستخباراتية الدقيقة والحديثة حول الأهداف والأخطار هو سبب آخر لخفض الفاعلية.
الكلفة العالية للعمليات الجوية وقابلية المنصات الجوية للعطب، وبشكل خاص أنواع المروحيات المختلفة، التي تتطلب أن تستخدم بحذر وبحكمة وفق تخطيط دقيق.
استراتيجية الهروب
ولم يعد سرًا أن الحكومة الإسرائيلية قررت الخروج من المستنقع بأي ثمن بدليل لجوئها إلى الأمم المتحدة لتطبيق القرار الدولي رقم ٤٢٥، وهي التي استعملت العملاء في الجنوب الإفشال مهمة القوات الدولية عام ۱۹۷۸م ولمنع انتشار قوات الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، لكن السؤال يظل محيرًا للمراقبين وهو هل تنسحب الإسرائيل فعلًا من الجنوب المحتل وحتى الحدود الدولية المعترف بها؟
إن الإشارات الآتية من إسرائيل تنذر بانسحاب غير كامل في حديث المسؤولين هناك عن حدود عام ۱۹۲۳ م وحدود عام ١٩٤٩م وحدود عام ۱۹۷۸م بمعنى خط الجبهة قبل الاجتياح الإسرائيلي ذلك العام. ومن المعلوم أن الإسرائيليين يقضمون الأرض اللبنانية منذ العشرينيات، ففي أيام الانتداب الفرنسي على لبنان تنازل الفرنسيون عن مناطق في الجليل للبريطانيين بذريعة الاستحواذ على منابع المياه، ومنذ انفجار أزمة فلسطين والمستوطنون يريحون خط الحدود شمالًا، إلى أن وقعت حرب فلسطين عام ١٩٤٨م، وانتهت بعقد اتفاقات هدنة مع الدول العربية، وفي اتفاق الهدنة مع لبنان اعتمدت حدود عام ١٩٢٣م أي الترسيم الفرنسي البريطاني، وباتت تلك هي الحدود الدولية المعترف بها.
ويبدو أن خلافًا أساسيًا بين السياسيين والعسكريين في إسرائيل ما يزال قائمًا حول حدود الانسحاب في حال انعدام الاتفاق السياسي مع بيروت ودمشق، فالاعتبارات السياسية تفرض انسحابًا كاملًا حتى يحظى بالدعم الدولي الكامل فيما الاعتبارات العسكرية بمعنى توفير الأمن للمستوطنين تتطلب البقاء في مواقع استراتيجية على الحدود الدولية، وفي هذه الحالة تبقى الذرائع القانونية قائمة لجهة ممارسة حق مقاومة المحتل ولا تستفيد حكومة باراك من الانسحاب العسكري الناقص إذا أرادت منه الضغط المكثف على سورية عبر فصل المسار السوري عن اللبناني وبالانسحاب الكامل برعاية الأمم المتحدة تتخلص إسرائيل من تفاهم أبريل الذي يحيد المدنيين في حماة الصراع، وباستطاعتها حينذاك توجيه ضربات موجعة للمقاومة ومراكزها المدنية والعسكرية على السواء، وربما السورية أيضًا، وهذا ما يقصده الإسرائيليون حينما يتحدثون عن إنضاج السلام ويعنون به فرض السلام بشروط إسرائيلية على لبنان وسورية معًا.
فما خيارات لبنان في حال الانسحاب الإسرائيلي الكامل؟
إن نص القرار الدولي ٤٢٥ لا يدع مجالًا للشك في أن للحكومة اللبنانية وحدها تحديد زمان ومكان انتشار القوات الدولية بعد الانسحاب الإسرائيلي فمهمتها الأولى التأكد من انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود، ومهمتها الثانية مساعدة الدولة اللبنانية في بسط سيطرتها حتى الحدود. لذلك تسعى إسرائيل لتعديل القرار ٤٢٥ من تعزيز صلاحيات القوات الدولية لتصبح عازلة بين لبنان وإسرائيل ورادعة في الوقت نفسه لأي عمليات محتملة عبر الحدود، فيما لبنان لا يريد حماية الحدود قبل التسوية الشاملة، ويرفض أن يرج قواته في الجنوب لتولي المهمة المشار إليها، والأهم من ذلك أنه لا يريد قوات متعددة الجنسية للمهمة عينها ولو كانت فرنسية، فهل ينتهي خيار المقاومة اللبنانية بالانسحاب الكامل ليعود خيار المقاومة الفلسطينية مجددًا تحت شعار حق العودة هذه المرة؟
هذا الطرح دخل سوق التداول بقوة بعدما لمح الرئيس اللبناني إميل لحود. في مذكرته الرئاسية إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى اشتراط لبنان على القوات الدولية تجريد المخيمات الفلسطينية من السلاح قبل الانتشار على الحدود الدولية بعيد الانسحاب الإسرائيلي، ذلك أن قيام الأمم المتحدة بهذه المهمة غير ممكن فذلك ليس من صلاحياتها، كما أن مسألة المخيمات قضية عالقة بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام ١٩٨٢م الذي شهد اتفاق ۲۰ أغسطس وفيه تعهد عرفات بإخراج المسلحين الفلسطينيين من الأراضي اللبنانية وتبع ذلك في عام ۱۹۸۷م إلغاء المجلس النيابي اللبناني اتفاقية القاهرة التي تنظم عمل الفدائيين في لبنان منذ عام ١٩٦٩م.
فكان المذكرة الرئاسية تتبرأ من المقاومة الفلسطينية المتوقعة وهي في سياق رفض السلاح الفلسطيني من حيث المبدأ.
فهل يستطيع لبنان التخلي عن واجباته في ضبط الأمن على أراضيه من المنظور القانوني الدولي وهل بمقدور إسرائيل حينذاك ضرب لبنان من دون رقيب أو حسيب إن المسالة حساسة ودقيقة، فليس بمستطاع لبنان وسورية خوض حرب مدمرة مع إسرائيل، لكن إسرائيل عاجزة عن تخطي الحدود المرسومة دون تدمير عملية التسوية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل