العنوان الخيار الصعب.. الرئيس الإندونيسي بين العزل والمواجهة
الكاتب أحمد دمياطي بصاري
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001
مشاهدات 53
نشر في العدد 1461
نشر في الصفحة 32
السبت 28-يوليو-2001
أخيرًا.. قرر البرلمان الإندونيسي بأغلبية ساحقة عزل الرئيس عبدالرحمن وحيد وتعيين نائبته ميجاواتي رئيسًا للبلاد، وكان وحيد قد أعلن قبل قرار البرلمان بساعات حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ... وكانت الأحداث تتطور بسرعة داخل البلاد.. قبل وبعد قرار عزل الرئيس.. كان التقرير التالي آخر ما وصلنا من هناك.
بعد أن قررت الأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس الشعب الاستشاري الإندونيسي يوم 21 من يوليو الحالي التعجيل بعقد جلسة خاصة للمحاسبة ضاقت السبل أمام الرئيس وحيد، وأصبح أمام خيارين إما المثول أمام المجلس بعد يومين اثنين فقط من ذلك التاريخ للمحاسبة على تهم بالفساد وعدم الكفاءة، أو المواجهة.
نحو 592 نائبًا صوّتوا بالموافقة على تعجيل موعد جلسة، فيما رفضها 5 نواب فقط وامتنع 4 نواب عن التصويت، ولم يحضر بقية النواب (إجمالي العدد 686)، وخاصة نواب حزب نهضة الشعب –حزب الرئيس وحيد– ونواب حزب حب الشعب النصراني مع ملاحظة أن 38 نائبًا من نواب الجيش والشرطة في مجلس الشعب الاستشاري صوتوا لصالح تعجيل الجلسة بعد أوامر صدرت بذلك من مقر القوات المسلحة الإندونيسية للتعبير عن استياء الجيش والشرطة تجاه قرارات الرئيس وحيد، حيث إن من عادتهم الامتناع عن التصويت.
الجلسة التي بقيت مفتوحة لكل الاحتمالات جاءت بعد تشاور أمين رئيس –رئيس مجلس الشعب الاستشاري– مع نوابه السبعة خلص بعدها إلى القول: «نعقد الجلسة العامة بعد إمعان النظر في الأوضاع السيئة في البلاد، وخاصة فيما يتعلق بتعيين الجنرال خير الدين إسماعيل رئيسًا للشرطة»، وحسب تأكيد رئيس، فإن 8 كتل سياسية – حزب ميجاواتي وحزب جولكار وحزب الوحدة للتنمية والكتلة الإصلاحية وحزب القمر والنجمة وحزب الوحدة لنهضة إندونيسيا وحزب دولة الأمة والكتلة - كانت تؤيد تسريع عقد الجلسة الخاصة التي لم يكن على جدول أعمالها سوى بند واحد: محاسبة الرئيس، وهو الأمر الذي يرفضه الرئيس، معللًا رفضه بأن المحاسبة لا بد أن تتم بعد انقضاء فترة حكومته في العام 2004م.
جلسة المحاسبة كان من المقرر أن تبدأ في أغسطس المقبل، لكن الصراع بقي يتصاعد بين البرلمان والرئيس خاصة مع إهمال الأخير تحذير البرلمان له وحثه إياه على عدم الإصرار على تنصيب الجنرال خير الدين إسماعيل رئيسًا للشرطة «ينص قرار مجلس الشعب الاستشاري يجب أن يكون من خلال التشاور مع البرلمان»، لكن الرئيس وحيد لم يبال –كعادته– حيث قام بتعيين خير الدين رسميًّا في غياب نائبة الرئيس ميجاواتي، والوزير المنسق للشؤون السياسية والاجتماعية والأمنية، الجنرال أجوم جيميلار، وجميع قادة القوات المسلحة.
وفي رد فعل على قرار مجلس الشعب الاستشاري، أكد الرئيس وحيد أنه لن يحضر الجلسة على الرغم من قرار المجلس، وعليه فقد صرح أمين رئيس، بأن غياب وحيد سيختصر عمل الجلسة الخاصة في يومين فقط وتنتهي بعزل الرئيس، بينما من المفترض أن تستمر 5 أيام في حالة قبول محاسبة أداء الحكومة، و7 أيام في حالة رفض محاسبة أداء الحكومة.
وفي محاولة للضغط على نائبته قام وحيد بزيارة رحمواتي، أخت ميجاواتي، فيما توجه نواب حزب نهضة الشعب لزيارة الرئيس للتباحث حول ردود الأفعال التي يجدر بالنواب أن يتخذوها، وحسب بيان الأمين العام لحزب نهضة الشعب مهيمن إسكندر –ابن عم الرئيس– فإن النواب عرضوا بعض المقترحات ومنها اتخاذ قرار حاسم بإعلان حالة الطواري وحل البرلمان الأمر الذي لا يجدي أي نفع للرئيس لأن الجيش يكرر مرارًا رفضه لهذه الخطوة، كما أن الشرطة التي يحاول الرئيس كسب تعاطفها لم تظهر أي مساندة له بالرغم من تغيير قيادتها، وحسب بيان رئيس الشرطة الجديد خير الدين، فإن الشرطة ترفض أن تلقي بنفسها داخل الحظيرة السياسية.
حتى العشرين من يوليو الجاري، كان وحيد يؤكد بأن إعلان حالة الطوارئ مؤجل لاحتمال إيجاد حل سلمي، وأنه سيلجأ إلى إعلان هذه الحالة إذا لم يجد في النهاية حلًا وسطًا للأزمة السياسية، وكان يحدد اليوم الأخير من يوليو الجاري كنهاية لفترة انتظار الحل الوسط.
ولكن الوضع يمكن أن يتغير بسرعة بعد قرار مجلس الشعب الاستشاري الذي يدفع الرئيس وحيد للجوء إلى أي سلاح آخر للخلاص من المأزق الذي يعيشه، بالرغم من ضيق ساحته، بما في ذلك إثارة أنصار لإشعال الفتن في معقلهم في جاوة الشرقية، وقد غادر حوالي المئات من كبار أنصار وحيد الذين وصفوا أنفسهم بأنهم علماء جاوة الشرقية متجهين إلى العاصمة جاكرتا يوم الجمعة العشرين من الشهر الجاري، لحضور منتدى أنصار وحيد -منتدى علماء جمعية نهضة العلماء- في معهد الصديقية يوم الأحد الماضي، ويقول رئيس المجموعة، صالح الحياة: «نأتي إلى جاكرتا للقاء نحو 5 آلاف عالم من علماء الجمعية من جميع أنحاء إندونيسيا، والتباحث حول شرعية رئاسة الرئيس وحيد ولتوفيق آراء العلماء حول الأوضاع السياسية الحالية».
المناورة لإفشال الجلسة الخاصة
كان قرار تعيين خير الدين إسماعيل قائدًا للشرطة ورفع رتبته من جنرال ذي ثلاث نجوم إلى جنرال كامل الدافع الذي حرك النواب للموافقة على تعجيل الجلسة الخاصة، فقد تم تعيين رئيس الشرطة الجديد في أعقاب تصريح من المتحدث باسم مجلس الشعب الاستشاري، سيسوونو يطلب من الرئيس عدم استعجال الأمر، حيث اعتبر أن هذه الخطوة ليست إلا مناورة سياسية لإشعال الفتنة داخل الشرطة التي بدأ التفكك بين صفوفها وحسب المصادر المطلعة، فإن تعيين خير الدين جاء رغبة من وحيد في كسب تعاطف الشرطة حيال صراعه مع البرلمان بعد فشل الرئيس في استغلال رئيس الشرطة المعزول الجنرال سورويو بيانتورو، للعمل على إفشال أعمال البرلمان (مجلس النواب) في الفترة الماضية، بل إن بيمانتورو اتخذ قرارًا حاسمًا بالقضاء على أي أعمال عنف في البلاد تتعلق بانعقاد الجلسة الخاصة.
كما حاول وحيد خداع النواب بالزعم بأن قراره الخاص بقائد الشرطة جاء بعد موافقة من رئيس البرلمان، أكبر تانجونج، لكن تانجونج أنكر ذلك وقال: «صحيح إنني اتصلت بالرئيس (جوس دور)، لكنني لم أوافق على تعيين خير الدين، وأكد أن على الرئيس وحيد أن يؤجل تعيين خير الدين» لأنه لم يجد أي موافقة من البرلمان، وإن أصر على موقفه فإن ذلك يعتبر انتهاكاً صارخًا لقرار مجلس الشعب الاستشاري رقم 7 وسيولد تداعيات سياسية حادة.
كما أن الجنرال أجوم جوميلار، الوزير المنسق للشؤون السياسية والاجتماعية والأمنية، لم يوافق على تعيين خير الدين، وهذا ما دفعه إلى الغياب لحظة تعيين خير الدين، كما أنه رفض طلب الرئيس وحيد باعتقال الجنرال بيمانتورو بتهمة مخالفة أوامر الرئيس، إذ يرى أن الجنرال بيمانتورو لم ينتهك الضوابط العامة والمألوفة عند الشرطة، وأكد أن الطاعة بمعناها الصحيح هي طاعة الأوامر الصحيحة بناء على الدستور والقوانين ومن أجل مصالح الشعب، وليس من أجل المصالح الخاصة. إن مبادرة الرئيس وحيد بتعيين رئيس جديد للشرطة كان بمثابة قوة الدفع التي دفعت وحيد للسقوط في الحفرة التي حفرها منذ شهور والتي توشك أن تضم رفات حكومته.
وعلى ما يبدو، فإن تطور الحالة السياسية وخاصة عملية عزل الرئيس، أعطى انطباعًا إيجابيًّا للمجال الاستثماري والسوق الإندونيسي، فقد انتعشت الآمال في الأوساط التجارية والاقتصادية من جديد وانعكس ذلك تحسنًا في سعر الروبية الإندونيسية لكن أحدًا لم يعرف بعد إلى أين ستستقر الأوضاع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل