; السيد عبد العزيز الصقر: أي إصلاح إداري لا يبدأ بتطبيق القوانين بحزم وعدل ومساواة لا يخرج عن كونه أدوية مهدئة | مجلة المجتمع

العنوان السيد عبد العزيز الصقر: أي إصلاح إداري لا يبدأ بتطبيق القوانين بحزم وعدل ومساواة لا يخرج عن كونه أدوية مهدئة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1985

مشاهدات 92

نشر في العدد 711

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 02-أبريل-1985

لقاء العدد: الجزء الأول

  • السيد الصقر رئيس غرفة التجارة والصناعة
  • إيجابيات التيارات الدينية كثيرة ولا تنكر، أما أبرز سلبياتها فهو افتقادها لوحدة الصف.
  • الاختلاف في الرأي يجب ألا يكون مثار ضغينة أو سبب عداوة وانقسام.

عبد العزيز الصقر.. أول رئيس لمجلس الأمة ورئيس غرفة وتجارة الكويت حاليًا، وصاحب سجل حافل وتاريخ عريق في خدمة بلده في مختلف الميادين التي خاض غمارها السياسي منها والاقتصادي والاجتماعي، و أحد رجالات الكويت المعدودين الذين من حق الأبناء أن يفخروا بالانتماء إلى أمثالهم.

المجتمع: هل تعتقد أن مبدأ الفصل بين السلطات الذي تبناه الدستور الكويتي حقق ما كنتم ترسمونه إبان تأسيسكم للدستور وذلك خلال ممارسة عشرين سنة ماضية، أي هل استطاعت السلطات الثلاث أن تمارس مسؤولياتها واختصاصاتها بصورة مستقلة دون التأثر بالأخرى؟

العم بو حمد: أكد دستور دولة الكويت أن نظام الحكم يقوم على أساس فصل السلطات مع تعاونها، كما حظر على أية سلطة أن تتنازل عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليه في الدستور.

فالنص الدستوري في مبدأ الفصل بين السلطات نص واضح وصريح وأستطيع القول إن احترام هذا النص والالتزام به خلال السنوات الثلاث والعشرين التي مرت على تطبيق الدستور كان مرضيا ومطمئنا خاصة إذا تذكرنا أن الفصل بين السلطات الثلاث يجب أن يتم في إطار التعاون البناء بينها لتحقيق الأهداف العامة للدولة كالحرية والعدالة، والمساواة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.. وليس بمستغرب ولا مستبعد في إطار التعاون هذا أن تتأثر قرارات ومواقف إحدى السلطتين التشريعية أو التنفيذية بوجهات نظر السلطة الأخرى شريطة أن يكون هذا التأثر عن قناعة وللمصلحة العامة لا عن ضغوط أو تعسف.

المجتمع: هل الحريات السياسية والحقوق العامة التي منحها الدستور للمواطن كافية ولا تحتاج إلى المزيد منها؟

العم بو حمد: صان الدستور للمواطن كرامته الإنسانية وكفل حريته الشخصية، وأكد حرية الاعتقاد والرأي والبحث العلمي وحرية الصحافة والطباعة والنشر، وحفظ للمساكن حرمتها وللمحاكم استقلاليتها، كما نص صراحة على حق المواطن في الملكية الشخصية والعمل والتعليم وتكوين الجمعيات والنقابات... ودستور الكويت مثله مثل كل دساتير الدول الديموقراطية يكتفي بوضع المبادئ العامة تاركا للقوانين تحديد سبل التطبيق وتفصيلاتها. 

وبالتالي فإني أعتقد أن ما نص عليه الدستور في صدد حريات المواطن وحقوقه واضح .. والمهم هو الحرص على الالتزام بنص الدستور وروحه وبانفتاحه الكامل على كل ما يوفر للمواطن أمنه وحريته وكرامته في القوانين والتشريعات المكملة وفي التطبيق الفعلي واليومي.

المجتمع: ذكرت في إحدى مقابلاتك وكتاباتك أن الديمقراطية الكويتية تمر في عملية تفريغ من مضامينها الحقيقية، ماذا تقصد بذلك؟

العم بو حمد: أعتقد أن ثمة التباسا في هذا السؤال إذ لم يسبق لي أن كتبت أو صرحت بما ورد في السؤال. 

المجتمع: هل كنتم تتصورون خلال مناقشاتكم لتأسيس الدستور أن مادة من مواده تعطي الحق في تعطيل الحياة النيابية وما رأيك شخصيا بالتعطيل الذي تم عام 1976؟

العم بو حمد: في دستور الكويت مواد تحكم أسلوب تنقيح الدستور أو تعديله، وتبين ظروف وشروط حل مجلس الأمة لكني لا أذكر وجود مادة معينة تعالج موضوع تعطيل الحياة النيابية. 

والأمر الأميري الصادر عام 1976 الذي يشير إليه السؤال لم يستند إلى مادة دستورية بالذات، وإنما استند إلى اعتبارات تتعلق بمصلحة البلاد بصورة عامة، والواقع أنه في معظم الدول الحديثة العهد بالنظام الديموقراطي: تتعرض المسيرة الديمقراطية لبعض النكسات التي يكفل وعي الشعب ووحدته، وتفهم الحكم وبصيرته بتجاوزها والخروج منها ونحمد الله أن هذا ما أثبته شعب الكويت وقيادته السياسية. 

المجتمع: هل تعتقد أن مشروع التنقيح الذي تقدمت به الحكومة تنقيحا شكليا أم يمس توازن السلطات الثلاث أي يمس مبادئ الحرية والمساواة والعدالة؟

العم بو حمد: لو كان مشروع التنقيح، مجرد تعديل شكلي لبعض مواد الدستور لانتفى مبرره تماما؛ لأن الدستور أهم من أن يتعرض للتعديل لمجرد التغيير الشكلي، وبالتالي، لا بد وأن يكون هدف الحكومة من "مشروع التنقيح" الذي سبق أن تقدمت به أبعد من ذلك. 

وبرأيي أن كثيراً من التعديلات التي تضمنها المشروع كانت تمس "المشاركة الشعبية" من خلال "تحجيم" دور النواب المنتخبين إن صح التعبير.

المجتمع: يقال إن الدستور الحالي راعى التدريج والمرحلية في زيادة الحريات والحقوق والمشاركة الشعبية وأن مؤسسيه كانوا يتوقعون أن يعدل الدستور نحو المزيد من الحريات بعد خمس سنوات من التطبيق، هل هذا صحيح؟

العم بو حمد: حظرت المادة (174) من الدستور اقتراح أي تعديل عليه قبل خمس سنوات على العمل به، وذلك بغية تأكيد حرمة وأهمية وهيبة الدستور من جهة، وبغية إعطاء الممارسة الدستورية فرصة زمنية قبل التفكير بأي تعديل. 

أما المادة (175) من الدستور فقد استثنت مجموعتين من الأحكام الدستورية من إمكانية أو جواز التنقيح أو التعديل.

الأولى: الأحكام الخاصة بالنظام الأميري للكويت إلا إذا كان التنقيح يتعلق بلقب الإمارة.

والثانية: الأحكام المتعلقة بمبادئ الحرية والمساواة إلا إذا كان التنقيح يقدم مزيدا من ضمانات الحرية والمساواة. 
وفي اعتقادي أن من الصعب القول استنادا لنص هاتين المادتين أن الدستور قد راعى التدرج والمرحلية في زيادة الحريات والحقوق والمشاركة الشعبية.. لأن في قولنا هذا اعترافا فعليا بأن الدستور قد حجب عن المواطن بعض الحريات والحقوق وهذا غير صحيح. 

وما أفهمه من نص هاتين المادتين أن الدستور قد راعى عنصر المرونة تحسبا للتجاوب مع التطورات المستقبلية واحتياجاتها فسمح بمبدأ التنقيح وأعطى الأمير ومجلس الأمة هذا الحق في حدود وإجراءات معينة؛ ولكنه في نفس الوقت خشي أن يأتي هذا التنقيح ماسا بمبادي الحرية والمساواة التي أقرها فحجب حق التنقيح بالنسبة للأحكام المتعلقة بهذه المبادئ، إلا إذا كان التنقيح المقترح يعطي ضمانات أفضل لتطبيق هذه المبادئ..

المجتمع: ما رأيك بانتخابات عام 1985 مقارنة بانتخابات المجلس التأسيسي؟

العم بو حمد: بين انتخابات المجلس التأسيسي عام ١٩٦٢ وانتخابات الفصل التشريعي السادس لمجلس الأمة في فبراير ١٩٨٥ خمس وعشرون عامًا أو تكاد، وهي مدة شهدت خلالها الكويت من التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ما لا بد وأن ينعكس بصورة واضحة على كافة النشاطات السياسية ومنها الانتخابات البرلمانية، فعدد الناخبين قد ازداد، وفئات أعمارهم ومستويات ثقافتهم قد اختلفت، ومفاهيمهم الاجتماعية ومنطلقاتهم السياسية قد تطورت كما تغير عدد الدوائر الانتخابية وتقسيماتها بشكل جذري، ونشأت مناطق جديدة لم تكن موجودة توزعها المواطنين من أغلب المناطق السكنية التقليدية. 

ومع ذلك كله نلاحظ أن ثمة نقاط التقاء وتشابه بالغة الأهمية بين انتخابات عام ١٩٦٢ وانتخابات عام ۱۹۸۵، أولها وأبرزها سيطرة الاهتمامات أو الهموم السياسية على أجواء المعركة الانتخابية ومناقشاتها وندواتها كالدستور والديموقراطية والسياسة السكانية.. وثانيها ربط الناخب بين آراء المرشح وأقواله وممارساته الفعلية الماضية، وثالثها الرغبة في أن تتمثل في مجلس الأمة كل الأفكار والتيارات .. ورابعها الحياد الذي اتسم به موقف الحكومة في الحالتين. ولئن تميزت انتخابات عام 1985 بالمستوى الرفيع لمناقشاتها وندواتها، وبالنسبة العالية لعدد المقترعين، فقد تميزت انتخابات عام 1962 بغياب ظاهرة شراء الأصوات غيابا كاملا وبترفع المرشحين والناخبين عن ممارسة التصويت الناقص أو ما عرف مؤخرا بظاهرة الصوت الأعور».

المجتمع: عندما حدث التزوير في انتخابات عام 1967 ماذا كان رد فعلك وهل فقدت ثقتك بعد ذلك بجدوى الحياة الدستورية؟؟

العم بو حمد: كان رد فعلي مع عدد من الزملاء الاستقالة الفورية المعلنة والمبررة، ولكني أبدًا لم أفقد ثقتي بالنظام الدستوري الديموقراطي، بل أن هذه الواقعة بالذات زادتني إيمانًا بضرورة التمسك بالدستور والعمل من أجل تنفيذه واحترامه والالتزام به نصًا و روحًا.

المجتمع: ما هو تفسيرك لاعتزال المخضرمين من أمثالك -ممن ساهم في بناء الكويت- الحياة السياسية وبالذات اعتزال السلطة التشريعية بحيث لم تستفد الخبرات الشابة من الخبرات المخضرمة؟

العم بو حمد: لا أعتقد أن أي شخص يدخل المعترك السياسي كميدان لخدمة الوطن والأمة، أو لمبادئ ومُثل يريد أن يراها سائدة في مجتمعه، يستطيع أن يعتزل الحياة السياسية؛ ولكن من الممكن أن يعتزل العمل السياسي، وبرأيي أني وكثيرًا من الزملاء الذين حاولوا أن يؤدوا واجبهم في خدمة الكويت ممن ينطبق عليهم هذا القول فنحن لم نعتزل الحياة السياسية بل اعتزلنا العمل السياسي الذي تعتبر عضوية مجلس الأمة من أهم نشاطاته، واعتزالنا العمل السياسي كان رغبة في فسح المجال أمام الشباب من أبناء الوطن وثقة بقدرتهم على متابعة المسيرة، ولا أعتقد أن أحدًا منا يضن بتقديم مشورته وخدمته كلما وجد ضرورة لذلك ولا أقول كلما طلب منه ذلك.

المجتمع: يقال إن حركة القوميين العرب كان لها تأثير خارجي وداخلي على مسيرة الحياة السياسية في الكويت فما رأيك بهذه المقولة؟

العم بو حمد: «رغم أن حركة القوميين العرب»، قد ظهرت كتنظيم سياسي على الساحة العربية بعيد نكبة فلسطين، فإني أعتقد أن زخمها السياسي والاجتماعي لم يبرز إلا في أعقاب تأميم قناة السويس وفي الفترة التي جرى التعارف على تسميتها بفترة "المد الناصري" نسبة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وحتى في هذه الفترة، لا نستطيع أن نتبين بصورة علمية صحيحة أين يبدأ وينتهي تأثير هذ الحركة وأين يبدأ وينتهي تأثير الزعامة الشخصية للرئيس جمال عبد الناصر سواء في الكويت أو في أي قطر عربي آخر، ولعل مما يدعم صحة هذا القول هو الانحسار الذي شهده نشاط هذه الحركة وتأثيرها بعد هزيمة 1967 وضعف توهج الزعامة الناصرية، إن صح التعبير، ومن ثم وفاة الرئيس عبد الناصر رحمه الله. 

المجتمع: ما رأيك بالتيارات السياسية الموجودة في الكويت؟ وهل تمثل ظاهرة صحية أم ظاهرة غير صحية؟ 

العم بو حمد: في الكويت الآن برأي مشاريع أو إرهاصات جادة لتيارات سياسية مازالت تحتاج إلى "تبلور" فكري لتوضيحها وتمييزها، وإلى "خميرة التجربة"، لصقلها وإغنائها وهذا أمر طبيعي في بداية تكون أي تيار سياسي، وإذا نظرنا إلى هذه التيارات كمدارس في التفكير السياسي الكويتي وليس كبدايات الأحزاب السياسية، أعتقد أنها ظاهرة صحية تمامًا

تؤكد أصالة الفكر الحر والنهج الديموقراطي لدى الشعب الكويتي شريطة أن تلتزم كل هذه التيارات قولًا وعملًا بأن تبقى الكويت ومصلحة شعبها فوق كل فكر وفوق كل اجتهاد. 

وشريطة أن تتسم بالانفتاح الفكري الذي لا يجعل اختلاف الرأي مثار ضغينة أو سبب عداوة وانقسام، أي بشرط أن تلتزم أيضًا بأسلوب الحوار العلمي وديموقراطية القرار.

المجتمع: ما هي سلبيات وإيجابيات التيارات الدينية في الكويت؟ 

العم بو حمد: الإيجابيات كثيرة ولا تنكر أبدًا أهمها على الإطلاق توصية الشباب بأصول الدين الإسلامي الحنيف وعقائده وعباداته ومكارم أخلاقه في كل نواحي الحياة الخاصة والعامة.

ومقاومة التيارات الفكرية التبشيرية والاستعمارية على اختلاف مصادرها ومدارسها.

أما أبرز السلبيات فهو أن التيارات الدينية كما ورد تمامًا في السؤال في «تيارات» وليست «تيارًا» واحدًا أي افتقاد وحدة الصف والظاهرة السلبية الهامة، الثانية والتي قد تكون سببًا للأول أو نتيجة لها هي أن الجماعات الدينية المختلفة في الكويت تضيع كثيرًا من الوقت والجهد في التصدي لقضايا غير جوهرية على حساب القضايا الجوهرية والتي لازالت بحاجة للكثير من الاهتمام والمتابعة.

المجتمع: هل تؤيد انشاء احزاب سياسية في الكويت؟

العم بو حمد: سبق أن بينت موقفي تجاه سؤال كهذا، فمن حيث المبدأ العام، لا خلاف في أن الأحزاب السياسية المنظمة وذات البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواضحة والمعلنة من مقومات النظام الديمقراطي. 

أما في الكويت، فإني اعتقد أن السماح بالأحزاب السياسية في هذه المرحلة سيؤدي إلى قيام أحزاب ترتبط بالنزعات القبلية والعشائرية وغيرها أكثر من التزامها بالمنهج السياسي والاقتصادي المعلن لهذه الأحزاب.

والواقع، أن الأمر لا يتعلق فقط بالسماح بإقامة الأحزاب، بل لا بد من اعتماد النظام الحزبي في الترشيح والانتخاب والتمثيل.. وهذا يتطلب درجة كافية من الثقافة والوعي السياسي لضمان نجاحه. 

وأعتقد أن الكويت ماتزال بحاجة المزيد من الوقت لاستكمال هذا الشرط قبل أن تعتمد «الأحزاب» كقاعدة لحياتها الديموقراطية ..

المجتمع : ما هي طبيعة المعارضة في المجلس التأسيسي ؟  

وماذا كان هدفها برأيك أذناك؟

العم بو حمد: كانت المهمة الأولى والأهم للمجلس التأسيسي في تأسيس قواعد الديموقراطية والمشاركة الشعبية وترسيخ مفاهيم الدولة الحديثة في الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد وذلك من خلال دستور البلاد، ومن الطبيعي، والمهمة الأساسية في وضع الدستور، أن تتمحور مواقف أعضاء المجلس حول مواد الدستور ومناقشتها ودراستها، وأن يتركز هدف «المعارضة»، إن صح التعبير على ضمان أن يأتي هذا الدستور ملبيًا لطموحات الكويت وشعبها في الحرية والديموقراطية والتقدم.

المجتمع: هل أنت راض عن دور المعارضة عمومًا في الكويت وهل أدى إلى نتائج عملية أم أن دورها كان محصورًا في تسجيل المواقف؟

العم بو حمد: «المعارضة» جزء عضوي أساسي وأصيل في جسم أي نظام ديموقراطي، والحرية طبيعة وتعريفا هي أن يكون للمواطن حق التفكير بالبدائل في جميع الأمور وحق الاختيار بين هذه البدائل تبعا لقناعاته، مع الالتزام بالانصياع لرأي الأغلبية في القرار النهائي. 

وبالتالي لا يمكننا أن نتصور وجود ممارسة ديموقراطية صحيحة دون وجود معارضة واعية ومخلصة، فوجود المعارضة» إذن ضرورة طالما رضينا الديموقراطية نظاما. ولكن هذا لا يمنعنا من أن نقيم أداء المعارضة ومدى نجاحها أو فشلها، تماما كما نقيم أداء الحكومة ومدى نجاحها وفشلها. أما عن دور المعارضة في الكويت فأعتقد أنه كان دورا إيجابيا بصورة عامة وإن كان لم يخل من بعض الأخطاء والمواقف التي أعتقد أنه قد جانبها التوفيق. 

ورغم أني لا أبرئ المعارضة في الكويت من مثل هذه الأخطاء ومن بعض المزايدات، إلا أني أعتقد تماما بأن من الظلم القول إن دورها كان محصورا في تسجيل المواقف، بل أذهب أبعد من ذلك فأقول إنه كان للمعارضة البرلمانية الكويتية تأثير إيجابي في كثير من القضايا الرئيسية. 

كما كان لها الكثير من المواقف الواعية والناضجة التي أغنت الحياة البرلمانية والممارسة الديموقراطية في البلاد.

وفي كل الأحوال، يجب ألا ننسى أن «المعارضة» بحكم تعريفها هي ذات الأقلية العددية بين النواب، لأنها لو كانت غير ذلك لأضحت صاحبة القرار. 

ولكن هذا لم يمنع المعارضة الكويتية من أن تكون معارضة مؤثرة بالقرار.

المجتمع: مورست المعارضة من خلال تيارين سياسيين الأول خلال المجالس السابقة وبواسطة التيار الليبرالي والثاني خلال المجلس الخامس وبواسطة التيار الديني ما رأيك بالأسلوبين؟

العم بو حمد: في اعتقادي أنه لا يمكن أن يكون للمعارضة أساليب مختلفة إلا في ظل الأنظمة غير الديموقراطية، أما في الأنظمة الديموقراطية حيث يلتزم طرفا اللعبة البرلمانية بقواعدها الراسخة في حرية الحوار وأغلبية القرار، فلا يوجد للمعارضة إلا أسلوب واحد هو الحوار الموضوعي والمناقشة الحرة داخل قاعة مجلس الأمة، وشرح الآراء والمواقف لاجتذاب تأييد فكري شعبي بواسطة الصحافة الحرة والندوات خارج قاعة المجلس.

إذن، فالهدف واحد وهو المصلحة العامة، والأسلوب واحد وهو الأسلوب الديموقراطي، أما الاختلاف بين تيارات المعارضة المختلفة -سواء في الكويت أو في غيرها من الدول الديموقراطية- فيكون في الأفكار والمنطلقات.

المجتمع: يقال إن مشاكل الإسكان والفساد الإداري وانعدام التخطيط نشأت وتفاقمت بسبب الأسس غير السليمة التي وضعها الإداريون السابقون، ولم تعالجها السلطات التشريعية السابقة بصورة سليمة.. ما رأيك بذلك؟

العم بو حمد: لا أتفق مع هذا القول وأعتقد أن جوهر المشكلة يتمثل في التطبيق غير السليم، أو في عدم تطبيق التشريعات والأنظمة، فلا يوجد في الكويت تشريع أو نظام يسمح بالفساد الإداري أو يحول دون التخطيط الاقتصادي والاجتماعي على سبيل المثال، بل هناك تشريعات وقوانين وقرارات تأمر بالانضباط الإداري التام وتدعو للتخطيط.. ولكن التهاون في تطبيق هذه التشريعات والقرارات والتساهل في إنزال العقاب على كل من يستحقه هو الذي أدى إلى المشاكل والتعقيدات. 

والقوانين والأنظمة يمكن دائمًا تعديلها على ضوء التجربة وتبعًا لتطور الاحتياجات، ولكن القوانين مهما أحكمت، والأنظمة مهما فصلت لا يمكن أن تؤدي الهدف الذي وضعت من أجله مالم تقترن بالتطبيق العادل والحازم في أن معًا.

المجتمع: ما رأيك بسياسة التجنيس خلال العشرين سنة الماضية؟

العم بو حمد: لو سألتني عن أفدح الأخطاء التي سجلها تاريخ الكويت الحديث لقلت لك سياسة التجنيس بصورة عامة وتلك التي نفذت منذ أوائل الستينيات وحتى أواخر السبعينيات على وجه الخصوص، إذ لا تزال البلاد تحصد حتى اليوم القطاف المر لتلك السياسة المنبثقة عن دوافع سياسية محضة ليس – في اعتقادي– ما يبررها وأخطر هذا القطاف النزعة القبلية والتعصب الطائفي. 

وإذا كان ما جرى بسبب سياسة التجنيس هذه نتائجه، فإن العمل على منع استمراره، والسعي لتدارك نتائجه وتطويقها، هو أضعف الإيمان الذي لا بد من التمسك به. 

المجتمع: أين كان المخضرمون إبان الأزمات الحادة التي مرت بها الكويت مثل تزوير الانتخابات، تعطيل الحياة النيابية، أزمة المناخ، تقليص حرية الصحافة... الخ؟

العم بو حمد: المخضرمون ليسوا تجمعًا سياسيًا ولا تيارًا فكريًا... هم –بكل بساطة– رجالات الكويت الذين خدموها بتجرد وإخلاص يوم كانت ساحة جهاد العيش الكريم. 

واستمروا بخدمتها بنفس التجرد والإخلاص يوم أضحت واحة رغدة للعيش السهل.

و«المخضرمون» كانوا حيث كان كل المخلصين فاستقال من نجح منهم رغم التزوير، ولم يشجع أي منهم استمرار تعطيل الحياة النيابية، وكانوا أول من حذَّر من أزمة المناخ فلم يدخلوا هذه اللعبة الجهنمية ولم يربحوا منها فلسًا بل على العكس كانوا –مثل كل من التزم بالاستثمار طويل المدى والبعد عن المضاربة– أول ضحاياها.. وهم لم يقفوا يومًا إلا مع حرية الصحافة الوطنية الواعية.

المجتمع: لماذا لم تحل حتى الآن مشاكل الفساد الإداري في الجهاز الوظيفي مثل المحسوبية على حساب الكفاءة واستثمار المركز الوظيفي على حساب الأمانة والواسطة على حساب العدالة وغيرها؟؟

العم بو حمد: بكل بساطة، وبعيدًا عن الدبلوماسية، لأننا لم نسمع حتى الآن في كل الحوادث التي أفرزتها هذه المشاكل عن نتيجة واضحة توصل إليها تحقيق، أو بمتابعة لتحقيق أدت للإحالة على القضاء، أو بمحاكمة انتهت إلى تحديد المسؤولية وتطبيق العقوبة بحق المسؤول كائنًا من كان، أي لأن القوانين لا تطبق بعدل وحزم ومساواة .... وأي إصلاح إداري لا يبدأ من هنا لن يخرج عن كونه «تعديلًا» في الأوضاع غير السليمة، وأدوية مهدئة لأمراض تزداد انتشارًا وخطورة.

المجتمع: يقال بأن المجلس السابق قد نجح في دوره التشريعي حيث أصدر كثيرًا من القوانين الناجحة، ولكنه في المقابل فشل فشلًا ذريعًا في الجانب الرقابي وكانت مواقفه الرقابية ضعيفة «مثل موقفه من قضية الموجه الفني– استجواب الوزراء– الفساد الإداري» ما رأيك؟

العم بو حمد: دعني أضع رأيي في قالب آخر فأقول إن المجلس السابق قد افتقد روح المبادرة دون أن يتخلى عن إبداء الرأي والمناقشة بمعنى أن المجلس السابق غلبت عليه صفة مناقشة اقتراحات الحكومة ومبادراتها، وإبداء الرأي فيها ثم إقرارها على حالها أو بعد تعديلها نحو الأفضل أحيانًا ونحو الأسوأ أحيانًا أخرى.. ولكنه لم يقدم على المبادرة بطرح الاقتراحات ومشاريع القوانين في الأمور الحيوية الهامة، وربما كان أسلوب معالجة المجلس السابق لأزمة المناخ خير مثال على ما أقول.

المجتمع: تخصص الكويت من ميزانيتها العامة مبلغًا كبيرًا للدعم العربي، هل ترى بأن هذا الالتزام يعطي مردودُا إيجابيًا أم يشكل عبئًا على الميزانية خاصة في ظل العجز القائم حاليًا؟

العم بو حمد: أود بداية أن أؤكد اعتقادي المبدئي والعميق بأن وحدة الصف العربي وتكاتف أقطاره هو شرط وجود ومصير، والأخطار التي تتهدد أي بلد عربي فهي أخطار تتهدد العالم العربي كله بمختلف دوله من مشرقه إلى مغربه.. وإذا كنا نسمع اليوم بدول مواجهة ودول مساندة فهذا مجرد تعبير يعكس البعد أو القرب الجغرافي من العدو الصهيوني والقوى العالمية المؤيدة له، ولا يعني إطلاقًا أن دولة عربية ما بعيدة عن هذا الخطر، ولا شك أن تعدد المناطق الملتهبة في الوطن العربي حاليا تثبت هذه الحقيقة، بل وتؤكد أن البعد الجغرافي هذا لم يعد له نفس الأهمية السابقة في تحديد أعداء العرب لأولوياتهم.

ومن هذا المنطلق، انبثقت التزامات الكويت المالية لدعم الدفاع العربي في جبهاته المختلفة، وهي التزامات يجب أن ننظر إليها –في اعتقادي– كجزء من نفقات الكويت الدفاعية عن نفسها واستقلالها، وبالتالي لا يمكن أن تبحث في ضرورتها أو مدى إيجابيتها.

ولكن ما يجب أن نبحثه فعلًا هو كيفية توحيد الصف العربي، وكيفية وضع معاهدة الدفاع العربية موضع التطبيق العملي، وكيفية وضع وتنفيذ استراتيجية عربية متكاملة للوقوف في وجه العدوان المستمر والمتصاعد بمختلف جبهاته وميادينه…

ما يجب أن نبحثه ليس كم ندفع وإلى متى ندفع، بل كيف يمكن أن نحرر أرضنا ونرد الأعداء عنا وننتصر لديننا وكرامتنا ولو كلفنا الأمر كل ما نملك.

المجتمع: هناك رأي يقول بأن النائب «التاجر» ترتبط مصالحه التجارية بشكل أو بآخر مع الأجهزة الحكومية، وبالتالي فإن معارضته داخل المجلس لن تتجاوز دائرة «مصالحه الخاصة» وهو بالتالي لا يمثل صوت المعارضة الصادقة.. ما رأيك؟

العم بو حمد: أولًا: لا يوجد مواطن مهما كان عمله أو مصدر رزقه لا ترتبط مصالحه بشكل أو بآخر مع الأجهزة الحكومية. 

ثانيًا: لماذا تفترض سلفًا أن كل نائب يجب أن يكون معارضًا ويمثل «صوت المعارضة الصادقة»!!

إن النائب يمثل صوت الشعب الذي لا يكون دائمًا وبالضرورة صوت المعارضة.

ثالثًا: نص السؤال يوحي بقناعة لا تقبل الجدل أن الأجهزة الحكومية تتخذ مواقفها من النواب استنادًا إلى تأييدهم أو معارضتهم الحكومة فتحابي الأولين وتتحامل على الآخرين.

وهذا أيضًا موضع جدل وليس بالأمر المقبول افتراضًا. 

إذن فأول ما يجب العمل من أجل ضمانه هو حياد الأجهزة الحكومية وتعاملها مع كل المواطنين تبعًا للأنظمة والقوانين، وثاني ما يجب على الناخب أن يسعى إليه قبل إلقاء ورقته -دون محاباة أو تحايل- في صندوق الاقتراع هو أن يختار المرشح الذي يتوسم فيه خدمة المصلحة العامة بإخلاص والترفع عن المصلحة الخاصة في أداء الأمانة النيابية.

بقي أن أقول في هذا الصدد أن التجارب الماضية في الكويت أثبتت أن غالبية النواب من رجال التجارة والعمل الحر كانوا من أكثر النواب وعيًا وإخلاصًا وتضحية.. ولا أريد أن أشير إلى ما أثبتته مواقف بعض النواب من غير رجال الأعمال تجاه أزمة المناخ.

المجتمع: في عهد الشيخ عبد الله السالم تأسس أول مجلس للأمة، ولقب الشيخ عبد الله السالم بلقب «أبو الديموقراطية»، ما رأيك بهذه الشخصية؟

العم بو حمد: لا ينكر أحد أن ما تحلى به المغفور له الشيخ عبد الله السالم  -رحمه الله- من شخصية قوية، وانفتاح فكري ونظرة بعيدة، وإيمان عميق بمبدأ الشورى، كان له الأثر الكبير في صدور دستور الكويت كما أقره المجلس التأسيسي تمامًا متجاوبًا مع رغبة الشعب ومستجيبا لاحتياجات البلاد وظروفها. 

ولا ينكر أحد أن عهد الشيخ عبد الله السالم بما حفل به من إنجازات على مختلف الأصعدة والميادين، وبما وضع خلاله من أسس صالحة لدور الكويت محليًا وعربيًا ودوليًا، سيبقى عهدًا متميز الإشراق في تاريخ الكويت.

في الختام نشكر العم بو حمد على تفضله بالإجابة.. وإلى اللقاء في العدد القادم مع الجزء الثاني من المقابلة.

الرابط المختصر :