; السلام في دارفور.. حقيقة إن صدقت النيات | مجلة المجتمع

العنوان السلام في دارفور.. حقيقة إن صدقت النيات

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003

مشاهدات 63

نشر في العدد 1569

نشر في الصفحة 26

السبت 20-سبتمبر-2003

فرح المسلمون عامة والسودانيون خاصة بتوقيع حكومة السودان اتفاقية سلام مع «حركة تحرير دارفور» أوقف الجانبان بموجبها إطلاق النار، مما أثلج صدور قوم مؤمنين لأن المقتتلين مسلمون والاتفاقية تنزع فتيل الفتنة الأهلية و«تمرحل» لحل المشكلات سلميًّا بعيدًا عن غُل الحرب، كما أن الاتفاقية مقدمة لعودة العقل والإخاء وحقن الدماء.

بنود الاتفاقية تقول بالآتي:

1- وقف إطلاق النار بين الحكومة والحركة لمدة ٤٥ يومًا في المناطق الخمس التي يوجد بها حملة السلاح من عناصر الحركة.

2-السيطرة على المجموعات المسلحة غير النظامية في المنطقة إذ توجد مجموعات قبلية مناوئة للحركة تسلحت للتصدِّى لمقاتلي حركة دارفور.

3-إطلاق سراح الأسرى لدى الطرفين.

4-تجميع قوات الحركة في مناطق محددة يتفق عليها لتفادي الاختلاط بمجموعات مسلحة أخرى.

5-إرساء دعائم السلام الشامل والدائم من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

6-تكوين لجنة من الحكومة وحركة دارفور وحكومة تشاد لمتابعة التنفيذ.

7-تبدأ مفاوضات خاصة بملاحق الاتفاقية بعد ٤٥ يومًا من التوقيع بعدها يتم تسليم الأسلحة 

الخاصة بالحركة في ظرف أسبوعين من الاتفاق النهائي.

تلك هي بنود الاتفاقية التي تم التوصل إليها في مدينة أبش بتشاد تحت رعاية خاصة من الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي كان لتدخله أثر كبير في تسريع الوصول للاتفاق، إذ من المعلوم أن ديبي والفئة الحاكمة في تشاد لديهم انتماءات عرقية مع قبائل غرب دارفور وشماله وأهم تلك القبائل قبيلة الزغوة التي يتوزع أفرادها بين السودان وتشاد وتعتمد حركة تحرير دارفور عليهم أساسًا.

ما أدهش كثيرًا من السودانيين أن الاتفاق بين الحكومة والحركة لم يتحدث عن مكاسب آنية، يجب تحقيقها فورًا للحركة بل لا يتضمن الاتفاق وعودًا قاطعة وملزمة بقيد زمني محدد بتحقيق تنمية واضحة معينة في مناطق النزاع.

وبعد توقيع الاتفاق أصبح واضحًا أن الحركة المسلحة طبيعتها ليست سياسية وأن القادة الميدانيين لا يتلقون تعليمات وتوجيهات من السياسيين الذين حاولوا استغلال الأوضاع التحقيق مكاسب سياسية ذاتية.

لقد أوضح الناطق الرسمي للجيش السوداني أن حركة تحرير دارفور إنما هي حركة احتجاجية إذ يرون أن مناطقهم مهمشة ومتخلفة، أكثر منها حركة سياسية تريد تحقيق مكاسب في السلطة والحكم وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة: إن المجموعات التي وقعت الاتفاقية لديها تفهم واسع وعميق لأوضاع البلاد وأنها لا تنتمي لأي كيان سياسي يسعي لتحقيق مآرب مشبوهة ومكاسب شخصية.

من المؤسف أن الذي شذ عن خيار السلام وحقن الدماء في دارفور هو د. إبراهيم خليل رئيس حركة العدل والمساواة حيث أعلن عدم التزامه بالاتفاق ووقف إطلاق النار والأسف هنا مبعثه أن د. إبراهيم خليل كان قياديًّا إسلاميًّا سابقًا بدولة الإنقاذ وكان وزيرًا ولكنه عند الانقسام الذي حدث للإنقاذ انحاز إلى جانب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الدكتور حسن الترابي ثم طار إلى لندن واستقر في هولندا وكون تنظيمًا سماه «العدل والمساواة» وشارك في الفتنة التي أدت إلى إراقة دماء مسلمين أبرياء لا شأن لهم بطموحات القادة السياسيين ولكن الأحداث تسارعت وبدأت مفاوضات وحوار بين الحكومة وممثلي حركة العدل والمساواة بعد أن أعلنت الحركة فصل د. إبراهيم خليل من الرئاسة وينتظر أن تحقق المفاوضات نتائج إيجابية ملموسة تبعث السلام والطمأنينة في نفوس أهل دار فور.

من جانب آخر استأنفت اللجنة المشتركة المنوط بها تنفيذ الاتفاقية الموقعة في ريش بتشاد اجتماعها في مدينة الفاشر، بمشاركة وفود الأطراف الثلاثة الحكومتان السودانية والتشادية والحركة وفي إفادة لوالي شمال دارفور بالإنابة الشرتاي إبراهيم عبد الله قال إن حكومة تشاد بذلت جهودًا مقدرة في تحقيق السلام، وعبر عن تقديره للمبادرة التي أدت إلى تحقيق السلام وأكد أن الولاية سترعى الاتفاقية رعاية كاملة حتى يتحقق الأمن والتنمية والرخاء.

في الاجتماع أظهر الطرفان رغبتهما الأكيدة في تنفيذ بنود الاتفاق كهدف إستراتيجي ليكون الاتفاق نموذجًا يحتذى في كافة النزاعات في القارة.

وكان لكلمات ممثل حركة تحرير دارفور وقع طيب حيث عبر عن سعادته لما توصل إليه من اتفاق وأكد عدم استعداد حركته للقتال مادام الطرفان قد توصلا إلى حل وأنهم جاءوا برغبة كبيرة وصادقة التحقيق الأمن والسلام في ربوع دارفور.

قضية دارفور في حقيقتها قضية التخلف والفقر فهي كبقية أجزاء السودان التي تعاني من الفقر والمرض والبطالة ومثل هذه القضايا تحل بالسياسة لا بالقتال وتأجيج النعرات العنصرية والعرقية، حيث يتقدم أصحاب النزعات الشخصية والطموحات الاستغلال الأحداث لصالح ذواتهم وتنظيماتهم السياسية.

المطلوب الآن إزالة آثار الحرب ومحو آثار الفتنة وإيواء النازحين المتضررين من السكان بعد أن علم الجميع أن الحرب لا تحل المشكلات بل تعقدها وتخلف مآسي ومساوئ كثيرة، وإزالة آثار الحرب ممكنة إن صدقت النيات وأهم تلك الآثار النعرات العنصرية التي تأججت بين عرب وغير عرب مع أنهم جميعًا أهل إسلام.

الرابط المختصر :