العنوان المجتمع التربوي ( 1604)
الكاتب عبدالعزيز محمد التهامي
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 63
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 56
الجمعة 11-يونيو-2004
التنظيم في حياة الداعية
إذا كان التنظيم الخارجي (بمعنى تنظيم أمور المرء وترتيب أولوياته)، أمرًا مهمًا لكل داعية فإن التنظيم الداخلي، لا يقل أهمية، بل يكاد يزيد على التنظيم الخارجي. فمن الخطأ أن تنظم ما حولك وتترك الفوضى في داخل قلبك.
«فلا دعوة ولا ذكر، ولا أمر ولا نهي، ولا إخلاص ولا احتساب، ولا صبر ولا توكل ولا إيثار ولا سخاء، ولا أدب ولا حياء، ولا خشوع في الصلاة ولا تضرع، ولا ابتهال في الدعاء، ولا زهد في زخارف الحياة الدنيا ولا إيثار للآخرة على العاجلة، ولا شوق إلى لقاء الله» (1)
وكان الأجدر أن يتكفل الداعية بتزكية نفسه،وتهذيبها وتحليتها بالفضائل الشرعية،وتخليتها عن الرذائل النفسية والخلقية.
فالدعاة إلى الله هم أصحاب النفوس المزكاة، الذين وصلوا إلى درجة الإحسان والدعوة إلى ربهم العلام.
ولكن نتيجة الفوضى في داخل القلب والفراغ فيه «أصبحت الصفوف معوجة منشقة والقلوب خاوية جائرة، والسجدة خامدة جامدة لا حرارة فيها ولا شوق، ولا عجب فقد انطفأت شعلة القلب وحمدت جمرة الفؤاد» (۲) ونشأت مع هذا مشكلة ألفة المنكر لكثرة اقترافه. وهذا ما كان يخيف أبا الحسن الزيات -رحمه الله- فكان يقول: «والله ما أبالي بكثرة المنكرات والبدع، وإنما أخاف من تأنيس القلب بها، لأن الأشياء إذا توالت مباشرتها.
أنست بها القلوب وإذا أنست القلوب بشيء قل إن تتأثر به» (۲)
ألف العقوبة:
وأخطر من ألف المنكر، إلف العقوبة، حتى يصل إلى درجة عدم الإحساس بأن الحال الذي هو فيه عقوبة لذنب قد اقترفه، وليستمع من وصلت به الحال إلى هذه الدرجة لقول ابن الجوزي: «واعلم أن من أعظم المحن، الاغترار بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة قد تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض».
ومن أمثالها ألا يوفق البعض لصلاة الفجر زمنًا طويلًا حتى يألف هذا الذنب، وإننا لنعجب أشد العجب من بعض الدعاة الذين عاهدوا أنفسهم على حمل الأمانة. وهم من أشد الناس تقاعسًا عن صلاة الفجر، فما يعود الواحد منهم يشعر بوخز الضمير وألم الذنب، بينما كان الرعيل الأول يعزي بعضهم بعضًا عندما تفوته صلاة جماعة.
وقد تحصل الحال إلى درجة انعدام الإحساس بعقوبة الذنب، فهذا على خطر كبير، إذ ربما سبب ذلك سقوطه ورجوعه إلى طريق الضلال والعياذ بالله، والذي يطلق عليه ابن الجوزي (القتل) إذ يقول: «الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل» (٤) فأي الفريقين تختار؟ إذ القلوب جوالة لا تنفك عن أمرين، «إما قلوب تحوم حول الدنيا والحش» (٥). فالله الله في إصلاح الداخل «إذ من أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، «فما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر» (6)
الهوامش
(2.1) أبو الحسن الندوي ربانية لا رهبانية.
(4.3)عبد الحميد البلالي:أدب البلاء،ص:١.
(5) ابن القيم:الجواب الكافي.
(6) محمد أحمد الراشد فضائح الفتن ص 26.
النهي عن المنكر .. والعنف
لماذا هذا الموضوع؟ لأن مفهوم النهي عن المنكر أصبح مغلوطًا عند فئة من المسلمين، بل حتى عند غير المسلمين، وأصبحت هذه الكلمة تورث اشمئزازًا عندهم ونفورًا وظنًا بأنه نوع من الإرهاب وذلك لما انطبع في أذهانهم من أخبار سمعوها وحكايات قرؤوها عن بعض الدول أو بعض الجماعات الإسلامية إضافة إلى ما تناقلته الصحف من قيام فئة من الشباب باستعمال القوة والعنف في تغيير المنكر وتأديب المذنبين.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني الأخذ بيد الناس إلى الحق وإبعادهم عن الباطل، بل إنقاذهم من الهلاك وأوحال الظلم إلى سبيل النجاة وبر العدالة.
ولا يتم تحقيق هذا الهدف إلا بالسير على منهج رسول الله-صلى الله وسلم- فقد قال رب العالمين مخاطبًا خليله سيد المرسلين محمدًا بقوله: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾ (آل عمران:159).
وتكفينا وصية رسول الله ﷺ الخالدة إلى اثنين من أكبر دعاة الإسلام:(أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل) لما أرسلهما إلى اليمن الدعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الإسلام، إذ قال لهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا» (رواه البخاري). وهل هذا يعني أننا لا نستعمل العنف أبدًا؟
إن قلنا نعم وطبق ذلك لتوقف عمل الشرطة، ورجال المباحث، ومفتشي البلدية...إلخ. والصواب: أن كل من له الحق في استخدام العنف في النهي عن المنكر، وكان من أهل المسؤولية والمعرفة والعقل والرزانة، ولا يمكن أن يترتب على فعله مفاسد وأضرار على نفسه أو على غيره، فإن له ذلك، حسب النظام الذي حدده الشرع.
دليل ذلك قول الرسول ﷺ «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).
وما نراه ونسمعه من مظاهر سلبية وتصرفات خاطئة تصدر من بعض الشباب المتحمس في التصدي للمنكرات فإنها لا تمثل الإسلام ولا المتدينين،ولا تمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وقد قال رسول الله ﷺ: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» (رواه أحمد بسند صحيح)
أوقد شمعة
يقول المثل الصيني الشهير:لا تلعن الظلام ولكن أوقد شمعة.
وتكمن أهمية هذا المثل في الدعوة إلى الإيجابية والعمل الصحيح وترك السلبية والأعمال ذات الأثر السلبي التي لا تفيد، فسب الظلام لن يغير من وضعه شيئًا ولا يعدو أن يكون جهدًا سلبيًا يعبر عن سخط الإنسان من هذا الظلام، بينما عندما توقد شمعة فأنت تقوم بعمل إيجابي سهل وبسيط لكنه يصب في الاتجاه الصحيح نحو انتشار النور وانقشاع الظلام، فالظلام لا ينقشع بكثرة الأغنية ولا بكثرة الناقمين عليه، ولكنه ينقشع يقينًا بكثرة الضوء الذي تبعثه الشموع.
هذا المثل الصيني يتفق مع ما دعا إليه الإسلام من إيجابية في العمل وإيجابية في التغيير (والحكمة ضالة المؤمن)،فمنهج الإسلام ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:18) ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ ٱعمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُم إِنَّا عَٰمِلُونَ﴾ (هود:121) ويقول تعالى للأمم جميعًا: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(البقرة:148)، فلا تعطلني، ولكن انطلق أنت بالخيرات ما استطعت.
ويقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فيقلبه وذلك أضعف الإيمان» ولقد فسر العلماء الحديث وفهمه الناس فهمًا مستقيمًا يحدد درجات تغيير المنكر وقيام كل فئة بما عليها من واجب التغيير، فالذي يغير باليد هم أولياء الأمور، وباللسان العلماء، وبالقلب عامة المسلمين وهذا فهم استقرت عليه الأمة ولا غبار عليه وليس لنا خلاف فيه لكننا يمكن أن نضيف المعانيه معنى آخر قد تفهمه منه فالمنكر يقوم به في بدايته أو يدعو إليه أو يعمل به في المجتمع شخص أو مجموعة من الأشخاص، والناس لا تفهم من الحديث إلا أن تتصدى لهذا الشخص أو لهؤلاء الأشخاص لمنعهم من إتمام هذا المنكر أو القيام به، وقد يكون هؤلاء ذوي سطوة أو سلطان فيواجهون المنكرين عليهم بالقوة والبطش فيبقى المنكر ويتحقق إيذاء الناس.أو كما قال العلماء يؤدي الإنكار إلى منكر أكبر منه فما الحال، لو أن كلا منا إذا رأى أهل المنكر يرفعون له راية أن يغير أثر هذا المنكر في المجتمع بأن يرفع للحق راية أو رايات؟ إن كل منكر يدق في الأرض له أثر سلبي على المجتمع ككل، وكذلك كل معروف يقام أو يرفع في الأرض له أثر إيجابي أو آثار على المجتمع ككل، فإذا رأينا منكرًا لا نستطيع أن نواجه أصحابه أو دعاته، فما علينا إلا أن ترفع للحق راية وندعو الناس إليها-وبكثرة الرايات التي ترفعها للحق يذوب المنكر وينزوي كما أنه بكثرة الشموع التي توقدها للنور يذوب الظلام وينتهي.
عندما يعم الظلام عليك أن توقد شمعة، وإذا هبت ريح عاتية متربة لها رائحة نتنة بما تحمل من قاذورات عليك أن تحكم إغلاق النافذة، فإذا هبت الريح من فضائية ما، فما عليك إلا أن تدير الزر فتغلق الجهاز أو تحول القناة ها أنت قد أوقدت شمعة وأغلقت نافذة يأتي منها الأذى، فإذا أردت أن توقد شموعًا فاذكر ما فعلت لجيرانك وزملائك وأصدقائك وأقاربك، فإذا فعلوا ما فعلت فإن النور سيغمر المكان حيث لا يستطيع خفافيش الظلام أن يعيشوا، فإما أن يرحلوا أو يتوبوا.
ميت الأحياء
إن خيرية هذه الأمة وفلاحها وعزتها مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:۱۱۰) فهل تسهم أخي المسلم في إحياء هذه الشعيرة بقولك وفعلك وفي أي موقع كنت؟ أم تراك تسند الأمر إلى غيرك وتحاول اختلاق المعاذير لنفسك؟
لقد كان السلف الصالح يرون من لا يأمر ولا ينهى في عداد الأموات الأحياء، وهذا حذيفة يسأل ابن مسعود: من ميت الأحياء؟ فقال: «الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا»، فإذا كانت هذه حال السلف فما حالنا نحن؟ إنه يتعين على كل واحد منا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخاصة في هذه الأزمان التي كثرت فيها الفتن، ويكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
وقد جعل الله تعالى مقابل الإيذاء والهم والحزن والقلق الذي قد يحصل للأمر بالمعروف والناهي عن المنكر، جعل في مقابل ذلك فضائل عظيمة منها أنه علامة لإيمان العبد، وأنه سبب للرحمة، وأنه سبب في حصول الأجر العظيم، وأنه من باب الصدقة كما جاء في الحديث «أمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة»، وأنه تكفر به السيئات إلى غير ذلك من الفضائل العظيمة، وكلما كثر الإيذاء كبر الأجر عند الله تعالى.وفي زمننا هذا كثر من يلمزون أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ويتسابقون على ذلك والعياذ بالله-وبئست المسابقة-سواء كانوا أشخاصًا أو صحفًا أو جماعة أو غير ذلك، وهذا إن دل فإنه يدل على قلة إيمان من يفعل هذا، إن بعض الصحف تتحرى أي خبر صغيرًا أو كبيرًا كذبًا أو صحيحًا بدون تثبت بل، وبزيادة الكلام وعرض العناوين الجذابة، لتشويه صورة بعض الدعاة كل ذلك يسفر عن الحقد والكراهية لهذه الشعيرة، وما علموا أن هذه شعيرة الأنبياء والصالحين، بل ما علموا أنها سبب-بعد الله. في استتباب الأمن وصلاح البلاد والعباد.
ولو علموا أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون ما فعلوا هذا الفعل القبيح، لأنهم إنما يحاربون الله والإسلام، قصدوا ذلك أم لم يقصدوا، علموا ذلك أم لم يعلموا، ومن حارب الله والإسلام فليتربص بما وعده الله تعالى.
إن الإسلام ماض إلى يوم القيامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلب من مطالب الشريعة، فإذا ترك سلط الله على الناس ما سلط على الأمم من قبل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل