; مستقبل الإسلام في عالم النظريات والتقنيات | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل الإسلام في عالم النظريات والتقنيات

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1982

مشاهدات 64

نشر في العدد 583

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 17-أغسطس-1982

الحمد لله الذي أنزل القرآن شفاءً وهدى ورحمة واقتضت حكمته وحكمه ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17)، وذلك من الأشخاص والمبادئ والأوضاع. والصلاة والسلام على محمد رسول الله الأمين، إمام المجاهدين وقائد الغُر المحجلين. أقام وأصحابه الكرام في الحياة أعلام الدين وحققوا شريعة الله في واقع الإنسان مثالية إيجابية ربانية وتظل به كذلك على الدوام ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139) إن غفل عنه جيل نهضت به أجيال. ويخرج الله من أصلاب الكفرة والعصاة من يعبد الله وحده. 

1- كبرى نعم الله:

خلق الله الإنسان وسخر له ما في الأرض والكون فضلًا ومنة، وأكبرها نعمة هذا الدين ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: 53) ويدرك عبوديته لله فيؤدي حقها ليعيش به وينعم ويلتزم بشرعه، فيحيا به ويسعد في الدارين ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: 55).

عناصر الحياة خلقها الله وأنزلها وهو أعرف بالإنسان ونفسه وفطرته، دروبها ومنحنياتها وما يصلحها ويحييها، وهل بغير الماء تربو الأرض وينمو الزرع مهما شابهه سيولة وخصائص، وكلها خلق الله فلا بد من استعمال ما جعله الله لهذا الأمر له، يرويه ويحييه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور: 40).

فالإسلام معجز وبه تتوفر المعجزات يؤسس الحياة الفضلى نتذوق طعومها متنوعة تغنو بها وتنمو وتحلو وتعلو. 

فالإسلام يبعث الحياة في الأموات وينشئها من عدم يرتفع بها وتسمو، رائعة تحقق مغزاها وتملأ معناها وتوفر عمرانها، مؤهلة للخلافة الأرضية في واقعية مثالية ومثالية واقعية، إيجابية المحتوى والثمار.

فوظيفة الإسلام بعث الحياة وتوفيرها كريمة مفعمة بالخير راقية متزنة لا يدركها تطلع، ولا يرقاها أمل، ولم تجر من حال طارئ. فهي ربانية صورتها في الحياة الأولى على نسيج نعيمها في الأخرى، ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر بالإسلام، بها تحيا الحياة بقدر الآخذ بها والعض عليها بالنواجذ وما أحيت من نفوس.

2- الحامي الأمين والدرع الحصين مصدر القوة والتجديد:

ولقد وعى تيار الحياة الإسلامية وتاريخها صورًا، مجتمعة ومفردة، باهرة الأنسام رائعة القوام عطرة الأنغام، ما دامت لها الكلمة وبها تقوم، وأغنت حياة المجتمع الإسلامي بالغروس الزاهيات، وحتى أيام العتمة لم تكن تخلد من ضوء يخرق ظلمته يهز رقدته. وحتى يوم تسلطت على الأمة الإسلامية في أوقات، قوى خارجية، أو داخلية من حكامها ومن أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، تسلطوا عليها في عقيدتها مصدر قوتها وحياة وجودها، فإن نالوا منها مرة لحكمة خابوا مرات. وطوال الزمان كان حارس الأمة كل شعوبها مع علمائها وأمرائها أو طوائف من أولئك وهؤلاء «لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».

3- الزعامة الحقة المؤهلة المتفردة:

أبدعت الأمة الإسلامية زعامتها، أهليتها بالدين والشريعة ومؤهلاتها، التقوى والعقيدة، ثم تقوم الدولة الحارسة، وعلماؤها قادتها وحراسها، كالجبال أنقياء كالمطر أصفياء كالنور، حياة ورواءً ونجدة وبلاءً، أمثال ابن رميلة القرطبي (479 هـ) والعز بن عبد السلام (660 هـ) وابن تيمية (728 ه) وسعيد النورسي، وحسن البنا وسيد قطب، أحبوا الله وطلبوا رضاه، قادوا الحياة وأناروا روحها وتقدموا صفوفها سلمًا وحربًا وقضوا شهداء، وما عجزت الأمة يومًا عن ولادتهم وهي ولود دؤوب. وتاريخ الأمة الإسلامية مليء مزدحم مفعم بهم كمًّا وكيفًا تفردًا عجيبًا ما له من مثيل.

وتتجلى هذه الحقيقة بسطوعها مبهرة باهرة كلما اشتد من حولها الظلام، واتحد الجبروت، وتنمر الطاغوت مسلحًا وهي عزلى. ولكن الحقيقة الأزلية الربانية التي يحملها المؤمنون تجعلهم مدججين أمام طاغوت عندهم أعزل لأنهم يمتلكون السلاح الأصيل المستمد من الله العظيم ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) يجعلهم أحياء وإن ماتوا أمام جبروت الباطل المغلوب ميت وهو في الحياة.

4- حياة العقيدة هي الحياة:

وكم من شعوب ثبتت بهذا الدين وحملته وحمته بروحها وقارعت من أجله بدولة أو بلا دولة تحميهم. فالحياة الحقة حياة العقيدة التي أرادها الله لأهل الأرض أجمعين. بعث بها رسوله r محمد الأمين، دوى بها صوته قويًا نديًا منذ احتضنته دروب قلة تتردد في جنباتها آيات الله. ارتفعت بهذا الدين عصبة مؤمنة، إيمانًا بالله ومعرفة به وعبودية له، تدرك قيمة الحق الذي يحملون كما يشهدون تهاوي الباطل في دركه السحيق رخيصًا، تدكه جحافل الإيمان بالإسلام الذي ارتضاه الله دينًا للعالمين إلى يوم الدين.

فالعقيدة الإسلامية أساس الحياة وفلاحها، نفوسًا صافية ورؤوسًا قوية عالية «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» فبلال الحبشي بالإسلام كان سيدًا حقًا، وأمية، وأبو جهل، وأبو لهب رؤوس الكفر من سادة قريش، والعرب بدون الإسلام غدوا عبيدًا حقًا، وعمر يقول: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»، أي بلال. وجعلت أم حبيبة أباها أبا سفيان قبل إسلامه نجسًا، ومن أسلم متأخرًا ندم على تأخره فغذ السير ليستدرك ما فات حين أحسن بإنسانيته في ولادته الجديدة الرشيدة. فكان ذلك بالإسلام الكريم العظيم، آمنوا به وحده عقيدة وشريعة دينًا ودولة فداءً وتضحية، جهادًا وشهادة يتسابقون لها ويهنئون من أصابها ويحزنون لمن فاتها «إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله»، طليقة بلا قيود قوية بلا حدود «والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه ما تخلف منا رجل واحد» كبارًا وصغارًا نساءً ورجالًا، تشجع الأم ابنها وابنتها وتحمس المرأة زوجها وتدفع الأسرة أنسالها مثل كعيبة ونسيبة غنمهم الشهادة وحسبهم الجنة وكفايتهم رضا الله تعالى، نشيد الطعان عندهم «فزت ورب الكعبة» وصفهم عدوهم «رهبان بالليل فرسان بالنهار»، بهروا حتى أعداءهم فقالوا فيهم: «ولو أرادوا نقل الجبال لنقلوها» وتعجبوا من يكونون «أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء».

5- أمة الجهاد:

فهم أمة الجهاد والاستشهاد أحبوا الله فأحبوا لقاءه، وأحبوا رسوله r ، وساروا في الحياة، جهادًا في كل ميدان واستقامة في كل آن وسمو من كل الألوان.

كل ذلك لا يتأتى إلا بدين الله وقرآنه المبين وسنة رسول الله r ليس لهم مثيل ولا بديل، ومن أعرض عنه اليوم سيقبله غدًا مرغمًا أو يموت وذلك هو الخسران المبين.

6- جاهليات وإسلام:

وقبيل البعثة بان أكثر إفلاس الأمم وتهافت فلسفاتها وتأكد فقر حضارتها واتضحت هزيمة طغاتها ومتألهوها، «فالله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم، إلا بقايا من أهل الكتاب»، فضلت الأمم وطغت الجاهليات، والجاهلية في الجزيرة العربية جعلت العرب في ضلال مبين، والعالم من حولها يعج بمثل عفنها، وحين ارتوت الأرض بالماء بنزول اقرأ في حراء تلتها الآيات تترا ليعلو بها الإنسان.

7- كلمة الله المنقذة:

من كان يصدق أن هذا الدين سيسود ويغلب قوى الأرض أجمعين في عقود قليلة من السنين وتكون له الكلمة وتوجيه الحياة وكلمة الله هي العليا، لكن رسول الله r كان ينظر بنور الله، أعلمه بمستقبل هذا الدين، يسكبها قوة إيمان واطمئنان في قلوب المسلمين، يراها رأي العين إيمانًا قويًا أن الله ناصره. وتقدموا لينقذوا الإنسان فسادت دعوة الإسلام كما أرادها الله وأنزل من شريعة ووضع من سنن، جنودًا يجاهدون دعاة يعملون ومؤمنين يحملون يعطون ولا يأخذون، يتقدمون ولا يتأخرون بدعوة الله يهتفون، وطريقه وحده يعرفون، فارتفعوا بهذا الدين إيمانًا به ومعرفة وعبودية لله تعالى منزلة على رسوله الأمين r. تقدموا ولا بد من تضحيات، ومن تمثل هذا الدين في الحياة، يرى الناس قوته وعمليته وجديته وصدق وقوة أهله فيه.

8- طغاة ومؤمنون:          

واليوم لأننا بالتجربة تتكرر والحالة تعود وبالزمان يدور دعاة الإسلام قلة عزل متناثرون لا دولة تحميهم، ولا موطنًا يأويهم، يخاطبون مسلمين ولكنهم غير مسلمين، في بلدان نسبها للإسلام تاريخيًا وجغرافيًا، وبعضهم يحاربونهم كالجاهلية الأولى، يدعي أصله ويتهمون المسلمين، أصبحوا نهبًا مستباحًا استبد بهم الطغاة، لا يجدون من كثرة النصرة مع وفرة المستشرقين ودعاة حقوق الإنسان في أرض الإسلام وخارجها، جاهليات أتحدث بمعناها وتنوعت أحوالها وأنسابها.

في داخل البلاد الإسلامية يبطشون بأهل الدعوة مثلما بطش جبابرة قريش وغيرهم بالمسلمين واستباحوهم، فهم أشد خصومهم، فكم من حاكم وُرم أنفه، صرح بالاستغناء عمن آمن بالإسلام وجاهد فيه واستعد للتضحية من أجله، مهما كان عددهم من شعب تسلط عليه كأنه يملكه مدعيًا رشدًا ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29).

فكم من مجاهد مضروب يحمل أمعاءه بيده مستمرًا في المقاومة حتى الشهادة، ومأسور هصور لا ترهبه المحكمة بطغيانها، ومحكوم بالإعدام في سبيل الله قضى ليلته يعطي في الصبر دروسًا بلسانه، وحاله ناطقه يتهيأ للصبح حفلة زفافه وأحلى، فأسلم الروح مادًا يديه مسرعًا للقاء رسول الله r، حيث يلقي الأحبة محمدًا وصحبه، ومن ورائه يهنئونه ينادون بحمد الله وعزة الإسلام، فيهنؤون هناك بالنظر إلى وجه الله الكريم.

9- مجاهدون وصابرون:

فكم أم ربت وليدها ليحيا في معترك الجهاد، وأخرى دفعت وحيدها، أم تلك التي تهتف لشهيدها الذي يهتف معها للموت في سبيل الله، وكلهم من العلية متعلمون وناجحون وزهرات المجتمع، وأصفى عناصره من مختلف المواقع في الحياة وأعمالها، تركوها وارتضوا حياة الجهاد، واحتملوا كل تبعاتها وكانوا بها سعداء، أم تلك الأحكام الجماعية في الزنازين والسجون أو الحفائر يدفنون، وليكن بعد الحوادث ما يكون، يتقدمون لكل ذاك يبتسمون يتلون من الآيات قرآنًا مبينًا ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12).

والعالم من حولهم دول قوية لا ترعوي، ولا تريد أن ترى باطلها فترفضه وتفهم الحق -أو فهمته- فتأخذه، اقتسموا العالم مغانم واستباحوا المسلمين أصالة عمالة لا يكادون يفقهون ولا يريدون الاستماع إلى التفهم الأصيل، بيدهم الصولجان والقوة المادية كالسابقات مثل الدولة الفارسية والرومية وعملائهم الآخرين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

114

الثلاثاء 28-يوليو-1970

التليفزيون

نشر في العدد 241

84

الثلاثاء 18-مارس-1975

«المجتمع في عامها السادس»