العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1563
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1563
نشر في الصفحة 54
السبت 09-أغسطس-2003
«أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم»
لدي ولد صغير، عمره لا يتجاوز السابعة، تعودت أن آخذه إلى المسجد في بعض الصلوات، فيسلم عليه الكثيرون من رواد المسجد ويلاطفه الجميع سألته يومًا عن أحب الناس إليه في المسجد فذكر لي أحدهم.
حاولت التعرف على السبب فوجدت أن ذلك الرجل يحرص على إعطائه الحلوى، فكلما رآه دس في جيبة نوعًا منها، ويعامله معاملة الكبار، ويلاطفه أكثر من غيره فأدركت السبب، وأن الأطفال -مثلهم مثل الكبار- تأسرهم الكلمة الطيبة والمعاملة الطيبة والإحسان إليهم، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه».
يقول الإمام المناوي في فيض القدير (5/461) معلقًا: «لأن به تسهل الأمور، وبه يتصل بعضها ببعض وبه يجتمع ما تشتت ويأتلف ما تنافر وتبدد ويرجع إلى المأوى ما شذ، وهو مؤلف للجماعات جامع للطاعات، ومنه أخذ أنه ينبغي للعالم إذا رأى من يخل بواجب أو يفعل محرمًا أن يترفق في إرشاده، ويتلطف به».
أبو خلاد
رجل بأمة!
ما أحوج الإسلام اليوم إلى رجال يقفون أنفسهم في سبيل نصرته ورفع رايته
حسن الطوخي
الخلفاء الراشدون.. الأئمة الأربعة.. صلاح الدين.. ابن عبدالوهاب والبنا.. نماذج نادرة لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
حال أمتنا اليوم يدعو إلى الأسى والناس يلوم بعضهم بعضًا على هذا المآل، ولا يملكون إلا مصمصة الشفاء والحزن على المجد الضائع، ولكن إلى متى؟
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 103)
فإلى متى يظل هذا التفرق والتراخي والقعود؟
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين﴾ (النحل: 120).
الله عز وجل في هذه الآية يرسم إبراهيم عليه السلام نموذجًا للهداية والطاعة والشكر والإنابة لله، ويقول عنه إنه كان أمة، واللفظ هنا يحتمل أن يعدل أمة كاملة بما فيها من خير وطاعة وبركة، ويحتمل أنه كان إمامًا يقتدى به في الخير.
وأمتنا الإسلامية في أمس الحاجة إلى رجال بمعنى الكلمة، يقول د. محمد أمين المصري في كتابه «سبيل الدعوة الإسلامية»: إن المنتمين إلى الإسلام بحق يعتبرون هذه الدنيا ميدانًا للتنافس على طاعة الله ورضاه، حياتهم كلها، عملهم، تجارتهم، أموالهم، أوقاتهم، أذهانهم، مسخرة في هذا السبيل.
قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162، 163).
ويقول الشيخ الغزالي في كتابه «مع الله»: إن الدين الإسلامي أحوج الأديان الآن إلى الدعاة الذين يغسلون عنه ما التصق به من خرافات، ويقصون من طريقه الحواجز التي شيعت أهله وقسمتهم طوائف ومذاهب.
فهل تفتقر أمتنا الإسلامية إلى رجال يهبون حياتهم لله عز وجل متأسين برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، أم أن نساءها أصبحن عاقرات عن أن يلدن مثل هؤلاء الرجال؟
لقد عاشت أمتنا الإسلامية على مدى الأربعة عشر قرنًا وهي تفرز رجالاً يزن كل واحد منهم أمة رجالاً جعلوا الدين منهج حياتهم، وأقاموا شرع الله في الأرض وأحيوا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
منهم على سبيل المثال لا الحصر: الخلفاء الراشدون:
سيدنا أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - الذي تصدى للمرتدين، وقال: «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق الله، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه».
ومن بعده سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الوقاف عند كتاب الله والذي ساد في عهده العدل والأمن والأمان، والذي فتح الله على المسلمين في عهده بلاد كسرى وقيصر وبيت المقدس.
وسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي جهّز جيش العسرة بماله، وقام بجمع القرآن وجاد بحياته حتى لا تحدث فتنة بين المسلمين.
وسيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه الذي أسلم وهو ابن سبع أو تسع سنين
والذي اشتهر بشجاعته فهو الذي نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم عند هجرته، والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر: والله لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
ومن بعدهم جاء الخليفة الراشد الخامسعمر بن عبد العزيز الزاهد العابد التقي الصادق العامل الذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز، كانت الشياه والذئاب في زمانه يرعين سواء من عدله، وأتته الدنيا وهي راغمة، فتركها وزهد فيها.
ومن هؤلاء الرجال الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل.
وقد قال الإمام الشافعي عن الإمام أحمد بن حنبل: أحمد إمام في ثمان!: «إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة»، ولا ننسى موقفه يوم المحنة «محنة خلق القرآن»، فقد امتنع عن القول بخلق القرآن، وثبت على الحق، رغم الضرب بالسياط والتعذيب والتنكيل والسجن، وأنقذ أمة -بفضل الله عز وجل- من فتنة محققة.
أيضًا من هؤلاء الرجال الذين جادت بهم الأمة الإسلامية وحملوا الراية حتى عادت القدس للمسلمين بعد الغزو الصليبي:
عماد الدين زنكي الذي جاهد لتوحيد المسلمين ضد غزو الصليبيين، وقدم نموذجًا للحاكم والمجاهد تحت راية الإسلام.
وبعد إستشهاده تسلم الراية من بعده ابنه نور الدين محمود الذي قام بإحياء نهضة إسلامية أكدت تكامل الحل الإسلامي تحت قيادة إسلامية صادقة متمثلة في شخصه ومن حوله من المستشارين. قال عنه ابن الأثير:
«طالعت في تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين محمود، فلقد كان ألمعيًّا فطنًا لا تشتبه عليه الأحوال، ولا تتبهرج عليه رجال ولم يتقدم لديه إلا ذوو الفضل والقدرة على الإنجاز الأمين المسؤول للعمل، ولم ينظر في تقديمه للرجال إلى المكانة الاجتماعية أو الجنس والبلد، وأخذ يجاهد في توحيد المسلمين تحت راية واحدة، وكان في الوقت نفسه في قتال الصليبيين حتى إنه جهّز منبرًا جديدًا للمسجد الأقصى، يقوم عليه بعد الانتصار على الصليبيين، ولكن وافته المنية قبل فتحه القدس».
وتولى الراية من بعده القائد صلاح الدين الأيوبي وسار على خطى سلفه نور الدين محمود في تحطيم القوى الصليبية وتحرير الأرض المقدسة، وبالفعل هزم الصليبيين في حطين وتم إسترداد بيت المقدس، كان صلاح الدين الأيوبي يوصف بأنه حسن العقيدة كثير الذِكر، شديد المواظبة على صلاة الجماعة، وعلى السُنن والنوافل وقيام الليل، وكان يحب سماع القرآن، وينتقي إمامه وكان رقيق القلب، خاشع الدمعة، إذا سمع القرآن، وكان حسن الظن بالله كثير الإعتماد عليه عظيم الإنابة إليه، عادلاً رؤوفًا رحيمًا ناصرًا للضعيف على القوي، وكان كريمًا حسن العشرة لطيف الأخلاق، طاهر المجلس لا يُذكر أحد بين يديه إلا بخير، طاهر السمع، طاهر اللسان، وكان شجاعًا، شديد البأس والمواظبة على الجهاد، وعالي الهمة.
ومن هؤلاء الرجال أيضًا السلطان المظفر سيف الدين قطز الذي قاد معركة عين جالوت ضد التتار وكانت معركة حاسمة في التاريخ، إذ أوقفت الزحف التتري على بلاد المسلمين، قد عرف السلطان قطز بتقواه وصلاحه، وكان تلميذًا لأعظم علماء ذلك العصر الشيخ العز بن عبد السلام.
ومن رجال الأمة الإسلامية المعاصرين الصالحين والمجددين الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد الدعوة الإسلامية في أرض الجزيرة.
والشيخ جمال الدين الأفغاني جاء من بعده داعيًا إلى الإصلاح وتجديد الدعوة الإسلامية.
ثم مجدد الدعوة في القرن العشرين الإمام الشهيد حسن البنا الذي قال عنه عالم الشام وفقيهها الشيخ محمد الحامد: إنه كان لله بكليته، بروحه وجسده، بقلبه وقالبه، بتصرفاته وتقلبه، كان لله فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء والأبرار.
وقد جاء الإمام البنا مجددًا يدعو للإصلاح، إصلاح الفرد والمجتمع، والعودة إلى المنبع الأصيل: كتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يكون الرجال، كل رجل منهم يزن أمة، همهم دينهم ومرضاة الله عز وجل، وعزة الإسلام، رجال حددوا الهدف والوجهة وعاشوا في سبيل الله ونشر دعوته بين الناس والعمل على أن يكون شرع الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم منهج حياة فأصبحوا -بفضل الله ونعمته- نعم الرجال العاملون المنتمون لله عز وجل.
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ (الأحزاب: 23).
ولقد مَنّ الله عز وجل على هؤلاء الرجال بعدة صفات مشتركة بينهم جميعًا، أدت في النهاية إلى تكوين شخصية هذا الرجل الذي نبحث عنه والتي اكتسبوها من القائد الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن تلك الصفات:
حُسن الصلة بالله عز وجل.
عقيدة راسخة لا تتزعزع.
التجرد لله عز وجل في كل شؤونه.
التوكل على الله والرضا بقضائه مع الأخذ بالأسباب.
المداومة على تلاوة القرآن الكريم وتدبره والعمل بأوامره ونواهيه.
تعظیم شعائر الله.
قيام الليل والتهجد.
الدعاء وأن يكون اللسان دائمًا رطبًا بذكر الله.
المداومة على الصدقة.
مجاهدة النفس حتى يسلس قيادها.
الصيام فهو وسيلة عظيمة لامتلاك النفس وتهذيبها.
محاسبة النفس وإساءة الظن بها.
الزهد والورع.
علو الهمة.
الجهاد في سبيل الله.
الثبات على الحق والجهر به.
غنى النفس والقناعة والعفة والتواضع.
الصبر والاحتساب والحلم والأناة وكظم الغيظ.
الصدق والأمانة وقوة الإرادة.
تقوى الله عز وجل.
الشجاعة وعظم الاحتمال، وأفضل الشجاعة الصراحة في الحق.
الإعتدال والتوازن.
الحرص على العلم من أجل الدين لا الدنيا.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
حُسن الخلق وحًسن العِشرة.
طهارة المجلس وطهارة السمع واللسان من الغيبة والنميمة.
حفظ حُرمات الناس.
قضاء حوائج الناس.
الإصلاح بين الناس.
فهيا نصحح المسار وفق منهج إسلامي شامل ونعد أنفسنا إعدادًا متكاملاً، إيمانيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وجسديًّا، ونوحد الهدف والوجهة، ونهب أمتنا نفوسنا وأرواحنا.
هيا نطلب رضا الله عز وجل ونبتغي وجهه دون مبالاة برضا راض أو سخط ساخط وعندها فقط يأتي النصر بإذن الله.
المراجع:
1- صفة الصفوة، لابن الجوزي.
2- الطريق إلى القدس، د. محسن صالح.
9- رحلتي مع الجماعة الصامدة، أحمد أبو شادي.
التضحية في سبيل الله .. صور مضيئة
د. حمدي شلبي (*)
بذل النفس والمال.. تقديم الخبرة والمشورة.. والمشاركة بالجهد والوقت.. صور متنوعة لنصرة الدين.
رجل باع سريره ونام على الأرض.. وقدم آخر ثمن دراجته في سبيل الله!
نصر الدين أمر تكفل الله -به وحده- وذلك بنص القرآن الكريم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، وحفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأنها ذكر أيضًا: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44).
ونصر جنوده المخلصين: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات: 173)، وبذا تبقى كلمة الله هي العليا، وحولها لا تزال طائفة من الأمة ظاهرين على الحق - لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله كما في الصحيح وغيره والنصر والهزيمة والتوفيق والخذلان والإكرام والإهانة ليست إلا من الله، فمن نصره الله لن يغلبه أحد، ومن خذله لا ينصره مخلوق، ومن كتب الله عليه الهوان لن يجد من يكرمه، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (آل عمران: 160)، وقال: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) (الحج: 18).
والله متم نوره وناصر دينه بنا أو بغيرنا: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38)، أو بجنود لا يعلمها إلا هو: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:40)، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: 31).
ورد الكفار على أعقابهم لن يعجز الله شيئًا: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ (الأنفال: 59)، ولكن اقتضت حكمته أن يبلو الناس بعضهم ببعض، وينتصر هذا الدين بسبب من البشر فيكونوا ستارًا لقدرته سبحانه ومشيئته.
والله عنده وحده خزائن كل شيء ومنها النصر: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران : 126)، غير أنه لا ينزل إلا بقدر معلوم وقانون مُحكم ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49)، ومن قوانين النص أنه سبحانه لا ينزل إلا على المؤمنين ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)، والذين قدموا الثمن وهو البذل والتضحيية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: 10 – 13).
وثمن النصر البذل، والتضحية قال الشاعر:
دفعوا ضريبة نصر الدين من دمهم
والناس تزعم نصر الدين مجانًا
والتضحية، اسم لكل ما يقدمه العبد عن رضا وطيب نفس إبتغاء مرضات الله وحده، وقد ضرب الصحابة والسلف الصالح أعظم المثل في البذل والتضحية، فاستحقوا أن ينزل الله عليهم نصره ويعز بهم دينه، ونذكر من صور تضحيتهم:
أولاً: التضحية بالمال
أخذ سيدنا أبو بكر الصديق ماله كله في الهجرة وجاء والده أبو قحافة قائلاً لبنيه ما أرى أبا بكر إلا فجعكم في ماله، فاحتالت السيدة أسماء على جدها، وكان أعمى - فجعلت بعض الأحجار في كوة بالبيت وألقت عليها ثوبًا وأخذت بيد أبي قحافة ليمسها توهمه أنه مال.
وفي غزوة تبوك حين أنتدب الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين لتجهيز جيش العسرة وجد عمر بن الخطاب الفرصة سانحة للتنافس مع أبي بكر في الخير فأتى بنصف ماله، وإذا به يجد أبا بكر رضي الله عنه يقدم ماله كله، فقال والله لا أسبقه إلى خير أبدًا.
وأعتق -أبو بكر رضي الله عنه- عددًا من العبيد المسلمين الضعفاء أمثال بلال بن رباح وغيره في بداية الدعوة.
وساوم الكفار صهيب الرومي على ماله أو يمنعوه من الهجرة، فترك لهم ماله كله ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة فتلقاه قائلاً: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى».
وترك المهاجرون أموالهم وديارهم في سبيل نصر الإسلام بنفوس راضية طيبة، وجهّز عثمان بن عفان تسعمائة فرس بأقتابها وأحلاسها في جيش العسرة - غزوة تبوك، حتى يقول صلى الله عليه وسلم ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، وعبد الرحمن بن عوف كذلك.
ووقفت السيدة خديجة رضي الله عنها بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم تنصره بمالها وتصدقه بقلبها وقولها وعملها حتى قال فيها صلى الله عليه وسلم: صدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد.
ثانيًا: تقديم الخبرة والمشورة
سواء كانت هذه الخبرة رأيًّا صائبًا، كما صنع الحباب بن المنذر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر، إذ أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم بالنزول أدنى ماء من القوم وردم كل الآبار عدا البئر التي يعسكر عندها المسلمون فيشرب منها المسلمون، ولا يشرب الكفار، وأشار أحد الصحابة ببناء عريش مركز قيادة للرسول صلى الله عليه وسلم يتابع من خلاله سير المعركة، فإن انتصر المسلمون في الغزوة كان بها، وإلا خف الرسول إلى المدينة ليلحق بالمسلمين فيها، ويستأنف رسالته وجهاده معهم.
وأشار سلمان الفارسي على الرسول بالخندق، ورفض السعدان «سعد بن الربيع وسعد بن معاذ» إعطاء غطفان تمرة واحدة من تمر المدينة.
وأنقذ خالد بن الوليد -بفضل الله ثم بخبرته العسكرية- المسلمين في مؤتة من الإبادة، حين أعد خطة ناجحة للإنسحاب أبقى معها على أرواح المسلمين، وكل أولئك صور من الجهاد عظيمة لا تنفك أبدًا عن الجهاد بالنفس وبذلها رخيصة في سبيل الله، وربما كانت الخبرة صورة من الخدمات الصحية التي كان يؤديها جمع من الصحابيات - رضوان الله عليهن - مثل عائشة وأسماء ونسيبة بنت كعب ورفيدة الأسلمية التي تخصصت في الجراحة فنصب لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد خيمة تعالج فيها سعد بن معاذ من جراحته.
ثالثًا: بذل الروح والنفس
والجود بالنفس أسمى غاية الجود.. وهذه التضحية سمة الصحابة الأبرار من أول يوم في الدعوة، حيث لقي في بداية الدعوة أناس ربهم شهداء فاضت أرواحهم فداء لهذا الدين تحت العذاب الشديد مثال سمية بنت خياط رضي الله عنها - التي طعنها أبو جهل -لعنه الله- بحربة في موطن عفتها، فلقيت ربها شهيدة وياسر زوجها الذي مات تحت العذاب أيضًا، وغيرهما من المستضعفين، وفي العهد المدني لقي كثير من الصحابة ربهم شهداء في معارك الإسلام في بدر وأُحد والخندق ومؤتة وحنين وفي الفتوحات الإسلامية في عهود الخلافة الراشدة.
وفي بدر يسمع عمير بن الحمام -رضي الله عنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر من قُتل في هذه المعركة الجنة فيرمي تمرات كن في يده وينشد:
ركضًا إلى الله بغير زاد
غير التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
وكل زاد عرضة النقاد
إلا التقى والبر والرشاد
ويقاتل حتى يقتل
وفي بدر أيضًا يسأل عوف بن الحارث الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: ما يضحك الرب من عبده؟ قال: دمس يده في العدو حاسرًا، أي بلا درع، فيرمي نفسه بين الأعداء ويعمل فيهم سيفه حتى يقتل، وفي أُحد يذيق حمزة بن عبد المطلب المشركين ألوان النكال فيرميه وحشي بحرية فيصرعه، وتأتي هند لتأكل كبده وتمثل به رضي الله عنه، ومر أنس بن النضر بين المسلمين في أحد صارخًا: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء «يعني المشركين»، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء «يعنى المسلمين»، ويقول: «واهًا ريح الجنة، إني أشم رائحة الجنة من وراء هذا الجبل»، ويقاتل المشركين حتى يقتل وما يعرفه أحد بعد موته من كثرة الطعن إلا أخته عرفته بعلامة في بنانه يقول الصحابة رضوان الله عليهم، وكنا نرى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ (الأحزاب: 23)، نزلت في أنس بن النضر.
وسقط مصعب بن عمير وزياد بن السكن وغيرهما شهداء حول النبي صلى الله عليه وسلم في أحد وهم يدافعون عنه، ولفظ سعد بن الربيع -رضي الله عنه- أنفاسه الأخيرة وهو يوصي برسول الله الصحابة قائلاً: «لا عذر لكم إن خُلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف».
وفي مؤتة يلقى الأمراء الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، ربهم شهداء فداء لهذا الدين.
وقد أشعل عبد الله بن رواحة حماس ثلاثة آلاف من المسلمين لمحاربة مائتي ألف من الروم قائلاً: «إننا لا نقاتل القوم بعدد ولا عدة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي ألزمنا الله »، وراح ينشد سائلاً ربه الشهادة:
ولكنني أسال الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرع تفرغ الزيدا
وطعنة بيدي حران مجهزة
من رمحه تقطع الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جسدي
يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وارتجل في هذه المعركة أراجيز ما زال صداها يتردد في صدور المجاهدين حتى الآن، وآلى جعفر بن أبي طالب ألا يترك راية الإسلام تسقط فحملها بیمینه فلما قطعت حملها بشماله، فلما قطعت احتضنها بعضده، وما تركها حتى فارق الحياة ولقي ربه شهيدًا.
وغيرهم كثيرون من السلف في الفتوحات الإسلامية، منهم من مات في البر ومنهم من مات في البحر، لتبقى راية الإسلام خفاقة، ولتبقى كلمة التوحيد تتردد في جنبات هذا الكون، وما زالت شجرة الإسلام ترويها دماء الشهداء في فلسطين والبوسنة وفي كوسوفا والفلبين وكشمير وأفغانستان، وما زالت الجنة تفتح أبوابها لإستقبال وفود الشهداء في الأرض المقدسة الذين تحصدهم مدافع الحقد اليهودي كل لحظة.
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب بعد إنتهاء إحدى المعارك فسأله عمر عن الشهداء، فقال: قتل فلان يا أمير المؤمنين وقتل فلان، وأناس لا أعلمهم، قال عمر: ولكن الله يعلمهم.
رابعًا: إيثار المشقة على الراحة والخطر على السلامة والشظف على الترف
ومضرب المثل في ذلك مصعب بن عمير الذي عاش مترفًا، ثم آثر العيش الخشن في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رق له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات مرة وأشار إليه قائلاً: «انظروا إلى هذا الفتى الذي نوّر الله قلبه، وصل به حب الله وحب رسوله إلى ما ترون، ولقد رأيته في مكة بين أبوين يغذوانه أطيب الطعام ويلبسانه أفخر الثياب».
وعندما سمع حنظلة بن أبي عامر الراهب داعي الجهاد ليلة زفافه، نهض من فراش عروسه إلى المعركة دون أن يغتسل، ولقي الله شهيدًا، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه رأى الملائكة تغسله بين السماء والأرض، وسمي «غسيل الملائكة»، إنه ضحى بليلة عمره، كما يقولون -بل بحياته كلها- وضحى بعروسه في ليلتها الأولى لتعانقه الحور العين في جنة الفردوس، ووجد أبو خيثمة في جيش العسرة امرأتيه قد أعدتا له طعامًا شهيًّا وماء باردًا ومجلساً لينًا وظلاً ظليلاً، فصرخ: ما هذا بالنصف (أي بالعدل)، رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر وأنا هنا؟ جهزاني، وما نزل عن راحلته حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأبو ذر الغفاري تقعد به راحلته وتضعف عن مواصلة السير في غزوة العسرة، فيطرح عنها متاعه ويضعه على عائقه ويقطع طريق الصحراء الحارقة وحده على قدميه فيلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فيمدحه رسول الله قائلاً: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث أمة وحدة».
وتتحقق فيه نبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيموت بالربذة فلا تجد امرأته من يعينها على تجهيزه فتضعه بقارعة الطريق، حتى يمر ابن مسعود وجماعة معه فيعرفه ابن مسعود ويصدق مقالة رسول الله ويجهزه ويدفنه مع إخوانه.
خامسًا: ألوان أخرى من التضحية
لا تقتصر التضحية على لون معين بل كل ما يقدمه العبد في سبيل الله تضحية قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60).
و«ما» في الآية نكرة تفيد العموم، وكذلك كلمة شيء؛ لذا كانت التضحية بكل محبوب مرغوب سببًا في تحقيق النصر.
ومن صورها كذلك التضحية بالنوم أو الراحة عمومًا، حيث نقل عن صلاح الدين الأيوبي -رضي الله عنه- أنه ما شبع من النوم ليالي المعارك كلها وما شبع من الطعام، وكان مريضًا وكان قوله دائمًا آنذاك تحررت في حرقة وأسى «وا إسلاماه وا إسلاماه»، كما روي عنه أنه ترك التبسم حزنًا على المقدسات حتى تحررت.
وعُلية بن زيد واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لم يجد رسول الله ما يحملهم عليه هجر منامه وقام ليلة يصلي وتصدق على كل مسلم ظلمه بالعفو عنه، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم: يا علية، لقد قبل الله صدقتك الليلة في الصدقات.
وطلب القائد قتيبة بن مسلم من أحد قواده أن ينظر من في المسجد قبل أن يغادر المدينة للمعركة فجاء قائلاً ليس إلا رجل واحد هو محمد بن واسع رافعًا أصبعه إلى السماء يسأل الله النصر للمسلمين، قال قتيبة: لأصبع محمد بن واسع عندي خير من ألف فارس.
وفي العصر الحديث هناك من باع سريره ونام على الأرض، ومن باع دراجته التي تحمله إلى عمله وسار على قدميه ليقدم كل منهما ثمن السرير أو الدراجة لينصر دينه، وغيرهما كثيرون، أخفياء أتقياء يدعون ربهم خوفًا وطمعًا.
بمثل هذه الجهود الصادقة والدعوات المخلصة والتضحيات المتباينة ينصر الله دينه ويؤيد جنوده، نسأل الله أن يجعلنا منهم وألا يحرمنا بركتهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل