العنوان قصة العدد : نور في الأفق المظلم
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979
مشاهدات 79
نشر في العدد 430
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 30-يناير-1979
ملخص ما نشر:
عبد المجيد شاب صغير تحت العشرين، طالب في المرحلة الثانوية. رمته السيارة داخل أسوار السجن الحربي. ورموه في زنزانة.
ثم انتقل إلى حديقة السجن للتحقيق معه. وهناك رأى العذاب الوحشي.
وعاش في السجن بين جدران غليظة قاتمة قاتلة. ولكن لحظات العبادة والتأمل أنقذته من مخالب الهلاك.
وأمر قائد المعتقل بجمع المصاحف من الزنازين. وكان يقسو في تنفيذ أمره ولو بغباء. ثم عاد يأمر بعد حين بمعالمه المعتقلين برفق، وسمح بكل الممنوعات، وأولها المصاحف.
غير أن الحياة الباسمة لم تستمر طويلًا، وانقلب الحال إلى أسوأ مما كان.
الجزء الثالث
أغلقت الأبواب بعد صلاة العصر. واضطربت الحياة التي كانت هادئة.
أو ظهر الاضطراب فوق الهدوء بعد أن كان العكس واضحًا في جو المعتقل. عاد اللون الأصفر يغطي الأشياء ويخيم فوق النهار. واستبد الضيق بالمعتقلين الذين تنفسوا هواء نقيًا بضعة أيام.
يا لها من أيام حلوة مرت كنسيم البحر ابتلعته الصحراء الملتهبة! أتت الصحف وأصبحوا على اتصال دائم بالعالم الخارجي. وجيء بالمذياع فوق مقعد عند مدخل الساحة. وما أن يعلو صوته حتى يلتف حوله هؤلاء المساكين وقد أعطوه كل اهتمام وانتباه.
لماذا ذهبت تلك الأيام؟ هذا هو السؤال الذي يتردد على ذهن عبد المجيد. ذهبت منذ ساعة واحدة.
فوجئ المعتقل بهجوم غادر من الجنود، وبضرب بالسياط وبالسب. جرى الجميع نحو الزنازين. وكانوا جالسين يسبحون الله بعد أن صلوا العصر جماعة. نهضوا في فزع.
حدث هذا بغتة دون أن يسبقه إنذار. التصق عبد المجيد بالجدار وتكوم كأنه كتلة من حجر. كان يسأل نفسه عن التغيير الذي طرأ. ثم ضاق بالأسئلة فرماها علي صادق الذي قال:
- لا أفهم.. ولا أجد أجوبة لأسئلتك.
قال أحد الإخوان المقيمين معهما في نفس الزنزانة:
- لا بد أن نعرف السبب قبل غروب الشمس
قام صادق ينظر من فتحة الباب.. عاد يقول:
- خلت الساحة من أي أثر للجنود ولا توجد حركة هناك.. جلس إلى جانب عبد المجيد وأردف قائلًا:
-لا تحزن.. ولا تنس أنك في سجن
تمتم عبد المجيد:
- سمحوا لنا بالخروج وحرية الحركة وقراءة الصحف والاستماع إلى المذياع.. سمحوا بكل ذلك دون أن نعرف لماذا سمحوا.. ومنعوا كل ذلك فجأة دون أن نعرف لماذا منعوا.. أمر غريب وعجيب.
قال شخص متربع في ركن:
- أنا لا أجد عجبًا.. تفسير ذلك ببساطة.. إنهم كانوا يتحدثون من صنع دستور دائم.. ولا يزال الحديث فيه مستمرًا فأعطونا بعض الحركة في دائرة المعتقل وأعطونا الصحف والمذياع من أجل العلم بحكاية الدستور ثم حدث شيء نجهله حتى الآن.. حرمنا مما سبق..
وعند ذاك ضجت ساحة المعتقل بأصوات تصرخ. وتذكر الجميع أن عددا من الإخوان ذهبوا في الصباح إلى المحكمة للتحقيق معهم. وها هم قد عادوا. ولكنهم يصرخون.
أتجرأ أحدهم أو بعضهم على رئيس المحكمة؟ هب صادق واقفًا واتجه إلى فتحة الباب وجعل يذيع ما يرى.
قال إنهم ستة أشخاص، سقطوا على الأرض من شدة الضرب. وإن الشاويش الأشقر يقف فوقهم كالشيطان ويمسك في يده هو الآخر سوطًا ويصيح بصوت غير واضح. والجنود حولهم يلوحون بالسياط ويزمجرون بالتهديد.
بعد فترة قصيرة. اختفى المشهد من ساحة المعتقل. وعندما فتحت الزنازين لتوزيع طعام العشاء، قيل إن هؤلاء الستة تطاولوا بجرأة على رئيس المحكمة وتحدثوا بشجاعة عن رأيهم في التحقيق، ودافعوا عن أنفسهم، بصلابة الأبرياء، فأمر رئيس المحكمة بعودتهم إلى المعتقل، وبتأديبهم بأقسى العقوبة المعروفة في السجن الحربي، وبحرمان المعتقل من الشمس التي أشرقت عليه، ويجب أن يكون الليل كثيف الظلام، ثقيل السحب، غزير المطر. وكان المطر إشارة إلى الضرب العنيف بسياط الجنون.
خيم الظلام على السجن الحربي. ونهض البعض يقيم الليل ويدعو الله أن يرحم عباده. وغرق البعض الآخر في النوم هربًا من الواقع المؤلم. ولكن حركة دبت في المعتقل انتهت بفتح الزنازين وبإضاءتها. وقف جميع المعتقلين داخلها ينتظرون الأوامر من الشاويش الأشقر الملعون. رفع صوته صائحًا:
- كل واحد يضع وجهه في الحائط.. ولا يتحرك، وإلا سيقع على رأسه السوط.. والويل له.
وشمل الصمت الصارخ أرجاء المعتقل. وأحدقت العيون في الجدران. واختنقت الأنفاس. ومر الشيطان بملابس الشاويش يرى إلى أي مدى كانت الطاعة. وهل هناك من يكسر أمره ويتحرك حتى ولو كان يطرد ذبابة. مجرد حركة خفيفة صارت ممنوعة. يريد تماثيل داخل الزنازين. طاعة عمياء لحاكم متجبر. وفي أثناء مروره بالطابق الأول ضرب شخصًا نظر إلى أسفل. رمى بصره بين قدميه ثم صرخ من الضربة التي صعقته. من سوء حظه أن حركة الرأس جاءت في نفس اللحظة التي دخل فيها الشيطان الزنزانة. لم يسمع صوت قدميه. كان يضع قدميه في حذاء من القماش المصنوع بنعل من المطاط. لبس ذلك الحذاء ليخدع الواقفين ويمر بهم دون أن يشعروا به وسرعان ما عرف الجميع الخدعة التي لجأ إليها بعد أن صرخ أول شخص وقع في الفخ.
وتكرر صراخ ضحاياه كلما سقط بصره على هزة من كتف، أو رعشة من جفن، فذلك في قاموسه يسمى حركة، وتستحق أشد العقاب. وعرف الواقفون الصامدون أمام الجدران إتجاه الشيطان من الصرخات التي كانت تتوالى. وصعد إلى الطبق الثاني، وثب إليه وكأنه حافي القدمين. وكانت هناك شفاه تتحرك بآيات من القرآن. وإنها حركة تغري الشيطان بالانقضاض. وعندما اقترب من زنزانة عبد المجيد بكى أحد الواقفين. أجهش في البكاء والعويل بينما كان السوط يزمجر. وظل الباكي يصرخ فالتفت عبد المجيد وراءه. وإذ به يرى الشيطان يظهر على باب الزنزانة. وقبل أن يدير رأسه كان السوط يعلو فوقها ويسقط كالسكين ويشجها.
صرخ عبد المجيد رغم قوة احتماله. كانت الضربة تتحدى الصلابة. كأنها سيف يقطع ويشطر الشيء إلى نصفين. التوت أذنه تحت الضربة القاسية، وغطاها الدم. كتم عبد المجيد صوته عندما أوشك أن يصرخ مرة ثانية. قطرات الدم تساقطت على ملابسه.
متى انتهى المرور الوحشي؟ ذاب تفكيره في الإحساس بالألم. واغتال إدراكه بالزمن. وتاه في دائرة الذهول. أفاق على صوت الشيطان يقول:
- اغلقوا الأبواب.
ضج المعتقل بالرعد. أغلقت الأبواب بعنف. ولكن الشيطان عاد يأمر بفتحها. جنونه بلغ ذروته فأمر بغلقها وفتحها عدة مرات، ووقف يتفرج ويضحك ويضرب الأرض بالسوط. ولما انتهت الملهاة التي شاهدها المجنون بسرور وسعادة، أغلقت الأبواب للمرة الأخيرة، ورقد عبد المجيد يتلوى على أرض فرشت بالأشواك.
غاص في معنى العذاب. لم تكن نظرية فلسفية. كانت طريقة منطقية تدرج بها العقل وتغلب على الألم. كنوع من العلاج. طوق الألم وطواه ورماه في منطقة الصبر.
وتوغل في رحلة الذهن. وكان جوف الزنزانة باردًا معتمًا، وكان جوفه دافئًا مضيئًا. تجلت فكرة التضحية كضوء الشمس حين يسطع بين سحب داكنة.. من الألم العظيم تتولد الأفكار العظيمة وتتبلور في أشكال نورانية.
لم ينم في تلك الليلة. وإن كانت عيناه مغلقتين كالغارق في النوم. إنها يقظة ذهنية مشرقة بنور في الأفق المظلم.
غمرت الكون بشعاع الأمل.
أعطت الدنيا بهجة جديدة. ومنحت النفس زادها الذي لا ينفد.
فقال بصوت خفيض يفيض بحب الوجود:
- من حقنا أن نعيش.
- همس صادق الراقد إلى جواره:
- ظننت أنك نائم.
- لا ينام الفكر حين يصطدم بالمكر.
- كنت أفكر مثلك.. حرمونا من الحياة الجميلة.
- وتركونا لعبة في يد الشيطان.. ما معنى أن نقف أمام الجدران ساعات طويلة.. وأن نغلق الزنازين ونفتحها مرات ومرات في دقائق قليلة؟
قال صوت أحد النائمين:
- من المستحسن أن ننام.. فالغد يعد لنا عذابًا جديدًا.
قال عبد المجيد
بذهن متوهج:
- إننا نتقرب بهذا إلى الله.. والشهادة في هذه الأيام أعظم من الحياة..
جاء صوت من آخر الزنزانة:
- للعلم يا جماعة.. الذين عادوا من المحكمة.. وضربوهم في الساحة سيموت بعضهم بلا شك.. وسينال الشهادة..
سأله عبد المجيد:
أتعرف عددهم!
- قيل إنهم ستة.. وأظن أنهم أكثر من ذلك.. ربما كانوا تسعة.. ومن المؤكد أنهم ينامون الآن في بركة من الماء.
عاد يسأل:
- كيف؟
- في زنزانة كالبحيرة.. يقفون فيها حتى الصباح.. فإذا نام أحدهم.. سقط في الماء واستيقظ ونهض يقف وهكذا.
قال صادق:
- نحن تحت الغطاء.. ولا ننام.. الله في عونهم.
وانتهى الليل بدون نوم. كل الجفون المفتوحة أو المغلقة ليست مستعدة لاستقبال النوم في تلك الساعة التي تسبق الفجر. فقام أحدهم وتربع وأخذ يتلو القرآن بصوت لا يكاد يخرج من الزنزانة.
في الليلة التالية، وقبل المنتصف، فتحت الزنازين، وصدر الأمر بالخروج منها إلى الساحة. هبط الجميع على الدرج بسرعة لا تتفق مع نومهم قبل لحظة. يجرون نحو الساحة في سباق كأنهم كتلة واحدة تتدحرج إلى أسفل. ازدحمت الساحة بالعدد الكبير. خرج الشاويش الأشقر من حجرته وطلب من الواقفين أن ينظموا أنفسهم في صفوف أمامه. ثم أمر الصف الأول بالخروج من باب المعتقل إلى الفناء الخارجي.
دهش عبد المجيد مما يجري في الليل، في منتصفه، يبدو أنها ليلة تفوق سابقتها في فن التعذيب. قال لنفسه إنه لم يعد يهتم. وخرج بعد ذلك إلى الفناء ليجد كل المعتقلين هناك. أفرغ المعتقل رقم «4»: والمعتقل رقم «٣»، والمعتقل الكبير ما في جوفهم. وقفت الصفوف التي تجاوزت الألوف في الفناء الواسع تحت سماء ملبدة بسحب قاتمة حجبت أضواء النجوم.
وتدفق عدد من الجنود مدججين بالسلاح وأحاطوا بهم كحراس، وتدفق آخرون بالسياط كزبانية جهنم. ثم أتى بعض الضباط ونظموا الصفوف في شكل مربع وأخيرًا جاء تسعة أشخاص عراة إلا من لون الدم الذي يغطي أجسامهم، ووقفوا داخل المربع كي يراهم الجمع المحدق في رعب وخوف. هؤلاء هم الذين رفعوا صوتهم على رئيس المحكمة، والذين عذبوا وناموا في بركة الماء ليلة أمس.
وبعد وقت غير قصير ظهر قائد السجن الحربي صاحب الرتبة الرفيعة والجثة الضخمة.
صعد فوق مرتقى من الحجر، وأشار بعصاه إلى العراة وهتف:
- هذا هو مصيرهم.. أنا هنا أملك الحياة والموت.
- البقية في العدد القادم-
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل