العنوان حقوق الإنسان بين الواقع والشعارات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993
مشاهدات 84
نشر في العدد 1055
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 29-يونيو-1993
تناقضات مؤتمر فيينا ومأساة البوسنة
اجتمع خمسة آلاف مندوب من مائة وثمانين دولة هو مجموع الدول
الأعضاء في الأمم المتحدة في منتصف يونيو الجاري في مؤتمر عقد في فيينا، رعته
الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان، ولا ندري هل كانت مصادفة أن يجتمع كل هؤلاء في
فيينا على بعد نصف ساعة فقط بالطائرة من أكبر مجزرة بشرية أقامها الصرب والكروات
منذ خمسة عشر شهرًا لمسلمي البوسنة والهرسك؛ حتى بلغ مجموع الضحايا من المسلمين
ربع مليون قتيل، واغتصاب خمسين ألف امرأة، وتدمير 800 مسجد، وإحراق وإبادة 400
بلدة، ثم ينفض المؤتمر دون يعطى المسلمون أبسط حق من حقوق الإنسان، وهو حق حصولهم
على السلاح للدفاع عن أنفسهم.
وفيما انبرى رؤساء الوفود في إلقاء الخطب الدعائية، والبيانات
النظرية، والشعارات النارية حول حقوق الإنسان، الذي دمرته الأنظمة الشيوعية،
وأهلكته الأنظمة الديكتاتورية، ومزقت نفسه وكيانه الرأسمالية الغربية، كانت عدة
تقارير عن منظمات إنسانية دولية قد صدرت قبل انعقاد المؤتمر بأيام؛ لتضع المؤتمرين
أمام بعض الحقائق، التي لا يلتفت إليها عادة في مثل هذه المؤتمرات الدعائية، ففي
التقرير السنوي الدولي الذي نشرته منظمة العفو الدولية إشارة إلى أن مائة وعشر دول
من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أي الأغلبية الساحقة تنتهك فيها حقوق الإنسان
بطريقة أو بأخرى.
تقارير دولية تكشف الزيف العالمي
وفي تقرير خاص آخر نشرته منظمة العفو الدولية في الثامن من يونيو
الجاري تحت عنوان «حقوق الإنسان والمعونة الأمنية الأمريكية»، جاء فيه أن عشرين
دولة من الدول التي تتلقى معونات أمريكية كبيرة تنتهك فيها حقوق الإنسان بشدة،
وتتراوح هذه الانتهاكات بين الاعتقال والتعذيب والإعدام دون محاكمة، ويعتبر صمت
أمريكا إزاء ذلك دعمًا لعمليات القمع التي تقوم بها هذه الدول.
وفي التقرير السنوي للأمم المتحدة عن التنمية البشرية، والذي صدر
أيضًا قبل أيام من مؤتمر فيينا أشار التقرير إلى أن بليون إنسان من سكان الأرض
يسيطرون على 85% من اقتصاد العالم وتجارته، فيما يتقاسم أربعة بلايين هم باقي سكان
العالم 15% فقط من اقتصاد العالم وتجارته، وبالتالي فإن غالبية سكان العالم تفتقد
إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية وأدنى أساسيات حقوق الإنسان، ولنا أن نتصور حجم
الفجوة المعيشية والحياتية بين سكان الشمال، الذين يتغنون بحقوق الإنسان وهم
يسحقون سكان الجنوب، ويستفيدون بخيرات بلادهم، ثم يرمون لهم الفتات أو يردونه
إليهم على هيئة سموم ممثلة في الأدوية والأغذية الملوثة بالهرمونات، والأسلحة
المليئة بالفتك والدمار، أليس هذا ما يفعله أهل الشمال الأغنياء بأهل الجنوب
الفقراء؟، يستنزفون خيرات بلادهم، ثم يصدرون إليهم الأسلحة والأغذية المحفوظة
الملوثة والأدوية.
ازدواجية المعايير الغربية والعنصرية
أليس عجيبًا أن يكون معظم الجالسين في مؤتمر حقوق الإنسان قد ذهبوا
إليه - حسب تقرير منظمة العفو الدولية - وأيديهم ملوثة بدماء شعوبهم؟، أليس عجيبًا
أن يظل قادة الغرب وزعماؤه يتغنون بشعاراتهم الطنانة حول حقوق الإنسان ودماء مسلمي
البوسنة تسيل على أعتابهم؟
أليست فرنسا التي تتغنى بحقوق الإنسان هي التي غيرت قوانين الهجرة
فيها منذ أيام؛ لتهدد كافة المقيمين على أرضها بإمكانية طردهم، وإلغاء إقاماتهم
دون مراعاة للقواعد الإنسانية، التي كانت ممنوحة من قبل؟، أليست ألمانيا هي الأخرى
هي التي غيرت قوانين الهجرة والإقامة فيها منذ أيام استجابة للنازيين ودعاة
العنصرية فيها؟
الإسلام هو الملاذ الحقيقي للإنسان
إن الإنسان الذي انتهكت حقوقه في الشرق على أيدي الشيوعيين طوال
العقود الماضية لن يجد حقوقه لدى الرأسمالية في الغرب بعدما برزت عنصريتهم
الحاقدة، وشعاراتهم الزائفة، وإن أوروبا التي يسحق مسلمو البوسنة على أرضها،
وأمريكا التي تدعم الدول التي تسحق شعوبها ليس لأي منهما أن تحمل راية البشرية أو
ترد حقوق الناس إلى أصحابها.
إن هذا الإنسان المعذب على هذه الأرض بين الشيوعية تارة والرأسمالية
تارة والديكتاتورية غالبًا لن يجد من ينصفه ويمنحه حقوقه إلا حينما يعود هذا الدين
القويم إلى حياة الناس من جديد، ويقوم عليه من يحكم بين الناس بالقسط، فيسري في
حياة الناس العدل، ويسود في واقعهم الإنصاف، وتزول الشعارات الزائفة، ويأتي الحق
المبين الذي أشار إليه أشرف الخلق، وجعله بيانا للناس كلهم وليس للمسلمين فقط،
حينما قال في حجة الوداع: «أيها الناس إن أباكم واحد، وإن أمكم واحدة، كلكم لآدم
وآدم من تراب، الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»،
هنا فقط يجد الإنسان حقوقه، وينعم الناس بالعدل، ويصبح الدين كله لله، وإلى ذلك
الحين ستظل البشرية تتخبط في الشعارات الزائفة والبيانات الخاطئة؛ حتى يأتي أمر
الله، ويأتي وعده، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
حقوق الإنسان ومعايير الغرب المزدوجة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل