; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (19) الداعية المجاهد محمد محمود الصواف | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (19) الداعية المجاهد محمد محمود الصواف

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994

مشاهدات 56

نشر في العدد 1082

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 04-يناير-1994

من منا لا يعرف الأستاذ محمد محمود الصواف؟ ومَنْ مِنَ المسلمين يجهل قدره وجهوده ومساهماته؟ فالأستاذ الصواف علم من أعلام الإسلام وداعية من دعاته ومجاهد من مجاهديه، ليس على مستوى العالم العربي فحسب بل على مستوى العالم الإسلامي كله، ولقد شرفتُ بالتلمذة عليه والاغتراف من علمه والالتزام بمنهجه وطريقته وصحبته في جولات كثيرة في البلاد العربية في الأربعينيات والخمسينيات الميلادية.

لقد صدع الأستاذ الصواف بكلمة الحق، وهاب بالمسلمين الرجوع إلى دينهم، واستنهض الهمم لإنقاذ فلسطين حين صدر قرار التقسيم الجائر سنة ١٩٤٧م، وأنشأ «جمعية إنقاذ فلسطين»، وسارع إلى الجهاد يعد الكتائب ويجهز المجاهدين ويجمع الأموال لدعمهم. كما أسهم وتلامذته في العراق بإسقاط معاهدة «جبر-بيغن» الاستعمارية، وظل هذا دأبه وشأنه مع المجاهدين في كل مكان؛ سواء كانوا في فلسطين أم في الجزائر أم في أفغانستان أم في الفلبين أم في كشمير، وظل هذا شأنه حتى غادر العراق مطاردًا من طاغيته قاسم وأعوانه الذين أهدروا دمه ولجأ إلى سوريا ثم إلى المملكة العربية السعودية التي آوته وآزرته.

وكان لجولاته الدعوية في إفريقيا وجنوب شرقي آسيا التي لقيت كل دعم من الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز آل سعود أكبر الأثر؛ حيث أحيت روح التضامن الإسلامي ووطدت العلاقات بين المسلمين قادة وشعوبًا، بعد أن كان المد القومي العلماني يجتاح المجتمعات العربية بدعم من أمريكا وعملائها بمصر. ولقد كانت له مواقف بطولية أمام تجبر الطغاة والمستعمرين تمثلت فيها العزة والإباء والصلابة والرجولة والجرأة والصراحة، تلمس هذا في خطبه ومحاضراته وأحاديثه وكلماته وتآليفه ومصنفاته التي تلهب الحماس وتستجيش المشاعر؛ فقد كان أول كتاب صدر له قبل أربعين سنة هو كتاب «صرخة مؤمنة إلى الشباب والشابات» الذي كان له أعظم التأثير في دعوة الشباب إلى الحق والخير والالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا ومنهج حياة، حيث أقبلوا على الإسلام إقبال الظمآن على الماء.

ولم يتأخر الأستاذ الصواف عن موقف من مواقف المروءة والشهامة؛ فقد كان كريم النفس واليد، يجود بكل ما عنده في سبيل الإسلام والمسلمين، وهذا بشهادة كل من عرفه عن قرب وعايشه أو رافقه في أسفاره ورحلاته. كما كانت مواقفه من ثورة التحرير الجزائرية ومساندتها متعاونًا مع علمائها أمثال البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني وغيرهما، إذ دعاهم لزيارة العراق وعقد لهم المؤتمرات الشعبية لشرح قضية الشعب الجزائري وجهاده ضد المستعمرين الفرنسيين، وسافر معهم إلى الأقطار العربية للتعريف بالقضية والدعوة لمؤازرتها.

والأستاذ الصواف لم يترك مدينة في العراق إلا زارها ودعا جماهيرها وخاصة شبابها إلى منهج الإسلام وطريق الدعوة، كما زار معظم الأقطار الإسلامية ينشر دعوة الإسلام ويتصدى للمفسدين في الأرض من أصحاب المبادئ المستوردة وينبري لتفنيد دعاواهم وكشف زيفهم ودحض شبهاتهم، مما جعلهم يهربون من مواجهته ويتوارون عنه حيثما كان؛ لِمَا كان يتمتع به من جرأة في الحق وقوة في الحجة والبرهان.

وفي السنوات العشر الأخيرة من عمره أعطى معظم جهده للجهاد الأفغاني الذي ملك عليه كل جوانب نفسه، وأصبح القضية الأولى والهم الأكبر الذي يسخر له طاقاته ويدعو الأمة الإسلامية كلها إلى مؤازرة المجاهدين الأفغان والوقوف إلى جانبهم ومساندتهم في جهادهم الإسلامي. بل كان لجهوده الإصلاحية والتوفيقية بين فئات المجاهدين وقادتهم الدور الكبير في وأد الفتن التي يثيرها الأعداء، وكم كانت خطبه ومواعظه تبكي الحاضرين وتستل السخائم من النفوس ويعود الجميع إخوة متحابين متعاونين في جو من الصفاء والروحانية. ورغم كبر السن وضعف الجسم ووهن العظم، ولكن روحه كانت روح الشباب والفتوة، وعزيمته لا تلين ولا تضعف أمام العقبات أو المغريات.

إن الأستاذ أب مجاهد، مدرسة قائمة بذاتها، هابه الطغاة وأحبه الناس؛ فقد كان صادق اللهجة، طيب القلب، ودودًا إلى الصغير والكبير، يعيش هموم الناس ومشكلاتهم ويتفاعل مع الأحداث التي تواجه المسلمين في كل أقطارهم ويبذل قصارى جهده لعلاجها وحل معضلاتها. ولقد ترك جيلًا، بل أجيالًا من الشباب في العالم الإسلامي وبخاصة في العراق والمملكة العربية السعودية، كلهم يعتز بالتلمذة عليه ويذكره بكل الخير.

رحم الله الأستاذ الصواف رحمة واسعة وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي عباده الصالحين، ووفق الله علماء الأمة ودعاتها لتحمل التبعة وإبلاغ الرسالة؛ فإن الطريق طويلة والرحلة شاقة والمخلصين قلة، ولكن التوكل على الله والاعتماد عليه وطلب العون منه والأخذ بالأسباب والصبر والمصابرة على مشاق الطريق ووعورة المسالك واحتساب كل ذلك في سبيل الله كلها كفيلة بإذن الله بتحقيق النصر لدعوة الله في الأرض، وهداية الناس إلى طريق الحق والخير، وإقامة منهج الله في واقع الناس. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

143

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

148

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17