; الطائر الأسود قصة قصيرة واقعية حدثت في سويسرا | مجلة المجتمع

العنوان الطائر الأسود قصة قصيرة واقعية حدثت في سويسرا

الكاتب مصطفي الرعيض

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007

مشاهدات 80

نشر في العدد 1760

نشر في الصفحة 46

السبت 14-يوليو-2007

كان انقضاض الطائر الأسود سريعًا، على الحمامة البيضاء. فلم تستطع التفلت منه، حاولت أن تلتقط أنفاسها، وألا تهجر عشها، لكن الطائر الأسود قصب جناحيها فلم تستطع الطيران، وقيد رجليها فعجزت عن الحركة، وأراد وأدها، والتشفي منها، لكن مشهد انتصاره لم يكتمل، فقد اختفت الحمامة، ولم تعد تحت سيطرته مع ضعفها وقلة حيلتها.

نهضت الزوجة من هذا الحلم المفزع، وتحيرت في تفسيره. أخبرت زوجها به. حاول الزوج إخفاء اضطرابه وبلع ريقه محاولا تجاهل هذا الحلم المفزع، فزوجته لا تعلم عن علاقته بأحد التجمعات السلمية المحظورة.

كانت المداهمات على أشدها، والاعتقال بمجرد الاشتباه. فقد كانت سنة ٩٨ سنة كبيسة حبلى بالأحداث المريرة في ذلك الوطن العزيز!! معارك تدور بين جيوش الأمن والاستخبارات من جانب، وبين بعض الشباب الرافض للوضع القائم من جانب آخر في شبه حياد وصمت من قبل الناس، وفي غياب تام للإعلام!! 

نهض مصطفى من فراشه ليستعد ليوم جديد، ورغم ما يشاهده في الشوارع، وداخل المجتمع من مظاهر سلبية، إلا أنه حاول ألا ينفصل عن مجتمعه المدني ليشارك بما يستطيع عبر تجمعه الدعوي رغم ما يكتنفه من أخطار، وعبر وظيفته بما يستطيعه من جمع التبرعات للعائلات الفقيرة، أو مساعدته للمواطنين في تسهيل إجراءاتهم بمصلحة الجمارك، أو عبر نشاطه في توزيع الشريط الدعوي الذي يحث على الخير والأخلاق الفاضلة. 

كانت هذه الأعمال تعرضه للرصد والمراقبة، وكان يحرص كل الحرص على ألا ينكشف أمره، وكان في تلك الفترة في دورة لغة إنجليزية متفرغ لها، فانطلق من بيته قاصدًا مكان الدورة.

(٢) «سابينة».. تلك المرأة القاتلة:

على مقاعد الدراسة من جديد، بعد أن تهيأت له الفرصة لتعلم اللغة الإنجليزية جلس مصطفى يستمع لدرس اللغة الذي يتناول شخصية زوجة اسمها «سابينة» كانت برفقة زوجها استأجرت غرفة بأحد الفنادق وقامت بقتل زوجها بواسطة نبتة في مزهرية وضعت فيها سمًا من نوع خاص وكان في الدرس كلمات ومصطلحات لم يعلق في الذهن منها إلا اسم «سابينة».

انتهت الحصة بموت الزوج، وذهاب مصطفى إلى مصلحة الجمارك القريبة من المكان يستطلع الأحوال عله يجد محسنًا فيدله على بعض العائلات الفقيرة كي يعطيها صدقته وزكاة ماله، ولمواصلة زملاء المهنة، ومتابعة ما يجري من مستجدات في العمل. 

لمح في مدخل المبنى إعلانا عن مسابقة لاكتشاف المبدعين والكوادر من خلال منح جائزة مالية لأحسن بحث يكتب عن الجمارك، أخذته الحماسة والأمل في الحصول على الجائزة المالية، فقام على الفور بكتابة محتوى الإعلان على ورقة والانصراف إلى بيته.

(۳) بداية حلم جديد:

اتخذ زاوية من صالة بيته كمكان الإعداد بحثه، محاولًا تجاهل الخطر المحدق، وفيما كانت الحملة الأمنية على أشدها، كان مصطفى يجهز بحثه على أمل الفوز بالجائزة المالية لتحسين ظروفه المادية، وتسديد بعض ديونه. 

لم تكن أم بنان - زوجته - تدري عن انضمام زوجها شيئًا، وإن كانت تشعر بحركته، وقدومه متأخرًا للبيت في بعض الأوقات!! وكانت تحس أن وراءه شيئًا لم تستطع تبين كنهه، وفرحت أن وجدت زوجها مشغولًا بشيء يعمله في البيت متحمسًا يكتب ويبحث.

أخبرها زوجها بالمسابقة، وبالجائزة المالية المترتبة على فوزه بالبحث، تفاءلت خيرًا ووجدتها فرصة لتخبره بحلمها الجديد رابطة حلمها بإعداده للبحث فقالت له: حلمت بأننا سنسافر ونعيش خارج البلد، وقد حلمت بسفينة تقلنا لشاطئ آخر.

كانت نظرات الزوج مليئة بالسخرية الحزينة والشفقة على الزوجة الحالمة التي لا تدري ما ينتظر زوجها من تبعات ومشاق وخطر محدق. 

لم يكن يتخيل أمام ناظريه إلا حبل المشنقة، وزنزانة سوداء كثيبة لا يدري كيف يكون حاله فيها، وهي - في المقابل - تخبره بسفر وعيش في الخارج!! قال - معقبًا على حلمها - هي مجرد جائزة مالية في حالة فزت بالبحث. 

ردت الزوجة - مستغلة توقعه السلبي - الجائزة لي إذا فزت بها. 

قال دون تردد أو تفكير - حتى لا يصيبها بإحباط آخر: لك ذلك.

(٤) الجائزة:

فيما كان مصطفى يواصل دورته في اللغة الإنجليزية، كان قد أتم بحثه وأرسله المصلحة الجمارك، وكان. في المقابل. الخطر يقترب منه أكثر وأكثر بانقطاع الأخبار عن بعض إخوانه تفاجأ مصطفى بخروج بحثه. كمقال - في مجلة الجمارك علامة على نجاح بحثه وسط ذهول في أيهما أسبق إليه الجائزة المالية؟ أم القبض عليه وتغييبه في السجون؟ 

كانت الأحوال لا تسر، وكانت الأحداث تتوالى، ولكثرة المداهمات أبلغه أحد أصحابه بوضع جواز سفره في جيبه دائمًا. في صباح يوم جمعة حزين.. باب بيته يطرق على غير العادة!! شقيق أحد أصحابه جاء إليه فزعًا قائلًا: جاءونا هذا الصباح، قلعوا الباب، أخذوا أخي أخبرني بإبلاغك.

جمد مصطفى مكانه، وكانت زوجته خلفه تريد معرفة ما يجري التفت إليها ثم أمرها بتجهيز حقيبة ملابسه، ليعود لأخذها لاحقًا، خرج مسرعًا محاولا إخبار أول من يجد من أصحابه، تاركًا زوجته في حيرة من أمرها، ولارتباكها واضطرابها لم تعد له حقيبة السفر، وشعرت بانقضاض الطائر الأسود، ولم يعد هو أصلًا لذلك البيت منذ تلك اللحظة. 

كانت تلك الأيام الثلاثة من أقسى الأيام التي مرت على أصحابه، اعتقل فيها الأمن أصدقاءه، ومشطت فيها البلاد من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها. كُشف فيها تنظيمه فكانت رحلة الهروب ذات التفاصيل الكثيرة.

(٥) الهروب:

أسرع يسابق الأحداث وينتقل من سيارة أجرة لأخرى حتى وصل الحدود الشرقية لبلده، وبلغ بوابة العبور لا كما يعبرها المسافرون بحقائب وزاد وعدة، لكنه عبرها بهلع وترقب وسرعة. وجد موظفًا يعرفه أطلق u، وظنه. أي الموظف. قادمًا لاستلام عمل معه بالمنطقة، رحب به وأجلسه بجانبه، وساعده في ختم جوازه.

لاحظ مصطفى مسافرًا يرقب ما يحدث بينه وبين زميله موظف الجمارك، هذا المسافر كان كثير السفر وزبونًا دائمًا على نقطة العبور من كثرة ذهابه وإيابه فوجدها فرصة للتعرف على رجل جمارك جديد، ولم يدر في خلده أنه هارب، وأنه تخلى عن كل شيء، ولم يعد يفكر إلا في النجاة بنفسه.

تعارفا فكل منهما محتاج إلى الآخر، فالمسافر يريد كسب العلاقات والمساعدة فيما كان مصطفى يريد أن يصل إلى أبعد نقطة ممكنة من الحدود حتى يشعر بالأمان.

كان اسم المسافر «المنجي العجيلي» استبشر مصطفى بالاسم وأدرك عناية الله به، وأنه ناج وعلى وجه العجلة. كان المنجي برفقة ابنه... أنزله في أقرب منطقة ليبيع ويشتري السلع التموينية، ويكسب شيئًا منها كعادة كثير من الليبيين، وأوصل صاحبه الجديد إلى الإسكندرية حيث تفارقا. 

بقى مصطفى مختبئًا أيامًا يلتقط أنفاسه، ويبحث عن مكان آمن حتى جاءته فرصة الذهاب لمحطة أخرى من محطات هربه... إلى مالطا.

ساقته المصادفة إلى فندق اسمه «هوتيل سابينة»، ومع كون الاسم عاديًا، إلا أنه حرك ذكريات وهيج فيه ما كان مذهولًا عنه من شدة الصدمة والخوف.

«سابينة»، أهي رمز للسفينة التي حلمت بها زوجته التي لم يستطع أخذها وأولادهما معه؟ أم سابينة اللغة الإنجليزية والتي ترك دورته ولم يكملها. مع كثرة الأحداث في مالطا علق به اسم الفندق أكثر من أي شيء آخر.

(6) رحلة اللجوء والهجرة:

من مالطا إلى مطار جنيف كانت رحلة اللجوء والهجرة تجربة جديدة من المعاناة.

عاش مصطفى مدة سنتين وحده دون أهله، وتعثر الاتصال بهم، لكنه عاش على حلم زوجته الذي تذكره بأنها ستعيش معه، وتلحق به كما جاء في حلم السفينة، وهو الذي جعله متفائلًا رغم صعوبة الظروف. 

في العام الثالث، وفي نفس مطار جنيف جاءت زوجته ليرسلوها إلى مقر اللجوء بجنيف لاستكمال بقية إجراءاتها، وزارها هناك وضم أولاده إليه.

 والتحقت الزوجة بزوجها، ومرت سنة كاملة قبل أن يحصلا على اللجوء، وتوالت عليهم السنون - كحال غيرهم من اللاجئين وما زالا يعيشان على أمل أن يختفي ذلك الطائر الأسود، وتعود الحمامة إلى عُشها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

183

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

129

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم