العنوان أضواء كاشفة على الموقف الأمريكي في ظلال الحدث الأفغاني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980
مشاهدات 60
نشر في العدد 465
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-يناير-1980
كلام جديد لكارتر حول الحشود البحرية في خليج عثمان
أمريكا تنتهز الحدث الأفغاني لتحجيم الانبثاق الذري في الباكستان وضرب المد الإسلامي في المنطقة
الضجة الإعلامية حول حماية باكستان مفتعلة لتبرير عمل ما.
لماذا يبحث الأمريكيون عن قاعدة في الخليج لوضع خمسة آلاف مقاتل؟
السوفيات تدخلوا في أفغانستان بعد اجتماع کارتر وبر يجينيف وزحفوا عسكريًا بعد التوقيع على «سالت 2»
الموقف الغربي بعامة، والموقف الأمريكي بخاصة من قضية الزحف العسكري الروسي على أفغانستان، أخذ حيزًا واسعًا في الصحافة الغربية والعربية، وقد تشابكت التحليلات لتحديد ماهية الموقف في أوروبا وأمريكا مما حصل على الأرض الأفغانية، بيد أن الصحف جميعها اتفقت على أن الأمريكان والأوروبيين لابد وأن يتصرفوا حيال زخم العسكرية السوفياتية الجديد، ونحن في رؤيتنا الخاصة للموقف الأمريكي سنرفض من حيث المبدأ أن نقيم تحليلًا سياسيًا حول قضية تدخل دولة كبيرة ومواقف الكبار المتفرجين على أساس نظرية الفعل وردة الفعل لئلا نقع في الفخ الذي وقع فيه كثير من محللي السياسة الأمريكية في العالم، وهنا نسأل قارئنا سؤالين، ليرد بنفسه على منهج الذين صنعوا من أمريكا حماسة الانقاذ لأفغانستان على أساس فحوائها ردة الفعل.
السؤال الأول:
لقد كشفت الأقمار الأمريكية – التجسسية (على الأقل) الحشود المتراكمة حول الحدود الأفغانية، وقدرت عدد القوات التي يمكن أن يستخدمها السوفيات في عملية لتثبيت النظام الشيوعي في أفغانستان، فما هي ردة الفعل التي قام بها البيت الأبيض آنذاك؟
السؤال الثاني:
كيف نقيم موقف الأمريكان لدى توقيعهم على اتفاقيتهم (سالت – ۲) مع الروس أيام التمهيد الروسي لغزو أفغانستان تمامًا، علمًا بأن الخبراء والجنود الروس كانوا يشاركون رجال حفيظ الله أمين في ضبط حركة الثورة الإسلامية، وكيف نقيم موقفهم المتعلق بهذه الاتفاقية بعد الغزو السوفياتي في 27/12/1979م؟
لعل القارئ سيصل إلى نتيجة مرضية لوجد أنه إذا استشعر بأن (سالت – 2) نفسها، والتي أرجأت البحث فيها لدى شيوخ الكونغرس إرجاء ذات ذات علاقة استراتيجية بما حصل في أفغانستان، وليس هناك في سياسة الوفاق شيء بلا بديل، إذًا فعلى العالم الإسلامي أن يبحث في الموقف الأمريكي على أساس من طبيعة النظرة (السوفياتية – الأمريكية – الأوروبية) المصلحية إلى ما جرى على أرضه من أحداث وإلى ما سوف يفاجئنا به عمالقة المفترسين الثلاثة، في موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية.
وهنا نود أن نشير إشارتين صغيرتين:
١- تذكر القارئ بأن التدخل الروسي المباشر بشؤون أفغانستان تم في أوائل يوليو عام ۱۹۷۸ أي اجتماع كارتر وبر يجينيف تمهيدًا لاتفاقية (سالت - ۲) وقلنا آنذاك لعل الاجتماع الثنائي هو الذي أعطى السوفييت شرعية التدخل في أفغانستان.
٢- تم الزحف العسكري على – أفغانستان بعد أن تم التوقيع على – اتفاقية (سالت - ۲) نفسها بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا.
ترى.... هل كانت الاتفاقية للحد من الأسلحة الاستراتيجية، أم أنها تضمنت في – بنودها ترجمة نظرية اقتسام النفوذ في – العالم إلى احتلال مباشر؟
أضواء كاشفة على الحسابات الأمريكية:
قبل الإعلان عن الزحف العسكري السوفياتي إلى أفغانستان حشدت أمریکا وقوى أوروبية أخرى بينها (فرنسا) أضخم حشود عسكرية لها حول الجزيرة العربية والخليج والمحيط الهندي، بحجة معاقبة إيران وإليك أخي القاري، هذا النص المأخوذ من وثيقة نشرتها جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 8/1/1980
قال الرئيس كارتر في اجتماعه مع رجال الأمن القومي والبنتاغون وأعضاء وزارته «استقدمنا قطعًا كبيرة من أسطولنا السابع للمرابطة في خليج عمان خارج رأس مستدم ومضيق هرمز، وأن الكلام العلني كان أننا نريد أن نعرض عضلات العسكرية على النظام الإيراني، إنما الواقع هو أننا جئنا بقطع الأسطول لأسباب أخرى – لا علاقة لها بأزمة الرهائن في طهران». ترى ماذا يمكن لنا أن تتوقع أمام قول – كارتر هذا سوى العدوان؟
إن السياسة الأمريكية تتوازي مع سياسة الاتحاد السوفيتي توازيًا يجعل المراقب لا يستغني عن الربط بين (سالت – ۲)
وبين التحرك الأمريكي والروسي معًا.
فالاتحاد السوفياتي الذي سحب قواته بناء على اتفاق أتى بعد (سالت -۲) من ألمانيا الشرقية، حولها مباشرة إلى أفغانستان في احتلال عسكري كامل.
والأمريكان اقتربوا في نفس الوقت من المناطق الاستراتيجية في العالم الإسلامي وبدأوا يحومون حولها.
وجاءت مسألة أفغانستان ليعلن البيت الأبيض عزمه على حماية باكستان من ناحية والخليج من ناحية أخرى من أي زحف روسي متوقع.
وهن نرى أنفسنا باحثين عن علاقة بين هذه العناصر المتزامنة، الأمر الذي يجعلنا نحدد الضجة الإعلامية الأمريكية بأنها أمر مفتعل وذلك لـ:
إجبار الشعوب حول الخليج على الدخول في معاهدات سياسية في ظاهرها، واقتصادية استعمارية في جوهرها محاولة إجبار حلف بغداد تحت المظلة الأمريكية، والذي بدأت ارهاصاته تطل برأسها عبر صحافة الغرب بهدف ابتزاز الورقة النفطية الرابحة في الخليج.
يقول المحضر الأمريكي إن قضايا العالم الخارجي وأوجاعه تفيدنا في الشارع الأمريكي، وهذا الشارع حاصل الآن على النفط العربي، وهو يشكرنا على ذلك، والمشاكل هناك تضمن لنا التصاق العالم العربي النفطي بنا وهذا هو الأهم حاليًا الشرق الأوسط 8/1/1980
لكن كيف سيدفع الأمريكان دول العالم الاسلامي للوقوع في حبائل الابتزاز؟
لعل مفتاح ذلك هو إشعال المزيد من الفتن لإجبار العالم الإسلامي على الركوع فلقد وعى رجال البيت الأبيض ما قاله کارتر:
الثورة في أفغانستان أعطت حتى الآن نصف مليون لاجئ، وعدم تحركنا في الماضي كان ضربة محكمة، فلا بأس أن يتعذب الثوار وأن يكثر اللاجئون وأن تحتار باكستان فيما يجب أن تفعله، وهذا كله يحرك الشعوب الإسلامية للنظر فيما يجب أن تفعله من أدوار مستقبلية هو حكمًا ضد الاتحاد السوفياتي إلى أن يفهم المسلمون بعد الضيم والوجع أن تعاونهم مع الولايات المتحدة هو في مصلحتهم، وأن الاتحاد السوفياتي هو الخطر عليهم النص منقول عن الشرق الأوسط السعودية 8/1/1980
إننا هنا نريد أن نسأل أولئك الذين يعولون على الموقف الأمريكي من قضية أفغانستان، ماهي الاستراتيجية التي سيعمل الأمريكان من خلالها لردع الروس الغزاة؟
وسوف يكون الجواب الواعي لهذا السؤال: أن الولايات المتحدة تنتهز قضية أفغانستان لابتزاز العالم الإسلامي وإخضاعه، فلقد أشارت منذ بداية القصة الأفغانية بعض المصادر الديبلوماسية الأوروبية أن الأمريكان كانوا على علم مسبق بالزحف الروسي، وقد قامت مخابراتهم بعملية تضليل وتعمية عالمية ليمر الروس إلى أفغانستان بسلام – السياسة الكويتية 3/1/1980
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بين الانتهازية والنوايا السيئة:
بعد القناعة بصحة ما سجلناه أعلاه، فإننا نفسر العمل الأمريكي من مبدئة بالانتهازية الاستبزازية المصلحية، وذلك للوصول إلى استراتيجية عسكرية مبررة يقتنع بها العالم الثالث وبالأخص عالمنا الاسلامي ومنطقة الخليج، بدعوى حماية هذه المنطقة من غزو سوفياتي مرتقب ولعل خطوط الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة تعتمد على الخطوط التالية:
أولًا:
ربط دول المنطقة بمعاهدات عسكرية مع أمريكا، وإذا كان الهدف السياسي يمكن ضمانه بغير إدخال العنصر العسكري في المعاهدات فإننا نرى أن دخول العنصر العسكري يهدف إلى حماية المكتسبات الاقتصادية من أبناء الدول نفسها، أي من الشعوب التي يمكن أن تثور على حكامها بسبب هذه المعاهدات، وقد مارست القوات السوفياتية تدخلها في أفغانستان وضرب الشعب الأفغاني الثائر على عمالة حكامة مبررة ذلك بالمعاهدة المشؤومة، وقد تمكن الأمريكان تحقيق هذا العنصر الاستراتيجي بتوقيع اتفاق مع تركيا يوم الأربعاء9/1/1980.
وهنا يستحسن أن تذكر أن الولايات المتحدة استخدمت قاعدتها التي تقع في (انسيرليك) سنة ١٩٥٨ في تدخلها بشؤون لبنان.
هذا وهناك محاولات أمريكية لترجمة الصلح المصري الإسرائيلي إلى حلف أمريكي عسكري يضمن مصالح أمريكا في الشرق الأوسط والخليج باسم مستعار مزور هو حماية المنطقة العربية من غزو سوفياتي محتمل.
ثانيًا:
تعزيز الحشود العسكرية حول المناطق الموصلة إلى آبار النفط في موازاة الحشود الدولية الأخرى ولا ندري أن كانت هذه الحشود المتضاربة شكلًا قد انطلقت من استراتيجية الوفاق واقتسام النفوذ البحري وعلى كل فإن الأمريكان حصلوا على تسهيلات عديدة من موانئ قريبة جدًا من آبار النفط وذلك لتأمين احتياجات هذه القواعد البحرية السيارة، وقد ذكر أن حاملة الطائرات العملاقة (نميتير) قد توجهت من البحر المتوسط باتجاه الخليج في يوم 5/1/1980 وذلك لتعزيز الأسطول الأمريكي الذي يرابط في الخليج حاليًا، بحجة حماية الخليج من السوفيات.
ثالثًا:
تمركز القوات البرية في المناطق العربية، الحساسة من المنطقة العربية، فقد نقل من واشنطن أن الحكومة الأمريكية بدأت تدرس مع إحدى الدول الخليجية موضوع إدخال قوات برية أمريكية إلى المنطقة، وذلك كخطوة ثانية بعد الحصول على القواعد والتسهيلات.
وقد ذكرت القبس الكويتية صباح 9/1/1980 ان دوائر البنتاغون تبحث الآن وضع قوة قوامها 5 آلاف رجل في أي بلد خليجي يبدأ بالفكرة، وتعتقد واشنطن أن وجود قوة برية أمريكية يعطيها التبرير اللازم لحماية المنطقة فورًا في حالة حدوث عدوان خارجي أو خطر داخلي، وهذه خطوة أساسية في التفكير الأمريكي لتصعيد وجود الولايات المتحدة في المنطقة، وقد برزت الفكرة بعد أن اقتنع الاستراتيجيين الأمريكيون بأن القطع البحرية والجوية غير كافية.
هذه بأن خطوط الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة ترى، أليست هناك أغراض كثيرة ما زال الأمريكيون يفكرون بها الأمر الذي دعاهم إلى ترسيخ وجودهم بهذا الشكل المرعب وذلك بحجة حماية المنطقة من الأطماع الروسية؟
وهنا لابد من القول:
أن الأمريكان لا يخشون خطر الروس على مصالحهم طالما أن هناك ما يوحد خطوات الطرفين وينسق بين تدخلاتهم في شؤون العالم وإنما باتوا يخشون من الشعوب التي أثبتت أنها أقوى بكثير من الاستراتيجية الاستعمارية السابقة التي كانت تعتمد على رجال الحكم العملاء في ضبط المنطقة أمثال شاه إیران و من يسير على سنته في قهر الشعوب ومن أجل الخشية من تكرار الثورة الإيرانية في منطقة استراتيجية أخرى بدأ الأمريكان ببناء استراتيجيتهم العسكرية الجديدة والتي أشرنا إلى بعض خطوطها أعلاه.
وإن غرض المحافظة على المصالح الاقتصادية خشية تحول امتيازاتها إلى بلدان أخرى كفرنسا واليابان وبعض الدول الأوروبية الصغيرة هو الذي يخيف الأمريكان حاليًا على الرغم من أن حصان طروادة الأمريكي ما زال دائب المحاولة في إقناع فرنسا واليابان وغيرهما من الدول التي تحاول أن تبرز على الساحة الدولية في الدخول ضمن حلف اقتصادي سياسي مع الولايات المتحدة في مواجهة العالم المنتج للنفط والطاقة وبالأخص عالمنا العربي ولما كانت تلك الدول تحاول أن تنزع منزعًا استقلاليًا بعيدًا عن المظلة الأمريكية فإن البيت الأبيض يجد أنه لا مفر من بناء استراتيجيته الجديدة معتمدًا على العنصر العسكري المكثف.
أمريكا وباكستان:
بقي بعد ذلك أن نسلط الضوء على الضجة الأخيرة التي تثيرها الولايات المتحدة حول باكستان والغزو الروسي المحتمل لها. لقد طرح الأمريكان فكرة إدخال ما بين ١٥ - ٢٥ ألف جندي أمريكي إلى باكستان بحجة حمايتها من الزحف الروسي.
وهنا لابد من دحض الحجة الأمريكية بعد طرح الملاحظتين التاليتين:
إن باكستان خضعت في السنتين الأخيرتين للرغبة الجامحة بتحكيم الإسلام في شؤون الإدارة والحكم الأمر الذي أدى بالجنرال ضياء الحق لمواكبة الركب الإسلامي الذي فرض نفسه في الساحة الباكستانية.
إن باكستان وصلت الى مرحلة متقدمة في صنع القنبلة الذرية وهذا أمر يرعب القوى المتنافسة للسيطرة على العالم.
وبعد هاتين الملاحظتين نسلط الضوء على الموقف الأمريكي من خلال النقاط التالية:
يقول الرئيس كارتر:
نحن على خلاف مبدئي مع باكستان وذلك حول التعاطي مع الذرة ومفاعلاتها وما دمنا قادرين على تنفيذ مخططنا فإننا لن نسمح لباكستان بأن تصنع قنبلتها الذرية فباكستان الآن هي من عدة أقوام وأعراق ونظامها يجب أن يخضع للتغيير وخريطتها السياسية هي الآن قابلة للتعديل – الشرق الأوسط18/1/1980
نقل عن اجتماع قال فيه الرئيس الأمريكي مخاطبًا معاونيه في البيت الأبيض:
«نصف مليون لاجئ أفغاني وصلوا إلى باكستان من خلال الثورة ولا يزالون عبئًا على الجنرال ضياء الحق ونحن أردناهم أن يكونوا كذلك حتى يعود إلينا ضياء الحق طائعًا مستسلمًا».
كان هذا بعد دخول السوفيات إلى أفغانستان وهذا أن التكتيك الأمريكي الذي يلعب الآن فوق المياه الخليجية يحاول أيضًا أن يدبر لباكستان ما يقلب نظامها بعد أن أقبلت على الإسلام وهذا بدوره يفيد كلا من التحرك السوفياتي والأمريكي في وسط آسيا يستهدف ضرب الانبثاق الإسلامي الذي يمكن أن يشكل صخرة صلبة عنيدة في وجه المخططات المصلحية الآتية من الشرق والغرب.
وإلا كيف نفسر تمركز الكوماندوس الأمريكيين الأخير في قبرص وفلسطين ومصر مؤخرًا (السياسة11/1/1980) وأمام هذا العرض ننادي بأعلى صوتنا حكام المنطقة الإسلامية الحية للانتباه إلى ما يحوكه كل من الشرق والغرب للإيقاع بنا وليعلم كل حاكم في المنطقة بأن قوته تكمن في دعم شعبه المؤمن الذي لا يخاف شرقًا ولا غربًا بل إن الشرق والغرب هم الذين يخشونه.