; النظرية السياسية في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان النظرية السياسية في الإسلام

الكاتب أبو الأعلي المودودي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983

مشاهدات 67

نشر في العدد 609

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 22-فبراير-1983

هذه العقيدة هي روح ذلك النظام الذي أسس بنيانه الأنبياء- عليهم السلام- ومناط أمره وقطبه الذي تدور رحاه حوله وهذا هو الأساس الذي ارتكزت عليه دعامة النظرية السياسية في الإسلام أن تنزع جميع سلطات ««power الأمر والتشريع من أيدي البشر منفردين ومجتمعين ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره في بشر مثله فيطيعوه، أو ليسن قانونًا لهم فينقادوا له ويتبعوه فإن ذلك أمر مختص بالله وحده لا يشاركه

فيه أحد غيره، كما قال هو في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ  (يوسف:40)

﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 154)

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾ (النحل: 116)

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45)

فهذه الآيات تصرح أن الحاكمية «sovereignty» لله وحده وبيده التشريع وليس لأحد- وإن كان نبيًّا- أن يأمر وينهى من غير أن يكون له سلطان من الله. والنبي أيضًا لا يتبع إلا ما يوحى إليه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (الأحقاف:9)

وما وجب على الناس طاعة النبي إلا لأنه لا يأتيهم إلا بالأحكام الإلهية.

قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ  (النساء:64)

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (الأنعام:89)

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (آل عمران:79)

فالخصائص الأولية للدولة «state» الإسلامية، كما يظهر من الآيات التي ذكرناها، ثلاث:

1- ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية فإن الحاكم الحقيقي هو الله والسلطة الحقيقية مختصة لذاته تعالى وحده والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم. 

٢- ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع والمسلمون جميعًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا ولا يقدرون أن يغيروا شيئًا مما شرع الله لهم.

3- إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذي جاء به النبي من عند ربه مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات «Government» التي بيدها زمام هذه الدولة «state» لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث إنها تحكم بما أنزل الله وتنفذ أمره تعالى في خلقه.

وضعية الدولة الإسلامية 

كل من نظر إلى هذه الخصائص التي ذكرناها آنفًا علم لأول وهلة أنها ليست«Democracy» ديموقراطية فإن الديمقراطية عبارة عن منهاج للحكم، تكون السلطة فيه للشعب جميعًا، فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل الا برأي الجمهور ولا تسن إلا حسب ما توحي إليهم عقولهم. فلا يتغير فيه من القانون إلا ما ارتضته أنفسهم وكل مالم تسوغه عقولهم يضرب به عرض الحائط ويخرج من الدستور إخراجًا.

هذه خصائص الديموقراطية وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء. فلا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيرًا كلمة الحكومة الإلهية أو الثيقراطية «theocracy» ولكن الثيقراطية الأوروبية تختلف عنها الحكومة الإلهية «الثيقراطية الإسلامية» اختلافًا كليًّا فإن أوروبا لم تعرف منها إلا التي تقوم فيها طبقة من السدنة «priest class» مخصوصة، يشرعون للناس قانونًا من عند أنفسهم حسب ما شاءت أهواؤهم وأغراضهم، ويسلطون ألوهيتهم على عامة أهل البلاد متسترين وراء القانون الإلهي، فما أجدر مثل هذه الحكومة أن تسمى بالحكومة الشيطانية منها بالحكومة الإلهية.

وأما الثيقراطية التي جاء بها الإسلام فلا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ، بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة، وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشئونها وفق ما وَرَدَ به كتاب الله وسُنة رسوله. ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لأثرت كلمة «الثيقراطية الديموقراطية» «Theo-democracy» أو «الحكومة الإلهية الديموقراطية» لهذا الطراز من نظم الحكم لأنه قد خول فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة. «Limited popular sovereignty»

وذلك تحت سلطة الله القاهرة «paramountcy» وحكمه الذي لا يغلب. ولا تتألف السلطة التنفيذية «Executive» إلا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشئون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع فيها بشيء إلا بإجماع المسلمين.

وكلما مست الحاجة إلى إيضاح قانون أو شرح نَص من نصوص الشرع، لا يقوم ببيانه طبقة أو أسرة مخصوصة فحسب، بل يتولى شرحه وبيانه كل من بلغ درجة الاجتهاد من عامة المسلمين.

فمن هذه الوجهة يعد الحكم الإسلامي ديمقراطيًّا Democracy إلا أنه- كما تقدم ذكره من قبل- إذا وجد نَص من نصوص الكتاب والسُنة في شأن من الشئون فليس لأحد من أمراء المسلمين أو مجتهد أو عالم من علمائهم ولا لمجلس تشريعي «Legislature» لهم، بل ولا لجميع المسلمين في العالم أن يصلحوا أو يغيروا منه كلمة واحدة ومن هذه الجهة يصح عليها إطلاق كلمة «الثيقراطية».

دفع شبهة:

ولرجل أن يقف في هذا المقام ويقول: إن الإسلام قد قيد الديموقراطية بأنواع من القيود والحدود، فمعناه أن الإسلام قد سلب الإنسان حرية الرأي والفكر، والحال أنكم تزعمون- كما ادعيتم فيما تقدم- أن ألوهية الله الواحد تخول الناس حرية القول والأفكار والقوى البشرية جمعاء، فالجواب: إن الله لم يخص أمر التشريع لذاته ليسلب الناس حريتهم الفطرية، بل خصه لنفسه ضنًا به وصونًا له من اعتداء المعتدين، ولئلا يضل الناس فيسلكوا طرائق قددًا ويقعوا في المهالك.

وهذه الديموقراطية الغربية المموهة التي يتشدقون بها، وبأن فيها حاكمية أو سيادة شعبية « popular sovereignty»، إذا سبرت غورها وأنعمت النظر في دخائلها علمت أن الذين تتكون منهم لا يسن كلهم القوانين، ولا ينفذونها جميعًا، بل يضطرون إلى تفويض سلطانهم إلى رجال يختارونهم من بينهم ليشرعوا قوانين ينفذونها، ولأجل هذا الغرض يضعون نظامًا للانتخاب خاصًا، ولا ينجح فيه إلا من يغري الناس ويستولي على عقولهم وألبابهم بماله وعلمه ودهائه ودعايته الكاذبة، ثم ينفذون ذلك القانون الجائر على العامة بتلك القوة نفسها. التي خولتهم إياها العامة، ثم يصبح هؤلاء الناجحون بأصوات العامة آلهة لهم، يشرعون ما يشاءون من القوانين لا لمصالح الجمهور بل لمنافعهم الشخصية ومصالح طبقاتهم المخصوصة التي ينتمون إليها، فهذا هو الداء العضال الذي أصيبت به أمريكا وإنجلترا وسائر البلاد التي تدعي اليوم بأنها جنة للديموقراطية ومأوى لها.

وبقطع النظر عن هاتيك المفاسد، إن سلمنا أن القوانين تشرع في تلك البلاد عن رضى العامة، فقد أثبتت لنا التجارب أن العامة لا يستطيعون أن يعرفوا مصالحهم، فإن البشر قد خلقهم الله على ضعف فطري كامن في نفوسهم، فيرون في أكثر أمور الحياة بعض جانب من الحقيقة ولا یرون بعضه الآخر، ولا يكون حكمهم «Judgement» مرتكزًا على نقطة العدل عمومًا، وهم في الغالب يكونون مغلوبين على أمرهم من العواطف والميول فيرفضونها لأجل غلبة العواطف والشهوات على أنفسهم، وعندي لذلك أمثلة كثيرة، ولكن حذرًا من إطالة الكلام، أقتصر على مثال واحد وهو قانون منع الخمر الأمريكي». «Prohibition Law» فإن الأمة الأمريكية قد تحقق لها من الوجهتين: العقلية، والعلمية. إن الخمر ضارة بالصحة، ومفسدة للقوى الفكرية، وهدامة لبناء المدنية الإنسانية.. فنظرًا إلى هذه الحقائق واطمئنانًا لصحتها رضي الرأي العام الأمريكي أن يسن قانون منع الخمر، فقررت الحكومة هذا القانون بآراء العامة وأصواتهم، ولكن لما نفذته فيهم لم يلبث الذين وضع القانون بآرائهم وأصواتهم أن خرجوا عليه، وبدأوا يسعون في الأرض فسادًا بتعاطي الخمر، والإبداع في صناعتها على استخفاء، والتفنن في أخبث أنواعها أكثر مما كانوا يتعاطونها من قبل، وكثرت فيهم المنكرات والفواحش إلى حد بالغ، حتى اضطروا إلى أن يقوموا بنقض ما عاهدوا أنفسهم عليه وبتحليل ما كانوا قد حرموه، فعلام أحلت أم الخبائث، أو قد عادت الضارة عندهم نافعة بدليل علمي أو عقلي؟ لا، بل لأن إمارتهم بالسوء قد استولت على نفوسهم، وأسلموا لها قيادهم، فكأن كل واحد منهم قد اتخذ إلهه هواه، فأصروا في عبودية إلههم الباطل على نسخ القانون الذي وضعوه بعد ما اعترفوا بصحته اعترافًا عقليًّا وعلميًّا.

هذه تجربة قد جربتها دولة متمدنة بمرأى منا ومسمع، وفي التاريخ تجارب أخرى كثيرة توضح لنا أن الإنسان لا يستطيع أن يكون شارعًا لنفسه بنفسه، فإنه إن نجا من شرور عبودية الآلهة الكاذبة، فلا يمكن تخلصه من تعبد شهواته الجاهلية والاستسلام لنزعات الشيطان الكامن في نفسه، فالبشر في أشد الحاجة إلى أن تحد حريته بحدود ملائمة للفطرة الإنسانية وذلك لصالحه وصالح المجتمع الذي يعيش فيه.

ونظرًا لهذا الغرض الأسمى قيد الله تعالى الحرية الإنسانية بقيود تسمى في لغة الإسلام «حدود الله» وهذه الحدود تشتمل على عدد من الأصول والمبادئ والأحكام القطعية، لتكون الحياة الإنسانية قائمة على الحق والعدل لا تحيد عنه ولا تتزحزح، فهذه أسوار للحرية منيعة لا يجوز لأحد أن يتجاوزها. نعم يجوز لهم أن يضعوا قوانين فرعية، أو أنظمة ولوائح «Regulations» ضمن حدودها لما يعرض لهم من الحوادث أما إذا تعدوها فلا بد أن يختل نظام المجتمع البشري اختلالًا تامًّا.

المقصود من وراء حدود الله:

وإني أضرب لك مثلًا الحياة الاقتصادية، فإن الله تعالى قد ذكر لها في كتابه حدودًا، وهي إثبات حق الملكية الفردية والأمر بأداء الزكاة. وتحريم الربا، والميسر، والاحتكار وقانون الإرث، وتقييد جمع المال وإنفاقه بقيود معلومة، فإن راعى الإنسان هذه الحدود وحافظ عليها. وسير حياته الاقتصادية في ضمن دائرتها بقيت حريته الشخصية «Personal Liberty» سالمة غير ضائعة ولا مسلوبة، هذا من جانب، وفي جانب آخر لا تتولد من تسلط طبقة على أخرى تلك الحال الشنيعة التي مبدؤها الرأسمالية Capitalism الغاشمة ومنتهاها سيطرة ديكتاتورية العمال.

وكذلك ننظر إلى الحياة المنزلية «Family life» فإنها إن تركت حبل المرأة على غاربها أصبحت الدار ملأى بالجور والظلم، وجعلت الشياطين تبيض فيها وتفرخ، ولكن الله قيدها بالحجاب الشرعي وقوامية الرجل، وبيّن حقوق الرجل والمرأة والأولاد وأحكام الطلاق والخلع، وحكم تعدد الزوجات تحت شروط، وحدود الزنا والقذف. وبيّن الله كل ذلك ليحد حياة البيت بحدود حكيمة ملائمة للفطرة البشرية، إن تمسك بها الإنسان وعمل بها وجعل نظام الأسرة قائمًا في ضمن هذه القيود والحدود أصبح البيت جنة فيها هناء وسرور، ولن يتدفق فيها سيل حرية النساء الشيطانية التي تهدد اليوم الأمن والسلام العالمي، وتنذر المدنية الإنسانية بالانقضاء.

كذلك قد بيّن الله في كتابه حدودًا للتمدن الإنساني وحياة البشر الاجتماعية كالقصاص في القتل وقطع اليد في السرقة وحرمة الخمر وحدود الستر للعورة وغيرهما من الأصول الثابتة الراسخة، وذلك ليوصد باب الشر والفساد إيصادًا كاملًا إلى الأبد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

139

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6