العنوان القذافي والتستر بالأصولية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 19-أبريل-1992
مشاهدات 63
نشر في العدد 997
نشر في الصفحة 4
الأحد 19-أبريل-1992
جاءت الصيحة التي أطلقها الرئيس الليبي معمر القذافي في عيد الفطر
بدعوة المسلمين للجهاد وتهديده للغرب باستخدام الأصوليين لضرب مصالحهم، لتُلقي في النفس المسلمة ظلالًا قاتمة لدعوة مماثلة وجهها
طاغية العراق من قبل حينما ضاق عليه الخناق، فخدع بها بعض الغوغاء الذين لا يُقدّرون المواقف، ولا
يعرفون الرجال. ولم يُدركوا أن صيحة الباطل التي أطلقها صدام حسين باسم الإسلام - فأهلك بها الأمة وفرق
شملها - تنطلق مرة أخرى بنفس الأسلوب، ومن حاكم لا زالت أعواد المشانق التي نصبها
لأبناء الصحوة الإسلامية في بلاده شاهد عَيَان على براعته في إبادة الصحوة التي يعلن الآن أنه سيستخدم أبناءها في
ضرب الغرب، وكأنها أصبحت الملاذ الأخير بعد أن أسقطها من حساباته في الماضي.
لقد استفاد القذافي بصيحته
من
صيحة طاغية العراق الظالم من قبل، حينما أطلقها، فخدع بها الآلاف من الغوغاء
الذين يسيرون في موكب الصحوة الإسلامية، وظنوا أنه الفارس المغوار الذي سيخلصهم من
عقدة الغرب وسيطرته. حتى وصل الأمر ببعض قادة هؤلاء الغوغاء بتلويث اسم البطل
الإسلامي المغوار صلاح الدين الأيوبي، حينما أطلقوا اسمه على زعيم البعث المجرم
صدام حسين، بل ذهبوا إلى وصفه بِنُعوت
وأوصاف،
يخجل القلم من أن يسطرها، وهو الذي لا زالت يداه ملوثتَيْن بدماء إخوانهم، بل بدماء شعب كامل أباد من أبنائه أكثر مما أباد
منه
الأعداء.
إن دعوة القذافي ومن قبله دعوة صدام حسين لفتت الانتباه إلى حقيقة هامة يجب التأمل
فيها وإدراك مكانتها وموقعها في الشارع الإسلامي، وهي موقع الإسلام والمسلمين في
مواجهة أعداء الله على مدى التاريخ، وأن الدين هو الحقيقة الباقية في مواجهة أعداء
الأمة.
إن الدعوة التي وجهها القذافي وصدام حسين قبله تدعونا إلى التأمل في
واقع الصحوة الإسلامية، ونتساءل: لماذا يحاول هؤلاء الحكام الظالمون أن يستميلوا الإسلاميين
دائمًا في كِفّتهم
لمواجهة
الغرب كلما كان هناك تهديد حقيقي لموقعهم ومصالحهم، ولا يلجأون
إلى
الدين وأهله عندما تسير الأمور وفقًا لما يريدون؟ وفي المقابل، نحن نرفض أي تجويع
أو تشريد أو حصار يتعرض له الشعب الليبي المسلم، كما نرفض في نفس الوقت أن تبقى
الشعوب المسلمة رهينة لحكام ظالمين يلعبون بعواطفهم ومُقدّراتهم، ويدمّرون واقعهم وينسفون مستقبلهم، ويحكمونهم بالطريقة التي تُمليها أهواؤهم
ومطامعهم.
إن المرارة تملأ
نفوسنا
من تلك الأنظمة التي استولت على مُقدّرات الأمة وشعوبها، وأذاقتها الذل والهوان والتشريد، والتقَتيل والتمزيق، ثم
تأتي هذه الأنظمة في نهاية المطاف لترتدي عمامة الإسلام التي مزقتها من قبل، وترفع
راية الجهاد التي مرّغتها
في
التراب من قبل، مستغلة جهل الشعوب وحماسة المسلمين في مواجهة الغرب حينما يلوح
بالاعتداء عليهم.
وإن هذا الواقع يفرض على المتعاطفين الذين يملأون الشارع
الإسلامي ألا ينخدعوا
مرة
أخرى بالشعارات الزائفة وأن يتعرّفوا
جيدًا
على من يطلق النداء ومن أي منطلق. ويكفي ما جر إليه طاغية العراق الأمة من ويلات وثُبُور،
بعدما رفع راية الخداع التي سار وراءها فريق من المتعاطفين والسذج.
إن راية الإسلام لا يرفعها إلا أهلها، الذين ضحّوا ويضحّون في سبيلها كل
يوم بالغالي والرخيص، وإن الضعف الذي تعيش فيه الأمة الآن حتى أصبح حماها
مستباحًا، لم يأتِ
إلا من
قبل صدام والقذافي ومن على شاكلتهم. فهل سيكرر الشارع الإسلامي خطأ الماضي أم أن
المتعاطفين والمنساقين
لن يُلدَغوا من الجحر مرة
أخرى؟
إننا نعود فنؤكد أننا مع الشعب الليبي في محنته، كما أننا نستنكر أي
حل يعرض مصالح الشعب الليبي للخطر والضياع. وأن اللجوء إلى القانون والعهود
والمواثيق الدولية يجب أن يكون بمنأى
عن
تداخلات المصالح الغربية في أمتنا، كما أننا نستنكر صرخات الطغاة بالاستنجاد بالأصوليين كما يَدّعون عند كل مأزق،
ونطالب كل حاكم بأن يراعي أمر الله ودينه في شعبه، ونحذر المسلمين من أن تَجتالهم دعوات الطغاة
أو يخضعوا لسلطان الغرب وهيمنته.