العنوان حوار القاهرة الثاني: أي شراكة يريد؟
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1580
نشر في الصفحة 20
السبت 13-ديسمبر-2003
يحاول الدور المصري التأكيد للفلسطينيين أنه المنقذ من تمادي إسرائيل في العدوان.. والتأكيد لإسرائيل أنه اللاعب المركزي في الوساطة مع الفلسطينيين.
تدرك القوى الإسلامية حجم الضغوط الجارية عليها إلا أنها تنظر إلى الظروف السياسية وكأنها الأفضل في تحقيق مكاسب سياسية وإجتماعية مقابل توقفها عن العمليات في ضوء الأزمات الإسرائيلية المتلاحقة.
تأمل السلطة من خلال الهدنة إضعاف قوة شارون المتآكلة وتعزيز أصوات اليسار التي بدأت ترتفع وتتحرك
إبراهيم أبو الهيجا
جاء حوار القاهرة للمرة الثانية بعد حوار القاهرة الأول الذي عقد قبل عام تقريبًا وتمخض عن توقف فصائل المقاومة عن الفاعليات العسكرية ضد الكيان الصهيوني لمدة ثلاثة أشهر، دامت أكثر من شهرين، وتوقفت نتاج التلاعب الصهيوني بظروف استمرارها أو التجاوب حتى مع بعض شروطها.. مما أدى إلى انفراط عقدها وتأكيد أعمال المقاومة في عملية ضخمة تبنتها حركة المقاومة الإسلامية «حماس».
ثم رد الصهاينة عليها باستهداف مجنون حاول فيها قتل كل القيادات السياسية لحركة حماس تحديدًا في قطاع غزة، لكن لم يرتفع شهيدًا فيها سوى المهندس «إسماعيل أبو شنب» ثم تلتها عمليات ضد الجنود والمستوطنين وقصف متواصل بالصواريخ وقذائف الهاون للمستوطنات المحاذية لقطاع غزة.. ووصلت أوجها في عملية للجهاد الإسلامي داخل تل أبيب مما أدى إلى رد إسرائيلي تاريخي تمثل في استهداف ما ادعت أنه قاعدة للمقاومة الفلسطينية في سورية.. ثم هدأت وتيرة المقاومة قليلًا.. وبين هذه المراحل كان المسرح الداخلي الفلسطيني يشهد تحولات متأثرة مع ذلك أو جزء منها.. وتمثل ذلك في استقالة حكومة محمود عباس وتولي أبو العلاء (قريع) حكومة طوارئ... ثم حكومة موسعة، وتعززت في معرض كل هذه التحولات قوة الرئيس عرفات في صراعات القوى داخل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة.. في ضوء الرغبة الأمريكية الإسرائيلية، بالتخلص منه ونزع صلاحياته واستبداله بآخرين... بين كل هذه الظروف وأخرى، أتى حوار القاهرة الثاني محاولًا بشكل رئيس التوصل لهدنة جديدة، وهذا ما نحاول معالجته بقياس المفاعيل الفلسطينية والإسرائيلية والإقليمية والدولية.. لبناء تصورات لما يمكن أن يتوصل إليه حوار القاهرة الجديد بعد فشل نتائج القديم في تشكيل رؤية سياسية فلسطينية موحدة سواء على مستوى البرامج أو الآليات.... واستطاع فقط انتزاع موافقة القوى الفلسطينية وتحديدًا الإسلامية على توقف مؤقت لمدة ثلاثة أشهر.
برنامج الحوار
1- مراجعة التجربة السياسية السابقة خاصة طوال العامين السابقين.
2- الاتفاق على برنامج سياسي مشترك.
3- اختيار قيادة سياسية موحدة، بالإضافة إلى موضوع الهدنة «بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني».
وهذه هي النقاط عينها التي تمت مناقشتها في حوار القاهرة الماضي الذي عقد في الخامس والعشرين من يناير 2003، والذي انتهى دون أن ينجح المجتمعون في التوصل إلى أي قواسم سياسية مشتركة يمكن معها إصدار بیان مشترك.. وبرأينا أن المسألة التي سيجري التركيز عليها هي كيفية التوصل إلى هدنة جديدة أو الحصول على تعهد من حركات المقاومة الفلسطينية وتحديدًا الإسلامية عن امتناع لفاعليات المقاومة بضمانات دولية أو باشتراطات متبادلة مع إسرائيل أو حتى بدونهما، أما الحديث عن إنجاز برامج أو آليات فلسطينية موحدة أو قيادة مشتركة... فهو من المسائل المعقدة التي من شبه الاستحالة حسمها بزمن قياسي نتاج الخلافات الجذرية بين حركات المقاومة وتحديدًا الإسلامية والسلطة الفلسطينية تجاه النظرة للصراع والأرض والتسوية. وعليه فحتى لو صدر بيان مشترك فإنه سيكون مزينًا بالكثير من العموميات والنقطة التي سيجري التركيز عليها وقف فاعليات المقاومة (زمنه وشكله).
الدور المصري
من الواضح أن المشترك في كل هذه الحوارات هو الدور المصري الذي يحاول التأثير على مسار المقاومة الفلسطينية من جهة، واستغلال علاقته الإستراتيجية مع الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل من جهة أخرى، وقد مكنه ثقله العربي ووزنه الإقليمي وسلامه البارد مع إسرائيل من التوفيق بين هذين المتناقضين، لكن لا يمكن القول إن مصر على علاقة سوية مع إسرائيل... بل إن علاقاتهما تمر هذه الأيام بأسوأ لحظاتها.. وبينهما الكثير من الاتهامات المتبادلة والغمز واللمز.. كان آخرها قضية تهريب الأسلحة من رفح المصرية إلى رفح الفلسطينية، وحتى العلاقات المصرية- الأمريكية أقل من المعتاد، وقد لمّح بوش إلى ذلك في خطابه الأخير عن الديمقراطية في الوطن العربي... ورغم قناعتنا أن كل هذه الإشارات ليست حقيقية وإنما توظيفية وإعلامية تحاول من خلالها إسرائيل الضغط على مصر للمزيد من المواقف اللينة تجاه المطالب الأمريكية في العراق، والإسرائيلية في فلسطين تحديدًا تجاه خلافة عرفات.. والانتفاضة الفلسطينية وعودة السفيرين المصري والأردني إلى إسرائيل...
ولا شك أن النظام المصري يدرك أن الليونة تجاه العراق والمسألة الفلسطينية تعود عليه بأضرار داخلية وإقليمية ودولية.. ولذا يحاول الدور المصري من خلال حوار القاهرة عكس صورة وسيطة بين كل هذه المطالب.. فهو من جهة يريد أن يؤكد للفلسطينيين أنه المنقذ من تمادي إسرائيل في العدوان، ويريد أن يؤكد لإسرائيل أنه اللاعب المركزي في الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويريد أن يقنع الأمريكان أن جهوده في التوصل إلى هدنة هي لإبقاء منطق التسوية حيًّا وبالتالي التوافق مع مطالب الهدوء الأمريكية في المنطقة، ويجمع بين كل ذلك رغبة المصريين في التأثير على مسار الأحداث وتأكيد محوريتها مع الحفاظ على مصالحها الذاتية والتوافق مع المطالب الأمريكية، لكن علينا أن نستدرك هنا أن نتائج حوار القاهرة الأول توقفت عند ما هو مطلوب من الفلسطينيين وتحديدًا من المقاومين.. بينما لم يجر بالمقابل توفير ضمانات أمريكية أو تأكيد التزامات إسرائيلية، ولا نستطيع الجزم أن ظروف الحوار الجديد تغيرت وما زلنا نعتقد أن المصريين لا يستطيعون الحصول على أي ضمانات أمريكية أو التزامات إسرائيلية..
وبالتالي أخشى ما نخشاه أن يبقى الدور المصري محصورًا في الضغط على الفلسطينيين لتقديم مبادرة ذاتية دون إنجازات مقابلة.
المواقف الفلسطينية
- حركات المقاومة وتحديدًا الإسلامية التي بادرت من قبل للامتناع عن فاعليات المقاومة.. راكمت تجربتها السابقة أهمية الحصول على ضمانات على مبادرتها من قبل جهات دولية والتزامات إسرائيلية مقابلة، ورغم إدراك هذه القوى لحجم الضغوط العسكرية التي تتم ممارستها على حركتها وتمويلها، إلا أنها تنظر إلى الظروف السياسية وكأنها الأفضل في تحصيل أثمان سياسية واجتماعية لتوقفها عن الفاعليات العسكرية لمدة معينة في ضوء الأزمات الإسرائيلية الداخلية المتلاحقة.
- السلطة الفلسطينية، حرصت في المرات السابقة والحالية على التوافق مع أي هدنة بل والمبادرة إليها، في محاولة منها لتأكيد ذاتها وقوتها المتضائلة على أمل تحصيل انسحابات إسرائيلية، وإعادة الاعتبار لشرعيتها الدولية وعلاقتها مع الأمريكان، وتعديل الصورة الإسرائيلية النمطية عن قيادتها ممثلة بالرئيس عرفات، وهي كذلك تأمل من خلال هذه الهدنة إلى إضعاف قوة شارون المتآكلة وتعزيز أصوات اليسار التي بدأت ترتفع وتتحرك.
المواقف الإسرائيلية
- الموقف الرسمي (اليمين الصهيوني)... الذي يعاني زعيمه شارون من تآكل في شعبيته وملاحقات قضائية لعائلته وأصوات داخلية احتجاجية على انعدام أفقه السياسي وفشل آلته العسكرية في الحسم، متكاملًا معها احتجاجات أمريكية على بناء الجدار الفاصل وقرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن تلزمه بالالتزام بخريطة الطريق ممثلًا بقرار (1515).
جملة هذه التحولات المستجدة تضغط على شارون للانحناء قليلًا ومسايرة الجهود الدولية ومحاولة التهدئة الميدانية... ولكن هذا لا يعني أن شارون سيقدم على تنازلات جدية، بل هو يمارس إدارة علاقات عامة يحاول من خلالها البقاء في الحكم والحفاظ على ائتلافه... ولذا فهو إما أن ينحني كما سبق وتقدم ويرضى بالتوافق جزئيًّا مع شروط الهدنة وهذا سيتطلب منه ضم حزب العمل إلى ائتلافه الحاكم أو كسب الوقت لحين تحسن وضعيته الداخلية، أي إطلاق التصريحات دون دفع الأثمان أو الاندفاع نحو الأمام وتوتير الظروف الإقليمية بضرب مواقع في سورية أو لبنان حال حدوث عملیات فلسطينية نوعية، وبذلك ينقل التوتر إلى خصمه ليصدر أزماته الداخلية وفشله الأمني ومحنته الاقتصادية.
- الموقف المعارض (اليسار الصهيوني)، نشهد اليوم محاولته للخروج من مأزقه الداخلي وآثار هزيمته النكراء ويحاول التأثير على مسار الحكومة السياسي مدركًا أن شارون يمر بأضعف حالاته؛ ولذا بادر أقطاب من اليسار إلى التوافق مع فلسطينيين لإجمال تفاهمات طابا التي جرت في عهد باراك باتفاقية سويسرا... ومؤخرًا أصدرت اللجنة السياسية في حزب العمل مبادرة تشبه اتفاقية سويسرا، كل هذه التحركات تدعم التحولات الجارية التي تدعم التزام إسرائيل كليًّا أو جزئيًّا بشروط الهدنة، وهذا ما يسعى إليه اليسار الكاسب الأكبر من حدوث هذه الهدنة كونه يدرك أن أي ضعف يبديه شارون تجاه الفلسطينيين سينعكس على ائتلافه وتماسكه (ضعفا أو قوة).
الموقف الأمريكي
لا يمكن الحديث عن جدية أمريكية تجاه حوار القاهرة في الضغط على إسرائيل بالالتزام باشتراطاتها أو تقديم ضمانات لاستمرارها، ولو كان ذلك ممكنًا لرأينا ذلك في قدرة الأمريكان على وقف إسرائيل عن استكمال الجدار شرقًا في قلب الأراضي الفلسطينية بل إنها استخدمت الفيتو في مجلس الأمن لمنع قرار ضده، كل ذلك يعني برأينا ضعف الدور الأمريكي حاليًا في الضغط على إسرائيل في ضوء اقتراب الانتخابات الأمريكية، وورطة الأمريكان في العراق، إلا أنه من الجيد القول هنا إن الموقف الأمريكي الذي يطلق التصريحات المنتقدة للمستوطنات والجدار... ربما هو أيضًا منشغل عن تلبية ما يريده شارون من ضغوط أخرى على العرب والفلسطينيين. كل ذلك يجعل الموقف الأمريكي أقرب إلى الابتعاد والحفاظ على مسافة مع ما يجري، أي دون فاعلية، وهذا رغم إيجابيته إلا أنه مضر الآن كون المطلوب لإنجاز أي هدنة الضغط الأمريكي على إسرائيل وليس الإبتعاد.
الأفق
حوار القاهرة الثاني الجديد قد لا ينجح في تحقيق هدنة بالمفهوم الدارج؛ لأن الهدنة تفترض وجود ضمانات حافظة واشتراطات متبادلة، ورغم أن الحوار الجديد قد يفضي مرة أخرى إلى كسب امتناع جديد عن فاعليات المقاومة إلا أنه سرعان ما سينهار؛ لأن هدف شارون هو كسب الوقت ومسايرة الضغوط والاستمرار في بناء الجدار منتظرًا الوقت المناسب الذي يستطيع فيه خلط الأوراق وتعزيز حكمه وشعبيته... لكن كل ذلك يسير به نحو الانهيار، ولعل هذا يحسب للمقاومة ومفاعيلها التي استطاعت خلق تراكم في الوعي الإسرائيلي الشعبي والأمني أنها حالة قوية لا يمكن كسرها أو سحقها، وهنا تأتي المبادرات الإسرائيلية السياسية المتلاحقة ومنها (اتفاقية سويسرا)، في محاولة إسرائيلية للالتفاف على إنجازات المقاومة والتخفيف من مفاعيلها عبر تقديم تنازلات هامشية وانسحابات من هنا وهناك، وبذلك تنقل إسرائيل الكرة إلى ملعب الفلسطينيين لمواجهة المقاومين وتقوية الجدل الداخلي مرة أخرى حول مشروع التسوية وتقبله أو القبول به..