العنوان المنهج الإسلامي في النقد الأدبي (1من 2) «مقوماته وخصائصه»
الكاتب علي الغزيوي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1994
مشاهدات 161
نشر في العدد 1117
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 20-سبتمبر-1994
المجتمع الثقافي
لقد عشنا فترة طويلة نستهلك المناهج الغريبة عن فكرنا وتربتنا، نقحمها في دراساتنا، وننظر من خلالها إلى أدبنا خاصة، وتراثنا عامة، وساهمت الأجيال المتعاقبة التي تلقت العلم في ديار الغرب على نشر تلك المناهج، وترسيخ أصولها في أذهان الناشئة الذين يتخرجون فوجًا تلو الآخر، وقد تكون لديهم اقتناع شبه تام بأن الأمة العربية لا حظ لها من المناهج، وبأن الغرب هو منبعها، وهو مبدعها، ثم راح هؤلاء ينقلون ذلك إلى غيرهم حين تولوا مسؤولية التدريس والتوجيه.
دور المستشرقين في صرف أنظارنا عن مناهجنا الأصلية:
وأسهم المستشرقون في ذلك إلى حد كبير، ولاسيما من خلال سعيهم إلى صرف أنظارنا عن المناهج الإسلامية الأصيلة في مختلف العلوم، عن طريق ما بثوه من أوهام ومزاعم في محاضراتهم ومؤلفاتهم عن قصور تلك المناهج، بطريقة مباشرة حينًا، وغير مباشرة حينًا آخر، ومن ذلك سعي بعضهم إلى تقديم نماذج رديئة ليؤكدوا من خلالها ضعف المناهج عن المسلمين، ولعل أقرب نموذج لذلك هو ما فعله المستشرق الدكتور «فرانتز روزنتال» الذي خلط بين المنهج بمفهومه العلمي الصحيح. وآداب البحث وسلوك العالم والمتعلم، وذلك في كتابه «مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي»([2]) مركزًا على جهود كل من ابن جماعة (ت: 733هـ) في كتابه «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم» والغلموي (ت: 981هـ) في كتابه «المعيد في أدب المفيد والمستفيد» وكلاهما من المتأخرين، بالإضافة إلى نقول أخرى عن غيرهما مقتطفة من هنا وهناك.
وإذا سلمنا بما جاء في هذا الكتاب، اقتنعنا بإنعدام المنهج عند العلماء المسلمين، لأن المادة التي انطلق منها ليست في صميم المنهج وطرق البحث والدرس أصلًا، وقد تصدت الأستاذة الباحثة الفاضلة الدكتورة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» إلى التنبيه على هذا الوهم متسائلة: كيف يختلط الأمر على مثل روزنتال. فلا يفرق بين آداب السلوك المدرسي للعلماء والمتعلمين ومناهج البحث عند علماء المسلمين؟([3]).
وقد خصص «فرانتز روزنتال» السم الثالث من كتابه لطريقة المعالجة النقدية في مجال الأدب، تحدث فيه عن المصادر والدقة في النقل، والوضع والسرقات الأدبية، وروح النقد، ومنزلة الثقات من علماء الإغريق، وختمه بالحديث عن حدود النقد([4]) ولكنه لم يقف عند المصادر التي تعتبر في صميم النقد في فتراته الزاهية، مما جعل تلك المباحث في مجملها لا تقدم صورة حقيقية للمنهج النقدي عند علماء المسلمين في مجال النقد والدراسة الأدبية، وبالإضافة إلى ذلك نتساءل: كيف يمكن لكتاب لا يتجاوز المائتي صفحة أن يستوعب مناهج البحث والدرس عند العلماء المسلمين في مختلف العلوم والمعارف؟
ومن الغريب أن يظل كتاب فرانتز روزنتال مقررًا ومعتمدًا في عدد من مؤسساتنا الجامعية في يالمشرق والمغرب، ويتخذه بعضهم- ولو عن حسن نية- نموذجًا من المصادر التي تبحث في مناهج العلماء المسلمين.
العلوم الإسلامية هي مصادر المنهج:
ولذلك كان من الالزم أن نبحث عن المنهج الحقيقي في تجلياته الواضحة، ومبادئه الصحيحة في عدد من العلوم الإسلامية كالتفسير، وعلم الحديث، والأصول، والتاريخ، والأدب.. وأن نصل الماضي بالحاضر بدل أن نتذكر له، ولكن ما حدث حين ساد الوعي المنهجي في العصر الحديث، أننا اتجهنا إلى الغرب نقتبس منه ونستعير مناهجه، وفي مقدمتها مناهج الدراسة الأدبية، فأخذنا نطبق المناهج الغربية على أدبنا قديمه وحديثه، ووصل الأمر عند بعضهم أحيانًا إلى درجة محاكمة التراث انطلاقًا من معايير غربية، فكان الثناء لهذا التراث حين وجد فيه ما يتفق وبعض المفاهيم الأجنبية الحديثة، وأدار له ظهره واتهمه بالقصور والجمود والتحجر حين انعدمت تلك العلاقة في نظره، وقطع معه كل صلة، مع العلم أن التراث الحقيقي مستمر وممتد، نستحضره باستمرار بحسب الحاجة إليه.
إننا لا ننكر، ولا يجوز لنا أن ننكر، أن العالم من حولنا قد تقدم في مناهج البحث والتفكير، كما تقدم في مناهج العمل والتطبيق، وأصبحت فروع المعرفة مرتبطة ارتباطًا عضويًا لا عفويًا([5]). ولكن ما الذي قعد بنا عن اللحاق بالركب سوى الإستسلام للإستهلاك المنهجي والمادي معًا؟ معتقدين أننا سنحقق ما نريد إنطلاقًا من مصادر خارجية، وإعتمادًا على مناهج مكتسبة غير نابعة من صميم حضارتنا.
التلفيق يضر بالأمة:
وقد تأكد في الواقع «أن الذين حاولوا التلفيق والنهوض بالأمة من الخارج الإسلامي، أخفقوا وأسهموا بتكريس التخلف وتنميته، لأنهم أخطئوا المنهج، وقاسوا الواقع الحضاري للأمة غير مقياسه الصحيح، وقوموا البناء على غير أسسه، واعتبروا الحضارة الأوروبية وعلومها هي المقياس لكل حضارية، ووسيلة النهوض لكل تقدم»([6]).
ينبغي أن نؤصل منهجنا المتميز:
ولا نريد بهذا لأن نعلم رفضنا المطلق للمناهج المستوردة، ونغلق المنافذ دونها، لأن الفكر عطاء إنساني متكامل، يتجاوز الحدود الضيقة ليصبح ملكًا للبشرية جمعاء، ومن ثم يمكننا أن نستفيد من إيجابياته التي لا تتعارض ورؤيتنا الحضارية وتصورنا الإسلامي، ولكننا نسعى إلى أن نؤصل منهجنا المتميز الذي يأخذ ويعطي في الحدود التي تحافظ على مقوماته وخصائصه، ونحن في حقيقة الأمر لا نفعل شيئًا سوى أننا نستعيد الخيوط التي تصل الماضي بالحاضر، بعد أن أخفاها ركام من الأفكار والأحكام المسبقة. ونكشف حقيقة حاولت مزاعم المنظرية الغربية تزييفها حين أخرجت المنهج الإسلامي من دائرة الاهتمام عند تاريخ الفكر، فهي تقفز من الفكر اليوناني عامة، والأرسطي خاصة، إلى عصر النهضة الأوروبية الحديثة، وما أعقبها من إنجازات، متناسية قرونًا خصبة متوالية من عطاء الحضارة الإسلامية في مختلف فروع المعرفة، بينما هي قد استفادة أيما إستفادة من منجزاتها ثم تنكرت لها، فإذا قصرنا الأمر على الأدب ونقده، فإننا نجد على سبيل المثال شيخًا من شيوخ الأدب بجامعة لندن، هو الأستاذ لاسل آبركرمبي «Lascelles Abercrobie» يقف عند مجموعة من النقاد الذين يعتبرهم معالم كبرى في تاريخ الحركة النقدية، وهم على التوالي: أرسطو، وهوراس ثم دانتي ثم من جاء بعدهم في عصر النهضة([7]) والنماذج المشابهة كثيرة جدًا.
التغريب المنهجي.. إلغاء للذات:
ولا شكَّ أن تبني هذه النظرة- وهو حاصل فعلًا في كثير من الدراسات المعاصرة- من شأنه أن يلغي حلقات مهمة من تاريخ الفكر الذي أنتجته الحضارة العربية الإسلامية من ناحية، وهذا هو هدف الغربيين في تجاهلهم لعطاء الحضارة الإسلامية أو سعيهم إلى تشويهه، ومن شأن ذلك أيضًا أن يبعد المسلمين عن أصول تراثهم السير في طريق لا يُعرَّج عليه من ناحية أخرى، بل يلاحظ «أن المواد والمناهج التي تدرس في البلاد الإسلامية حاليًا إنما «في معظمها» نسخ مما عند الغربيين، لكن ما افتقارها للرؤية التي تمدها بالحياة في بيئتها الأصلية، وهي بهذه الصورة تصبح من عوامل الضعف.. تؤثر في الطالب تأثيرًا سيئًا.. من حيث إنها تقف كبدائل للمواد والمناهج الإسلامية»([8]).
وحين ازداد الإحساس بالوعي المنهجي في العالم الإسلامي الحديث، وتعمق خلال السنوات القليلة الماضية، وأصبح «المنهج» هاجسًا يشغل المنظرين في مختلف فروع المعرفة، ظهرت مجموعة من المفاهيم التي غدت تشغل الدارسين والمفكرين المسلمين في مجال الأدب، وعلم النفس، وعلم الإجتماع، والإقتصادي، والتاريخ.. وتجاوز الأمر مجال ما يعرف بالعلوم النظرية أو الإنسانية إلى ما يصطلح عليه بالعلوم الصحيحة أو التجريبية كالطب والرياضيات والطبيعيات وما إليها، وارتفعت الدعوة إلى أسلمتها جميعها، وهي دعوة ليست جديدة في حقيقة الأمر، لأن خيوطها وإرهاصاتها قائمة في تراثنا كله، غير أنها غدت كالجديدة في عصرنا الراهن هذا أمام التحديات الحضارية، ومحاولات التغريب التي تسعى إلى إذابة الشخصية الإسلامية وإبعادها عن أبرز مقوماتها من خلال التغريب المنهجي.
دواعي المنهج الإسلامي في النقد الأدبي:
وتعتبر إسلامية الأدب ونقده من المفاهيم الجديدة التي عرفتها النظرية الأدبية والنقدية حديثًا، وأصبح المنهج الإسلامي في النقد الأدبي قضية بارزة، وموضعًا شاغلًا لعدد من الداسين الذين يسعون إلى تأصيله وإبراز منطلقاته وتصوراته، وتحديد مكوناته وخصائصه فإذا تساءلنا عن أبرز دواعيه أمكن إجمالها فيما يلي:
1- الوعي الذي أفرزته المرحلة الراهنة بضرورة التمييز بين ما هو إسلامي وما هو دخيل في مختلف مجالات الحياة: تفكيرًا وسلوكًا وإنتاجًا ماديًا وفكريًا.
2- التجارب الإبداعية التي بدأت تأخذ طريقها على درب الأدب الإسلامي في الشعر والرواية والمسرح.. وهي في حاجة إلى التوجيه وإنارة الطريق لتعميق تجربتها وتهذيب محاولاتها والسمو بها، وقد تبين فعلًا أن النقد الإسلام في الفترة السابقة على قصرها، قد خدم تجربة الأدب الإسلامي وصحح كثيرًا من مفاهيمه.
3- الوعي بعدم ملاءمة كثير من المناهج الغربية في التعامل مع التجربة الإسلامية المعاصرة في الإبداع الأدبي، لأنها نبتت في تربة غريبة عنها، لها ميزاتها الخاصة وخلفياتها وتصوراتها النابعة من طبيعتها، ونقلها إلى تربة أخرى لا يخلو من تعسف وإسقاط. فهي تتعامل مع النصوص بطريقة تخرج التصور الإسلامي ومعاييره من الحساب، وترسخ بعض الانحرافات الفكرية، ولا تعير إهتمامًا لسوء توظيف النص القرآني أو الحديث النبوي أو الشخصيات والأحداث الإسلامية، ولا تقف عندما يصيبها من تشويه أو تحريف.
ضرورة المنهج الإسلامي البديل في النقد:
ولذلك لا بُدَّ من منهج بديل، يعكس شخصية المسلم وتطلعاته المنبثقة من عقيدته، وتصوراتها الفكرية والجمالية، ولا سيما بعد أن غدت «أسلمة المعرفة» ضرورة ملحة، وقضية تعقد لها الندوات، وتصنف فيها المصنفات.
وعلى الرغم من قدم بعض المفاهيم المرتبطة بالأدب الإسلامي ونقده، وتوافر عدد من النصوص الشعرية، والتوجيهات النقدية، منذ فجر الإسلام، فإن الأمر لم يكن يطرح طرحًا منظمًا كما هو الآن، وإن كانت تمثل منطلقات التأسيس([9]). وتعتبر جهود كل من سيد قطب، ومحمد قطب، ود. نجيب الكيلاني، ود. عماد الدين خليل ومن سار على خطوهم رائدة في هذا المجال، ثم أعقبتها جهود متوالية مهمة في المجالين، التنظيري والتطبيقي، في مختلف الأجناس الأدبية، وقد واكب الإعلام الإسلامي من المشرق والمغرب تلك الجهود. فظهرت بعض الجرائد والمجلات الملتزمة التي فتحت صفحاتها لأصوات الأدب الإسلامي إبداعًا ودراسة، كما ظهرت بعض الدراسات الموسعة التي سعت إلى ترسيخ النظرية وتعميقها، وبلورة الفعاليات المنهجية في إطار التصور الإسلامي.
وتعتبر التجربة المغربية رائدة بالنسبة لعدد من البلاد العربية والإسلامية، إن في مجال التنظير النقدي وتحدي مواصفات المنهج الإسلامي في النقد الأدبي، وإن في مجال الإبداع الشعري، ثم تليه تجارب متواضعة في الفن القصصي، كما تعتبر الصحافة الإسلامية في المغرب رائدة بالنسبة إلى عدد من البلاد العربية والإسلامية أيضًا، من خلال مجموعة من الجرائد والمجلات الجادة، وذلك بالإضافة إلى بعض المؤسسات الفكرية، وفي مقدمتها المجالس العلمية، وربما كان المجلس العلمي الإقليمي «وجدة وفكيك» سباقًا إلى إعلان صوت المنهج الإسلامي في النقد الأدبي من فوق منبره، عن طريق المحاضرات الموازية التي كان ولا يزال يعزز بها رسالته النبيلة في التوعية وخدمة الفكر الإسلامي في مختلف مجالاته، وضمنها الأدب الإسلامي ونقده([10]).
[1] أستاذ الأدب الأندلسي والنقد الأدبي بكلية الآداب- فاس- ورئيس فرع رابطة الأدب الإسلامي بالمغرب.
[2] مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي- ترجمة د. أنيس فريحة مراجعة د. وليد عرفات ظهرت طبعته الأولى سنة 1961 عن دار الثقافة- بيروت، ثم طبع بعد ذلك عدة طبعات.
[3] المنهج النقلي عند علماء المسلمين د. عائشة عبد الرحمن- مجلة الباحث- المغرب- السنة الثالثة- المجلد الثالث 1974 ص: 5: 21.
[4] مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي ص: 183- 162- الطبعة الثالثة 1400هـ- 1980م.
[5] الفكر المنهجي عند المحدثين د. همام عبد الرحمن سعيد ص: 15 سلسلة كتاب الأمة رقم: 16 قطر- محرم 1408هـ.
[6] المرجع نفسه ص 11 من التقديم بقلم عمر عبيد حسنة.
[7] انظر كتابه: قواعد النقد الأدبي ترجمة د. محمد عوض محمد ص: 149 وما بعدها دار الشؤون الثقافية العامة- وزارة الثقافة والإعلام- العراق. الطبعة الثانية 1986.
[8] أسلمة المعرفة د. إسماعيل الفاروقي.. ترجمة عبد الوارث سعيد ص: 23 دار البحوث العلمية- الكويت- الطبعة الأولى 1404هـ/ 1984م.
[9] انظر: المنهج الإسلامي في النقد الأدبي: التأسيس والأمتداد: علي الغزيوي الملحق الثقافي لجويدة العلم- العدد 618- الجمعة 23 يوليو 1982.
[10] ونحو منهج إسلامي في النقد الأدبي: مجلة المشاكة الأعداد: الأول والثاني. والخامس والسادس «مزدوج».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل